الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


السياسة وصندوق والدي القديم !!

عمر الداوودي

2014 / 3 / 4
القضية الكردية


لا تقرب السياسة...انها منتنة...انها مدمرة...انها تحطمك...لم نجن من وراءها سوى الخسران...نصيحة قديمة لازالت ترتد صداها احيانا بعنف في ذاكرتي..انها نصائح الاب خاصة والام احيانا،، كان ابي يستذكر بقسوة وببكاء ذكرى ابن خالته المرحوم (ملا حيدر) مسؤول منطقة كرميان في الحزب الديمقراطي الكردستاني ايام المرحوم ملا مصطفى البرزاني رحمهم الله جميعا فالجميع في ذكرى الخلود،، عام 1973 اعتقلته سلطات الامن في كفري بطريق الاستدراج المقيت والخالي من كل ذرة شرف ومرؤة وبطريقة شبيه بطرق حكام المماليك في دعوة المعارضين الى ولائم الدناءة ودس السم في الطعام للضيف المعارض،، وجه قائمقام كفري دعوة الى ملا حيدر ليشاركه وليمة طعام لزيادة وشائج الصداقة والاخوة بينهما!!!..واثناء الوليمة اعتقله مدير الامن الحاضر في المائدة اللئيمة!!!..وسيق سريا الى بغداد وهناك قتلوه بالتقسيط الغير المريح!!،، كانت اجزاء من جثته او من جسده قد اقتطعت منه وهو حي اثناء التعذيب وعرفنا فيما مضى بأن نائب رئيس الجمهورية انذاك كان يشرف على التعذيب،، وابدى هو شجاعة منقطعة النظير في رحلة العذاب تلك التي انتهت باعدامه بطريقة بشعة جدا اذ مزقوا جسده اربا اربا كما يقال كانت التهمة الظاهرة المنسوبة اليه زورا هي تفجير قطار كفري!!..القطار فجر ولكن لم يمت احد في الحادث فضلا عن انه لم يفجرها وفضلا عن ان من كان في القطار لحظة التفجير هو شخص واحد فقط!!!..كان السائق فقط!!..ولم يصب باي اذى،،،،، مات ملا حيدر،، وترك موته جرحا كبيرا في قلب والدي الذي كان يحبه جدا لانه لم يكن فقط ابن خالته بل كان صديق طفولته ايضا،، كانت اذاعة البشمركة تذكره دائما،،، كانت الشخصيات الكبيرة تذكره دوما حتى ان السيد مسعود البرزاني افرد له عدة صفحات من كتابه عن الحركة التحررية الكردية،، اصبح ملا حيدر حديث الناس لسنين بينما كان والدي ينصت لتلك الاحاديث انصات الغريب!!..لم يكن يستطيع القول بأنه ابن خالته فقد كان يعلم كم جزءا اقتطع من جسده!!..وكان يجلس ليبكيه لوحده بعيدا عن الجميع ثم يسرد لنا بطولاته وذكاءه وتدينه ثم يعيب عليه ثقته الزائدة في نفسه وقدراته..ثم ينهي حديثه بالقول والنصيحة التاريخية...لا تثق بأي سياسي في حياتكم،،، لا تشاركوا اللئام موائدهم!!..كان القائمقام ابن عشائر ولكنه خان الخبز والملح!! وكنا نحن نضحك احيانا لاننا كنا قد حفظنا عبارات القصة الى درجة كنا نكمل له قبل اكمالها!!..ولكن ابي كان ينهرنابشدة ويقول استمعوا لما اقول ولا تضحكوا لانكم قد تبكون يوما بشدة!!!..كان ملا حيدر قبل تصفيته باشهر اعجب بشدة بشجاعة تيمور سعدالله ابن خال ابي الذي كان تركمانيا وكان امر انتماءه الى البيشمركة من سابع المستحيلات ولكنه بدوره اعجب بشجاعة وذكاء ملا حيدر ولنمو الصداقة بينهما فقد انتمى تيمور الى بيشمركة ملا حيدر ولم تمضي كثير من الوقت حتى قتل تيمور بعد وقوعه في شرك الخديعة ايضا وكان قد ابدى مقاومة شديدة ولم يستطيعوا قتله الا بعد ان نفذت الذخيرة من رصاصه وبعد ان قتل لوحده ومع صديقه الوحيد في تلك الليلة نصف القوة التي كانت قد كمنت لهما قرب غدير كفري قرب جبل باوه شاسوار الخالد ،، كان تيمور مصابا بعدة طلقات ولكنه كان لا يستسلم..حتى الان لا غرابة في الموضوع،، الغرابة كامنة في اننا كنا نسكن قرب الغدير وكانت صرخات تيمور الى اهل المدينة تصل الى اسماع السكان لحظة الاشتباكات العنيفة في تلك الليلة!!!..يا ناس انجدوني!!..يا عالم هؤلاء عددهم كثير!!..يا عالم ساعدونا!!..يا كرد يا تركمان يا ناس احشائي تحترق،،، اين المرؤة في هذا ؟!!..كانت كلماته محفوظة في ذاكرة ابي،، اذ كان ابي جالسا فوق سطح الدار على بعد بضع مئات من الامتار من مكان تيمور!!..ولكنه ظل الى الفجر يبكي دون الاستقواء والمقدرة على فعل شيء!!...