الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ما بعد العلمانية ومجالس بغداد

فلاح رحيم

2013 / 12 / 14
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


يبدأ مارك تيلر، رئيس قسم الدين في جامعة كولومبيا، كتابه "بعد الله" (الصادر عن جامعة شيكاغو عام 2007) بعبارة قد تستفز الكثيرين، إذ يقول "لن تستطيع فهم عالم اليوم إن لم تكن تفهم الدين. لم يسبق للدين أن كان بكل هذه القوة وكل هذه الأهمية." وما يعنيه تيلر، كما يكتشف من يواصل القراءة، أعمق من مجرد تشخيص ظاهرة بروز دور الدين في الحياة العامة بسبب تفاقم الإرهاب. فهو يشارك مجموعة كبيرة من المنظرين والأكاديميين الغربيين في تقصي الطريقة التي يتخلل بها الدين كل مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية الغربية الحديثة على الرغم من خصخصته رسمياً. وجهود هؤلاء المفكرين تكاثرت حتى صارت تشكل تياراً متميزاً في الحراك الفكري الغربي الساخط على فوضى ما بعد الحداثة وميلها إلى التهكم وتفلّتها من أي تثبيت للقيم والمعاني، هو ما صار يدعى "ما بعد العلمانية".
لا يتسع المجال لعرض تفاصيل نظريات ما بعد العلمانية الكثيرة والمعقدة، وسأكتفي بالتركيز على الجدال الذي يتشارك فيه معظم مفكري هذا التيار في أن الدين وأسئلته اللاهوتية يعدّ فاعلاً رئيساً في تأسيس العلمانية الغربية نفسها. يعود بنا مارك تيلر في تفسير صعود النزعة الفردية في المجتمع الحديث إلى جدال لاهوتي شهدته أواخر القرون الوسطى في الفترة الانتقالية نحو الإصلاح الديني. ساد حينها صراع بين بديلين هما الواقعية والاسمية (التي دافع عنها وليم الأوكامي في جامعة أوكسفورد). ترى الواقعية، التي تعود بأصولها إلى أفلاطون، أن لكل مصطلح عام فكرة مثالية تعدّ الأساس لكل التجسيدات الواقعية الدالة عليها. وهو فهمٌ يحتوي كل الموجودات الواقعية في خطة شاملة دالة. بالمقابل طوّر الأوكامي فكرة "الموسى" المعروفة عنه، وبها قطع واطّرح عن الأشياء كل ما لا يمت إلى الفرد بصلة، وحوّل بذلك مركز الاهتمام من المثال الأفلاطوني الشامل إلى الفرد المتميز عن كل ما عداه، وقال ليدعم فكرته إن الله هو الأشد فردية وفرادة وما البشر إلا أفراد متمايزون. وهكذا، بينما فهمت الواقعية الفرد على أنه متشارك مع الكل أكدت الاسمية على أن الشيء الواقعي الوحيد هو الفرد وما الكل الاجتماعي إلاّ تجمعٌ من هؤلاء الأفراد. بالنسبة لها ليس المصطلح الشامل إلا الاسم الذي ينظم الأفراد وأما الوجود الواقعي الوحيد فهو الفرد المتفرد. وبالرغم مما قد يبدو ضرباً من التبسيط فإن تيلر يرى أن الواقعية تكمن في أصل النهج الاشتراكي، بينما الاسمية تكمن في صُلب ميراث نشوء الرأسمالية وقيمها الفردية.
