الحوار المتمدن - موبايل


في جذور الانتفاضة

هاشم نعمة

2013 / 12 / 1
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


ما يميز الباحث اليساري عن غيره، هو الغوص العميق في تحليل الظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المتشابكة، وذات التأثيرات المتبادلة، ومنها حركات الاحتجاج والانتفاضات والثورات، للتحري عن اسبابها وتجلياتها وآفاق تطورها ونتائجها، وبالأخص في المجتمعات النامية التي تمر في مرحلة تحول، ومنها مجتمعات البلدان العربية. وهي مهمة غير سهلة، بالأخص، على الباحث تحديد العوامل الرئيسية من الثانوية، الفاعلة في عملية الحراك الإجتماعي والسياسي، وفك الاشتباك بين المظاهر وعزل ما قد يشوش منها على المتابع تحديد الرؤية الدقيقة، من أجل توظيف كل ذلك في التحليل المعمق للخروج باستنتاجات تتسق مع منهجية التحليل العلمي، لا اللجوء إلى التفسيرات الفوقية الجاهزة والمبتسرة.
أشير إلى هذا، بعد أن أطلعت على مقالة الأستاذ اسحاق يعقوب الشيخ المعنونة " انتفاضة وطنية أم انتفاضة طائفية؟ " التي نشرها في موقع الحوار المتمدن وصحيفة الأيام البحرينية بتاريخ 25 تشرين الثاني| نوفمبر 2013، والتي جاءت للرد على ما ورد بخصوص البحرين في مقالتي المعنونة " آفاق ومحددات الإسلام السياسي في بلدان الانتفاضات الشعبية". وبودي هنا توضيح النقاط الآتية:
أولا: أشكر الأستاذ اسحاق يعقوب الشيخ لثنائه على مجلة "الثقافة الجديدة" وهي تستحق ذلك والتي نشرت فيها مقالتي المشار إليها إذ يذكر بأنها " ركيزة تنويرية عزيزة على ارواحنا وافئدتنا ولها منزلة خاصة عندنا نحن معشر اليساريين الخلجيين لا ينازع منزلتها عندنا احد". وكذلك أشكره على تقيمه لمقالتي بالقول أن " الدكتور هاشم نعمة قدم بحثا له اهميته تجاه الاسلام السياسي".
ثانيا: ما كتبته حول الإسلام السياسي في بلدان الانتفاضات لم يكن مكرسا لحالة البحرين بل لمجمل البلدان التي شهدت هذه الانتفاضات. في حين، جاءت ملاحظات الأستاذ اسحاق يعقوب الشيخ حول ما ورد بخصوص البحرين فقط. فهو يرى أن ما حدث لم يكن انتفاضة بل أعمال عنف طائفية، أما اسبابها فيختزلها جميعا بالعامل الخارجي المتمثل في إيران. أي لا توجد أي أسباب داخلية لما حدث ويحدث. وهذا يخالف تماما منهجية البحث العلمي. هل يعقل حقا أن ما حدث بهذا الحجم والامتداد والاستمرارية والمطالب المرفوعة بأبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية هو بتأثير العامل الخارجي فقط. علما أن ما حدث لم يكن في سياق الانتفاضات في البلدان العربية فقط بل له امتدادات تعود لعقود من الزمن وبالأخص احتجاجات التسعينات. وهنا وكأن هذه الجماهير التي تعرضت للقمع وقدمت التضحيات الكثيرة هي بيادق شطرنج تحرك في الخفاء من قبل إيران، وهذا استخفاف كبير بنضال غالبية الجماهير. لا ننكر أن للدول اطماعها ومصالحها الجيو استراتيجية في المنطقة ومنها إيران فهي تريد أن تستثمر ما يحدث من أجل أن يكون لها تأثيرا ونفوذا سواء في البحرين وغيرها من دول المنطقة، وخير مثال على ذلك، ما حدث في العراق بعد سقوط النظام عام 2003، حيث