الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


محولة للتفكير بصوت عال

سامي العباس

2005 / 6 / 13
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


من القلق الوجودي نبع المقدس . ومن الحاجة إلى إدارة الاختلاف نبعت السياسة . ومن جدلهما في التاريخ البشري ظهر مفهوم الحق الإلهي لدى المسيحية , والحاكمية وولاية الفقيه لدى الإسلام بشقيه السني والشيعي على التوالي . المشترك في المفاهيم الثلاثة أنها متحدرة من جدل المقدس والسياسة . وأنها تستند إلى اعتراف ضمني بوجود وكلاء رسميين لله , يديرون شؤون الاختلاف . لدى التمعن في هذا الأخير(( الاختلاف)) سنجد بداهة أن حق إدارته يعود حصرا إلى السياسة . السؤال الذي يطرح نفسه : ألا تشكل المفاهيم الثلاثة الآنفة الذكر تعديا واضحا وصريحا من قبل المقدس على السياسة ؟ وبمعنى آخر ألا تشكل المفاهيم الثلاثة محاولة من المقدس لتوسيع صلاحياته خارج التخوم التي تسيج القلق الوجودي , وحضورا غير مبرر داخل تخوم الاختلاف ومزاحمة للسياسة في حقل اختصاصها ؟ لقد احتاج المسيحيون في أوربا إلى بضعة قرون لفك الاشتباك بين المقدس والسياسة . ولم تمر هذه العملية دون دم وخراب وآلام . ولكن ما يبرر هذه الخسائر أن العملية قد تمت دون سابقة , أي دون دليل مرشد . أما نحن العرب والمسلمون فلدينا هذه الميزة : أن هناك من نستفيد من تجربته لنتجنب خسائر مجانية فرضها على أوربا السير الأعمى في طريق غير مطروقة . تلك هي الخطوط العريضة لاشكالية انتربولوجية تفرعت عنها غابة المغامرة البشرية . ليس تبسيطا مخلا , بل عودة إلى الجذر الذي يمنح الاشكاليات المتفرعة نسغ البقاء على قيد الحياة . وهي عودة تمنح الفرصة للتفكر بالخطوط ذات الطابع الاستراتيجي التي شقها التطور اللاحق للإنسان - كحيوان مفكر- ذلك ان ما هو استراتيجي عادة تقبع خلفه قوة دفع ذات عمر مديد . وبهذا المعنى فإن العلاقة بين المقدس والقلق الوجودي كالعلاقة بين الاستراتيجية وقوة الدفع . ومن هذه الزاوية فإن تلاشي المقدس يرتبط حكما بنفاذ القلق الوجودي ارتباط النتيجة بالسبب . إلا أن احتمال نفاذ هذا الأخير (( القلق الوجودي )) مرهون باحتمالين : الأول هو النكوص نحو الحيوانية بالمعنى البيلوجي وهذا مستحيل الا بانقراض الجنس البشري . أما الثاني فهو عثورالانسان في مغامرتة المعرفية المستمرة إلى حل عن طريق التفكر يجيب بشكل حاسم ونهائي على سؤال الوجود . فبالجواب على هذا السؤال سيتوقف القلق الوجودي عن إعادة إنتاج المقدس . وفي هذا السياق قد تنفع الاشارة إلى هذه الملاحظة المثيرة للأسئلة : انتقاء وجود المقدس لدى كل أنواع الحيوانات . إنني لا أرى تفسيرا لهذه الواقعة الفاقعة إلا أن القلق الوجودي هو نتاج الفكر . فحيث لا نعثر على فكر لن نعثر على قلق وجودي ولن نعثر بالتالي على مقدس . ومن لا يصدق فلديه كامل المملكة الحيوانية وليفتش على مهل .
* * *
في الغرب المسيحي كان العقد الإجتماعي ثمرة فك الإشتباك بين السياسة والمقدس . وكان فك الإشتباك هو مجرد عودة كل منهما للعمل داخل تخومه . لم يعني فك الإشتباك أن المقدس سحب من التداول و جرى تغييبه عن الممارسة البشرية للتروحن . ظل في ما سمي بالأخلاق المسيحية وبالطابع المسيحي للعبادات وأذواق الطعام وفي تنظيم العلاقات الجنسية ... الخ أما الدولة كحاضنة للسياسة وميدان اختصاصها فقد أفلتت من سيطرة ممثلي الله على الأرض .
في العالم العربي / الاسلامي تتعثر هذه العملية التاريخية : يتلاعب ممثلو الله على الأرض في الرأي العام .يغلقون على القطعان البشرية التي يتحكمون بها بواسطة احتكار المقدس زرائبها ...