وقد أكدت هذه الجينيالوجيا اللاهوتية لتاريخ العلمانية دراسات طلال أسد وصبا محمود (وهما من المهتمين بالعالم الإسلامي وقضاياه). يرى طلال أسد أن الفهم العلماني للدين بوصفه مجموعة مقولات يُعلن الفردُ موافقته عليها بمعزل عن المجتمع والطقوس مفهوم بروتستانتي في أصوله. وهو فهم يقف على الضد من قناعات أخرى ترى أن التجربة الدينية تجمع على نحو يتعذر معه الفصل بين الداخلي والخارجي. بهذا يرى أسد أن العلمانية لا تعني الإلحاد بل هي تعبير عن نموذج معين في التديّن يؤكد الداخل والخصوصية على حساب الخارج والعمومية في مسعى إلى تخليص الدين من الطقوس العامة وعزله عن المجال العام. وهو ما يفسر استهجان الحداثة للطقوسية الدينية. وقد انطلقت صبا محمود في بحثها عن الحركة الدعوية الإسلامية ذات الطابع الاجتماعي الخيري في مصر على تأكيد فرضية أسد في أن الطقوس والممارسات الاجتماعية جزء مؤسّس للتجربة الدينية، ووضحت ذلك نظرياً عبر قراءتها لفكرة أرسطو في "الأخلاق النيقوماخية" التي ترى أن الميل في النفس ناجمٌ عن ممارسة أفعال بعينها تولّد الميل وترعاه، لا أن الميل جاهزٌ مكتملٌ قبل الممارسة، ومثال ذلك ممارسة العزف على آلة موسيقية. بالمقابل يرى عمانوئيل كانط أنك تتصرف على نحو أخلاقي نتيجة نزوع داخلي وفطري يناغم العقل والإرادة مع القانون الكوني الشامل. وترى محمود أن كانط يمثل المفهوم البروتستانتي للدين الذي نقلته التقاليد الكولونيالية إلى تقاليد دينية مغايرة وقاد إلى عزل الإيمان الداخلي عن الطقوس.
يتفق راجيف باركافا مع هذه المسلمة ما بعد العلمانية فيذهب إلى أن الفهم البروتستانتي الكولونيالي هو ما أدى إلى تقسيم الهند عام 1947، وذلك أن الديانات الهندية التقليدية (بوذية الشنتو) كانت مفتوحة لا تمنع الانتماء إلى أديان عدة في وقت واحد. وهو مفهوم يختلف تماماً عن المفهوم الغربي الذي يؤكد عقيدة مغلقة. ولباركافا بحوث معمقة في النموذج الديمقراطي الهندي الذي وازن بين حقوق الجماعات وحقوق الأفراد على نحو لا ينفي عن الدولة علمانيتها، ونحن في العراق بأمسّ الحاجة إلى التعمق في هذه البحوث التي يرى باركافا أنها قادرة على تعليم الغرب نفسه في مدرسة الديمقراطية الهندية.
لا يكتفي تيار ما بعد العلمانية بتقصي الجذور الدينية للعلمانية بل نجد لدى أحد أعلامه، بول خان أستاذ القانون في جامعة ييل، محاولة لإثبات أن للدولة العلمانية الحديثة قدسية لا تستمدها من القيم الليبرالية العقلانية وإنما من المقدّس الديني. يحمل رئيس الولايات المتحدة معه أينما حلّ حقيبة تحتوي شفرة إطلاق القنابل الذرية، وهو يمتلك التفويض والسيادة التي تسمح له باستخدامها دون الرجوع لأحد. يتساءل خان عن طبيعة هذا التفويض ومصدره ولا يرى فيه إلاّ عنصراً مقدساً لا يخلو من المجازفة. الدولة العلمانية الحديثة تطالب مواطنيها بالتضحية بحياتهم من أجل الوطن، بل ومن أجل مصالح استعمارية بعيداً عن أرض الوطن، فكيف يبرر المشروع الليبرالي الحريص على البقاء والعاكف على تحسين الحياة عبر الجدال العقلاني وحده هذه المطالب الصماء؟ ما حدث، بحسب خان، هو تحوّل المقدس من الدين إلى الدولة.