مثل فرصة ثمينة لإيران لتغلغل نفوذها في هذا البلد. ولكن من جانب آخر، يصعب على الدول أن تجد لها منافذا للتدخل عندما تكون الجبهة الداخلية في هذه الدولة أو تلك قوية ومتلاحمة، عندما لا يكون هناك اقصاء وتهميش وتمييز وفقر وقمع، وعندما يشعر المواطنون جميعا أنهم يتمتعون بالمواطنة الكاملة والمساواة أمام القانون وأن اختلفت مشاربهم الدينية أو المذهبية أو السياسية أو الفكرية. وأن يكون هناك قدر معقول من العدالة الاجتماعية. إن أي مكون أو فئة عندما يجد نفسه ضحية التهميش والتمييز في هذه الحالة يمكن أن يتقبل تعاطف الخارج. وهذه المسألة انطبقت على جميع الانتفاضات في بداية اندلاعها، فقد كان الرأي العام في البلدان العربية معاديا للدول للغربية وبالأخص للولايات المتحدة، ولكن عندما تبدل موقفها وسايرت مسيرة الانتفاضات للحفاظ على مصالحها بإعلانها تأييدها بدرجات متفاوتة، نجد الجماهير قد تقبلت هذا التعاطف بل اطراف عديدة سعت إليه جاهدة.
ثالثا: يذكر الأستاذ اسحاق يعقوب الشيخ إني اعتمدت في مقالتي على " مصادر محمومة بالنزعات الطائفية" ولكنه يشير فقط إلى مصدر واحد من بين 14 مصدرا اعتمدت عليها، هو ما كتبه الأستاذ عبد النبي العكري بعنوان «الحركة الجماهيرية في البحرين: الآفاق والمحددات» وقد وردت هذه الدراسة ضمن كتاب بعنوان "الديمقراطية والتحركات الراهنة للشارع العربي" صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في لبنان عام 2007، أي أن مادة هذه الدراسة ليس لها علاقة بأحداث انتفاضة البحرين لأنها كتبت قبلها بأربع سنوات، هذا أولا. ومن يقرأ هذه الدراسة لا يعثر في ثنايا تحليلها على أي ميول طائفية، ونحن هنا طبعا نحاكم النص ولا نحاكم النوايا، هذا ثانيا. وما استفدته من هذه الدراسة انها اشارت إلى أن الجمعيات السياسية بعد أن سمح لها بالعمل بعد عام 1999 تأسس أغلبها على أساس طائفي بسبب ضعف الحركة الوطنية الديمقراطية التي تعرضت للقمع طيلة العقود الماضية. حيث ورد في مقالتي "تشكلت التنظيمات السياسية الرئيسية استنادا إلى الطائفة أو الخط الفكري في الطائفة" وهذا ما أكده الأستاذ اسحاق يعقوب الشيخ نفسه عندما اشار إلى أن "جمعية الوفاق الإسلامي" تتبنى مبدأ ولاية الفقية. أما الفقرة التي استشهد بها الكاتب فهي من تحليلي ولم أخذها من أي مصدر. وأريد منه هنا أن يتفضل ويدلني على جملة واحدة وردت في مقالتي حملت بعدا طائفيا نقلا عن الدراسة المشار إليها. علما ذكرت ومن تحليلي أيضا " وقد انعكست حدة الاستقطاب الطائفي سلبا (أي في البحرين) على مجمل الحركة الجماهيرية، وعلى مجمل حركة المعارضة، في تبني مشروع وطني ديمقراطي عابر للطوائف، يهدف إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية، وهذه الحالة شبيهة بالعراق بعد سقوط النظام عام 2003! حيث اعاق الاستقطاب الطائفي وتبني نظام المحاصصة الطائفية والإثنية، إعادة بناء الدولة العراقية على أساس المشروع الوطني الديمقراطي."