يدافع المقدس عن مواقعه التي احتلها داخل حقل السياسة بكل ما راكم من خبرة ومن مواهب . لا بل ان نكوصا إلى الوراء عما تم انجازه في القرنين المنصرمين يوشك أن يحدث . تتهدد الأمتار التي انحسر عنها المقدس تحت ضغط الحداثة الوافدة من الغرب , بالغرق مجددا في المد الاصولي العارم ...
* * *
تعود قدرة المقدس على مزاحمة السياسة في حقل اختصاصها إلى حداثته بالمعنيين التاريخي والأبسمي . فإذ ا اتفقنا على أن المقدس قد خرج من معطف القلق الوجودي وأن السياسة قد خرجت من معطف الاختلاف , فإن ما بين القلق الوجودي والاختلاف , تاريخ طويل من التطور لا يقل عن بضعة مئات الآلاف من السنين , استغرقتها الرئيسيات في تحسين منظوماتها الصوتية وتطوير وظائف جهازها العصبي - النفسي .
وفي هذا السياق فإن القلق الوجودي مثل ظهوره ثورة بالمعنى الأبسمي . وأميل إلى الإعتقاد بأن هذه الثورة قد تأخرت إلى ما بعد الإنقسام الطبقي
بل وقد تكون نتيجة له بمعنى من المعاني .
لقد احتاج القلق الوجودي لكي ينقف ببيضته إلى التحرر من البحث اليومي عن القوت . ولم يتحقق هذا إلا في نهاية سلسلة من الإنجازات راكمها الجنس البشري على جبهة تحصيل القوت وتخزينه واستنباته وتدجين جزء من عناصر الطبيعة النباتية والحيوانية .
من هنا فإن سيرورة طويلة من التطور انخرط فيها الدماغ وبقية الجهاز العصبي للكائن البشري , نشأت في كنفها اللغة كجسر عبور للمعاني بين الأنا والآخر ... كان الآخر شرط وجود اللغة , وبنفس الوقت شرط انبثاق السياسة كرد على وجود الاختلاف . وكان تكاثر الآخر واتساع دائرته , من الأسرة إلى العائلة إلى القبيلة إلى القبائل المتنافسة , هو شرط تطور اللغة كوسيلة اتصال وكحاضنة للسياسة .
اذا صحت هذه الإستنتاجات التي تعوزها أسانيد اركيولوجية , فإننا نستطيع أن نفهم سيطرة المقدس على حقل الاختلاف,لأنه مثل ثورة معرفية وطفرة
فيزيولوجية للدماغ البشري في آن واحد ... هذا من جانب . أما من جانب آخر فإن المقدس قد أضاف نفسه إلى حقل الاختلاف قبل أن يستولي عليه. فانبثاقه داخل كل جماعة على حدة فتح الباب له ليكون جزءا من الاختلاف بين الجماعات المتنافسة
* * *
مثل ظهور المقدس ثورة معرفية من زاوية مستوى التجريد الذي وصلت اليه مسيرة الترقي العقلي للجماعات البشرية هنا أو هناك ...
وفي كل مكان ارتبط الاشتغال بالمقدس بأفراد متميزين على صعيد القدرات العقلية . ولقد تمازجت الدوافع , إلا أن نقطة التلاقي هي انتزاع الحياة من الجسد البشري . أي ممارسة القتل . قبل المقدس كان القتل يجري في سياق الصراع على البقاء الذي يسيطر منطقه على كامل الاجتماع الحيواني . وكان العنف عاريا لجهة دوافعه . وكانت الدوافع بسيطة وواضحة وعلى علاقة مباشرة بالحاجات الرئيسية للجسد : الطعام والتكاثر .
وكانت رقعة الاختلاف من هذه الزاوية لايتعدى إطارها التخوم المشتركة للجوع بشقيه : الطعام والجنس .. ولذلك فإن مساحة الاختلاف متطابقة عند كل من المجتمعات الحيوانية والبشرية قبل ظهور المقدس . والفارق يكمن في أسلوب إدارة الاختلاف .. في الأولى لا توسط بين الاختلاف والعنف . وفي الثانية تتوسط السياسة كحاجز أمنه تطور أنظمة الاتصال السيمانتية لجهة تحسن قدرتها على التجريد ونقل المعاني ...
لقد كان تقليد الطبيعة أصواتا
وأشكالا هو القاعدة المشتركة للإنطلاق نحو اللغة بشقيها الصوتي - التصويري

جزء من بحث اطول

سامي العباس.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. 81-Ali-Imran


.. 82-Ali-Imran




.. 83-Ali-Imran


.. 85-Ali-Imran




.. أفكار محمد باقر الصدر وعلاقته بحركات الإسلام السياسي السني