هذه القصة الاليمة كانت تمزق ابي وكان يحكيها لنا بعد حكاية ملا حيدر ويزيد من النصائح المسداة الينا بسببها...مهما كنت قويا لن تكون بقوة تيمور!!..تيمور كان يرفع مائتي كيلوغرام !!..لقد تغلب على ابطال العراق في رفع الاثقال في الاعظميةحين كان عسكريا في بغداد!!..مع ذلك قتلوه...قتله الجبناء بالمكر والخديعة،، وما كان ينهي حكاية تيمور حتى يسرد لنا حكاية ابن خاله اتيلا الذي استشهد في نفس مكان استشهاد شقيقه تيمور بعد ستة عشرة سنة في تراجيديا غريبة جدا...كان ابي يحكي لنا قصص الرعب هذه ويظهر لنا الصور الشخصية لهؤلاء الابطال التي كان يضمها في صندوق خشبي كان يدفنه في ارضية احدى غرف دارناالقديم !!..كانت القصص تخيفني جدا...لاني كنت اخشى ان اصبح الحكاية الرابعة في سلسلة حكايات ابي عن اقاربه!!..وكنت اخشى ان اصبح مجرد صورة في الصندوق الخشبي المدفون في ارضية احدى غرف دارنا القديم!!..خاصة واني كنت منخرطا في تنظيم سري للاتحاد الوطني الكردستاني في بغداد وكنت ارى اناسا وبشكل يومي في الكلية اناسا قريبين جدا من رأس النظام السابق واشد لحظة خوف كادت تقتلني من الرعب كانت لحظة قيام احد ابناء سبعاوي ابراهيم الحسن بدفع ثمن وجبة الطعام في نادي الكلية!!!..ظننتها وليمة لئيمة جديدة!!..خشيت ان يتبعها تقطيعي اربا بعدها مثل ملا حيدر!!!..من بعيد اشرت الى بشار ابراهيم الحسن لاشكره بالاشاره فقط حين قال لي النادل بأن...الاستاذ دفع حسابك!!...كانوا قليلي المجاملة مع الناس ولا يختلطون بالاخرين،، لذا قلت في نفسي..اكيد عرفوا بامري!!،، لذا عشت لايام في رعب غريب،، لم اكن انام ليلا،، كنت اتوقع وانتظر طرقا على الباب في نهاية الليل واقتيادي الى المجهول الى الابد!!...استمرت هذه الحالة معي لاسابيع كانت كفيلة بتقديم طلب تأجيل سنة دراسية كاملة ولم تكن توسلات زميلة الدراسة التي كانت اكثر من مجرد زميلة كافيه بالعدول عن قراري،، اتذكر اخر عباراتي لها...ليس لك اي حق في التدخل في شؤوني!!..انا ذاهب لاتزوج!!..كنت اود بشدة ان ابعدها عن المسلسل الرعب والخوف،، لم ارد ان تكون الحكاية الخامسة في سلسلة حكايات ابي!!..لم ارد ان تكون مجرد صورة مضمومة في صندوق والدي المدفون..كانت ابنة اديب وقاص شيوعي عراقي شهير وكان والدها رجلا في غاية الخلق والكرم معي وكان يبارك صراحة مشروع زواجنا الذي وئد الى الابد..كانوا اناسا كأنهم ليسوا من هذا الزمان والمكان..وكانوا الوحيدين الذين كانت مائدتهم البسيطة مائدة كرام ولا يخشى منهم حيلة او غيلة او خيانة!!..وعدت لكردستان بعد ضياع عام دراسي كامل بسبب ثمن وجبة طعام من ابن اخ الرئيس العراقي الاسبق!!!..وكان الثمن غير قاصر على ضياع عام دراسي فقط..كان الثمن قلبا ذبح من الوريد الى الوريد ووضعت صورته في الصندوق الخشبي المدفون قرب صندوق والدي القديم...صورة فتاة كانت تصلي وتصوم وشيوعيةحتى النخاع!!..الى جانب صورة ملا حيدر وتيمور واتيلا...اصحاب البطولة والمجنى عليهم في حكايات ابي القديمة!!...والمفاجأة ان لم اعتقل ابدا من سلطات البعث ابدا...ولكني اعتقلت بعدها على يد اخوتي وبني جلدتي واقراني!!!..ولم يكن مسموحا لي بالبوح عمن اكون!!..وتخالطت الاوراق الى درجة لم يكن حتى مسؤولنا الاعلى قادرا على توضيح الابقار المتشابهة!!..لهذا كله طلقت السياسة بالثلاث ودفنت صورتها القبيحة في صندوق اخر تحت اكوام القمامة القريبة من غدير كفري القديم...والى الابد...لأن السياسة تمزق القلوب الطيبة الرحيمة،،، وتغتال اخر القلوب الطيبة على الارض...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تقرير: شبكات إجرامية تجبر -معتقلين- على الاحتيال عبر الإنترن


.. عائلات الأسرى الإسرائيليين في غزة: إما عقد صفقة تبادل مع حما




.. للحد من الهجرة.. مساعدات أوروبية بقيمة مليار يورو للبنان


.. حرارة الجو ..أزمة جديدة تفاقم معاناة النازحين بغزة| #مراسلو_




.. ميقاتي: نرفض أن يتحول لبنان إلى وطن بديل ونطالب بمعالجة ملف