قد يتساءل بعضهم كيف ننشغل بشؤون ما بعد العلمانية ونحن أبعد ما نكون عنها، وللرد على ذلك أقول إن حضارتنا الإسلامية تحتوي قصصاً متقدمة في حل إشكاليات ما بعد العلمانية. في كتاب "قوة الدين في المجال العام" الذي صدرت ترجمتي له قبل أسابيع عن دار التنوير في بيروت، تنادى مجموعة من المفكرين البارزين في فضاء ما بعد علماني إلى حوارات معمقة تسعى إلى إعادة النظر في موقف العلمانية من الدين. وقد أقرّ يورغن هابرماس الحريص على القيم الليبرالية العقلانية وعلى مشروع الحداثة التنويري أن للدين حضوراً مؤثراً في عالم اليوم، وأن بإمكانه الإسهام في الحياة المعاصرة إسهاماً إيجابياً. لكنه أصرّ على أن "يترجم" المتدينون آراءهم إلى لغة يقبلها الجميع تحتكم إلى العقل وحده ولا تصادر أراء غيرهم بالإحالة على كتبهم المقدسة وعمق قناعاتهم. وقد ذكرني هذا المقترح من هابرماس بحكاية وردت في كتاب د. توفيق سلوم و د. آرثر سعدييف "الفلسفة العربية الإسلامية" (دار الفارابي، 2000) نقلاً عن مخطوط للحمدي (القرن الحادي عشر الميلادي) بأكسفورد، ترجمها المستشرق دوزي في تعليق له على كتاب رينان "ابن رشد والرشدية". تصف الحكاية، التي رواها الأندلسي أبو عمر أحمد بن محمد بن سعدي، بغداد في أواخر القرن العاشر الميلادي، إذ سأله أحدهم بعد عودته إلى الأندلس من زيارة إلى بغداد إن كان قد حضر مجالس المتكلمين فيها، فأجاب أنه زارها مرتين ولم يعد إليها بعد ذلك قط. أما سبب عزوفه عنها فقد قال: "قصدت أحد المجالس، فوجدت فيه، عدا المسلمين من شتى الفرق، المجوسيين والدهريين والطبيعيين واليهود والمسيحيين. وكان لكل جماعة منهم مقدّم يتولى نصرة مذهبها. وكلما دخل واحد منهم إلى القاعة، كان الجميع يقفون احتراماً له، ولا يجلسون حتى يجلس. وعندما اجتمع الكل قام أحدهم من غير المسلمين وقال ‘إننا اجتمعنا لنتكلم. وأنتم تعرفون الشروط. فأنتم معشر المسلمين، يجب ألاّ تأتوا بحجج مأخوذة من كتابكم، أو من سُنة رسولكم، لأننا لا نؤمن بهذا ولا بذاك. فكل منا ينبغي أن يقتصر على الحجج المستقاة من العقل‘، ولما انتهى من كلامه هذا صفق الجميع له." (ص ص. 55ـ 56). الشروط المشار إليها هنا هي نفسها الشروط التي يطالب بها هابرماس في ضرورة أن "تُترجم" الآراء والمعتقدات إلى لغة العقل، وبالرغم من الصعوبات التي لاقتها دعوته وخصوصاً من الفيلسوف تشارلز تيلر، فإن مثقفي بغداد قبل ألف عام قبلوها دون اختلاف واثقين بأن الدين الحق لا يتناقض مع العقل، فهل نحن بعيدون حقاً عن مباحث ما بعد العلمانية؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لأول مرة.. مسابقة لاختيار المسجد المثالي لعام 2022


.. عظة الأحد - القمص جبرائيل: من يسمع صوت المسيح يوصل لملكوت ال




.. عظة الأحد - القمص جبرائيل أمين يوضح ما هي -ضيقات الأنجيل في


.. قلوب عامرة - التفسير الموضوعي لسورة الأنبياء الآيات 92-95 {




.. توفي قبل عقد قرانه با?سبوع.. «عريس الجنة» قتل بـ 9 طلقات على