الحوار المتمدن - موبايل


من -مخيم قلنديا- خرجت جنازة للمفاوضات

ريما كتانة نزال

2013 / 9 / 1
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية



اثناء تخييم الموت على سطح واحد يتعاقب فيه الصيف والشتاء، يؤكد الموت مجددا، في مخيم قلنديا، انه لا زال يحتل خلفية المشهد في الحكاية، ويحظر التجوال على ركض الدورة الدموية في الشرايين متى يشاء، ويصر على حضوره الدائم في النص الحياتي. لقد جاءت القوة الاحتلالية المفرطة لتستقوي على المخيم الطل على القدس، ولدى قيامها بمهامها الأبدية، أججت الدماء معلنين عن إضافة بعض الأسماء الجديدة إلى سبّورة الشهداء.
وسط كوْن من الموت والغياب فكّر الشهداء جرّ الطرف القاتل إلى المفاوضات. وبدوره وافق القاتل على التجربة الجديدة كسراً للجمود ولإبداء حسن نواياه اتجاه المستقبل. بداية، تساءل القاتل عن مطالب القتلى قبل دفنهم مع اعلان واضح أنه لا يفاوض، بل جاء للتلاعب في المكان ورفع سعر الوقت، ومن بين أهدافه إجراء فحص تحليلي لجدية القتيل وقدرته على التقاط عبَر ودروس سياسة كيّ الوعي..
للحقيقة، تفاجأ الشهداء قبول االتفاوض أكثر من مفاجأتهم بالقتل، وكان عليهم الاستعداد لمغامرتهم الغريبة والدخول في اللعبة من بابها الدوّار. وللتاريخ، وضعوا بمهنية نقاط القوة والضعف لديهم ولدى خصمهم، ورسموا خطوط مطالبهم بكل الألوان والمدارات دون توقعات عالية من القوة المدججة.
استدار الشهيد "روبين زيد" بوجهه نحو الساعات الأخيرة من حياته، لقد أراد الرجل أن يكمل ما بدأه قبل الدخول بكفنه، فما كان أمامه سوى المطالبة بالعودة إلى العائلة الممتدة، والقيام بجميع الخطوات الاجرائية للمتوفى قبل الاندثار. فالأولاد صغار، والزوجة والأم في حالة الصدمة، والوالد مهما أبدى من تماسك وصلابة، لن يكون بمقدوره أن يحتمل المصاب بعد ان قضى عمره يركض خلفه من سجن لآخر. كما كان عليه وضع وصيته، والقاء نظرة الوداع على نفسه والمشاركة بالدفن وتقبل العزاء.
اما الشهيد "يونس جحجوح"، الذي وضع أمنية الشهادة من بين أهم سبع أمنيات اشتهاها لنفسه في ليلة القدر. مدركاً حقيقة عمره الهارب، وموقنا بأن الهرب من الحياة هو البطولة الوحيدة الممكنة، فقد طالب أيضا العودة الى بيته. لقد أراد "يونس" احتساء قهوة الصباح الأخير مع الوالدة، واضعا في اعتباراته أن يكتب اثناءها بيان نعيه لنفسه. لقد اعتقد الطالب المجتهد في معهد الاعلام، أن كتابة النعي فرصة هامة جاءت له عبر زخات من الرصاص، لتطبيق ما تدرب عليه في دروسه، يظهر فيه براعته ومقدرته في الصياغة السياسية والأدبية.
للشهيد "جهاد أصلان" مطالب مختلفة.. حيث تفاجأ بانفراط عقد عمره دون إرادة أو تخطيط مسبق. فعلى الرغم من صغر عمره، لكنه امتلك رهافة ووعيا يسبقان عدد السنوات العشرين التي قضاها في قطع الحواجز الحديدية والنظر في الكاميرات الكاشفة والبطاقات الممغنطة في طريق ذهابه وإيابه للعمل الأسود. طالب الشهيد تمكينه من الوصول إلى عمله، لوداع الزملاء وتبرير غيابه الطويل القادم وقبض راتبه الأخير وتعويض نهاية خدمته القصيرة، ووضع في اعتباره إحضار بعض الأوراق لتسجيل وقائع المفاوضات، فقد تفيد أحدهم من بعده..
درس الطرف القاتل المطالب وقرر استدعاء وحدات إضافية لتعزيز حضوره. حيث اعتبر أن المطالب مبالغ فيها وتنطوي على لغة تحريضية، وعلى تجاوزات فظة للأحلام المسموحة، ومناورات وخدع مما يقتضي رفضها جملة وتفصيلا.
انتهت التجربة التفاوضية، رفض الشهداء مراسيم الدفن الهادئ والعيش في الفراغ. وقرروا موحَّدين ارتداء ملابسهم العادية، ومغادرة قاعة التفاوض مع القوى الظاهرة والخفية. ومن مكانهم أرسلوا لنسائهم أن لا يلحقوا بجنازاتهم، وان لا يقوموا بتدلية رؤوسهن وأشواقهن وانفطارهن من الشرفات والنوافذ اثناء مرور الجنازة.
انسحبت الجنازة بضوضاء من غرفة التفاوض، خرجت من الباب الضيق إلى فضاء جديد واضعة حد للدوران في حلقة مفرغة. ذهب الشهداء إلى العوالم الأخرى لعقد اجتماعات مفصلية مع الشهداء السابقين للتباحث في استراتيجية جديدة للتفاوض، وقبل كل ذلك كتبوا بيانهم بأياديهم النازفة، أودعوه تجربة التفاوض بين القاتل والضحية، ولم يرد في بيانهم التاريخي أي عبارة استنكار أو تنديد بالمجزرة التي قتلتهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. دايالوك لا للحرب بين اسرائيل وحماس


.. السودان.. الجيش يسلم تقريرا عن مقتل متظاهرين


.. حصيلة أسبوع من التصعيد بين الفصائل الفلسطينية والجيش الإسرائ




.. الأمن الأردني يفرق مظاهرة كبيرة كانت تطوق السفارة الإسرائيلي


.. فيديو: اشتباكات بين متظاهرين مؤيدين لفلسطين والشرطة البريطان