رابعا: يذكر الكاتب بأن الدكتور هاشم نعمة قد "اساء لطهارة وعفة ونزاهة مجلتنا الغالية «الثقافة الجديدة» التي هي فوق اي اساءة: في الارتكاز على مصدر عبد النبي العكري.." اعتقد هنا أن مجلة "الثقافة الجديدة" وما تمتلكه من رصيد معرفي مشهود له راكمته طيلة ستة عقود منذ صدورها الأول قادرة على فرز ما هو صالح للنشر من غيره.
خامسا: يسرد الأستاذ اسحاق يعقوب الشيخ ما يصفها بالانجازات التي تحققت عندنا تولى ملك البحرين الحالي السلطة عام 1999، وكأنها هبات وليست حقوقا انتزعت بفضل نضال الحركة الوطنية بكل فصائلها طيلة عقود. وأقول هنا لو كانت هذه الإصلاحات قد عالجت بشكل عميق المشاكل البنيوية التي يعيشها المجتمع البحريني لما توفرت الأسباب اصلا لندلاع الانتفاضة بهذا الشكل. علما قد خصص الأستاذ الكاتب نصف مقالته لسرد هذه الإنجازات أو ترديد موقف النظام البحريني تجاه الانتفاضة. وللأسف أقول بالرغم من الرصيد النضالي المديد للأستاذ اسحاق يعقوب الشيخ، وبحوثه ودراساته، إلا أن من يقرأ مقالته هذه، كأنه يقرأ مقالة كتبها أحد كتاب السلطة أو أحد الناطقين باسمها. والأمر المستغرب أكثر أن يطلب مني أن أكتب وفي مجلة "الثقافة الجديدة عن دور الفرد في التاريخ وهو يعني هنا ملك البحرين، حيث يذكر ما نصه "وكان بودي ان يقول الدكتور هاشم نعمة شيئا ايجابيا في دور الفرد في التاريخ ممثلاً في ارادة شعب واستجابة قائد." أقول ان هذا لم ولن يكن من شأني، وهو ربما من شأن من يريد من الكتاب أن يتزلف للأنظمة، وقد يكون يساريا لبس جلبابا محافظا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - الى بعض اليساريين المتلونين!
فهد لعنزي ـ السعودية ( 2013 / 12 / 2 - 07:52 )
الى بعص اليساريين ـ البحرينيين ـ المتلونين كـ الحية الرقطاء المتخذين الشعار القائل:
IF YOU CANNOT BEAT THEM BE WITH THEM
وسيلة ا وتزلفا لرضى انظمة ديكتاتورية او خنوعا ـ حفظا للسلامة ـ بحجة الطائفية او المذهبية .اذا قامت طائفة بالمطالبة بحقوق وطنية تشمل الجميع لا يعني انها ثورة طائفية والا للزمنا القول بان جميع الثورات كلها طائفية لان في كل الثورات هناك مؤيد ومعارض وبالاخص المتوقعين خسران مصالحهم الغير مشروعة.اما تصنيف ثورة البحرين بالثورة الطائفية فهذا تجن على الحقيقة لان الطائفة المنتفضة تشكل الاغلبية من الشعب البحريبي وهي تحضى بتاييد كل الجمعيات المعارضة وان كان هناك خلاف حول بعض المفاهيم لان شعاراتها المرفوعة ل تحمل اي شعار طائفي او اسلام سياسي.فهل المطالبة بمملكة دستورية كما نص عليها الميثاق هي لفئة دون اخرى؟؟.هل لا زالت الطائفية سمة من سمات حتى اؤلائك المدعين اليسارية او اولائك المتصيدون في الماء العكر كـ بعض عجم البحرين الشيعة الذين يضمرون عكس ما يظهرون اسرضاءا للعائلة الحاكمة.فاذا كانوا خائفين من البطش بهم فالاولى لهم السكوت وليس الدعم المعنوي تحت حجة الطائفية وهم طائفيون.

اخر الافلام

.. الشريعة والحياة - محمد النابلسي: الابتلاء مفهوم محايد وعلى ا


.. قناة الانسان


.. الإمام الطيب الأمة الإسلامية مسؤولة عن قيادة الإنسانية وتصحي




.. الإسلام دين سلام وتعاون وتسامح ورحمة متبادلة بين الناس ??


.. القباب المتحركة، معلم من الجمال يعلو المسجد النبوي الشريف