الحوار المتمدن - موبايل


اللانهاية: حقيقة موضوعية ام ضرورة فلسفية؟

طريف سردست

2014 / 3 / 23
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


اللانهاية : حقيقة موضوعية ام ضرورة فلسفية؟
مسألة اللانهاية يمكن ان تكون مثالا جديدا على ان مفاهيمنا النظرية، التي تبدو لنا منطقية، ليست بالضرورة نتيجة حقيقة لها اساس على ارض الواقع.
كان عالم الرياضيات George Cantor اول من جعل اللانهايات علم في الرياضيات ووضع قواعد استخدامها. لقد آشار ايضا الى انه توجد كمية من الارقام الزوجية تعادل كمية الارقام الفردية وان كلاهما، بما فيه على حدى، سلسلة ارقام لانهاية لها. ومع ذلك توصل الى إنه ليست كل السلاسل اللانهائية لها الكمية نفسها من الاعداد. لقد أكد على أنه توجد ارقام حقيقية (rational number) (الارقام الكاملة والكسور) أكثر من الارقام الغير حقيقية (irrational numbers) (مثل الجذور و π-;---;-- وماشابه). في ذلك الوقت الكثير من الرياضيين لم يتقبلوا فكرة اللانهائيات مما سبب له كآبة جعلته يضطر للمعالجة في المستشفيات النفسية. اليوم أصبحت الامور على العكس، الكثير من العلماء يرفضون التخلي عن اللانهائيات في الرياضيات.
على اساس رياضيات سلسلة اللانهائيات وضع هلبيرت سيناريو مشهور وممتع يسمى " فندق هلبيرت" (يمكن الاطلاع عليه على الرابط التالي:
http://www.alzakera.eu/music/vetenskap/filosofi/filo-0008.htm )
يستخدم ايضا لإسقاط منطق لانهائية الإله، غير أن البروفيسورالاسرائيلي دورون ذيلبيرغ (Doron Zeilberger) يسعى الان لإلغاء " قيمة اللانهاية" من الرياضيات.

كل طالب في المدرسة يعلم علم اليقين ماذا سيحدث إذا اضاف رقما جديدا الى سلسلة الارقام الطبيعية وأنه قادر على الاستمرار بذلك الى مالانهاية. عندما يسأل الطالب عن أكبر الارقام على الاطلاق يحصل على جواب ان سلسلة الارقام لانهاية لها، لأن بالامكان، على الدوام، إضافة 1 الى اخر رقم في السلسلة، مهما كانت قيمة الرقم الاخير.

غير ان الرياضي دورون ذيلبيرغير يعتبر ان ذلك ، من المحتمل أنه لايعكس حقيقة الحال، من حيث انه لايوجد شئ لانهاية له، في الواقع او في الرياضيات. ويبرر ذيلبيرغير الامر بأن أعفاء مصطلح اللانهاية من وظيفته سيحسن من وضع الرياضيات اذا لم تعد اللانهاية موجودة في المعادلات، بما يتضمنه ذلك من تعارضات.

يوضح ذيلبيرغير ان بالامكان القول ان هناك رقم نهائي في كل سلسلة ارقام، لانستطيع الوصول اليه، لانه من الضخامة بحيث اننا لانصل حتى الى مقربة منه. ديلبيرغير يسمي هذا الرقم بالرقم ن الصفري N0.

ولكن ماذا سيحدث إذا أضفنا واحد الى اخر رقم في السلسلة؟ حسب ذيلبيرغير نعود عندها الى الصفر. يمكن القول ان سلسلة الاعداد تنتهي بنفس الطريقة التي تنتهي بها مساحة الارض. إذا وعلى الرغم من اننا نستطيع الحركة للامام بدون انقطاع فأننا نعود دائما الى نقطة البدء.
قد يبدو التخلي عن مصطلح اللانهاية مسألة غير منطقية بالنسبة للبعض، غير ان ذيلبيرغير يجيب ان ابقاءها اكثر لامنطقية، إذ اين يوجد اللانهاية في عالمنا الواقعي؟ البس من المحتمل ان اللانهاية هي مجرد مصطلح ذهني ، فلسفي ورياضي، نخدم أنفسنا أفضل لو تفاديناه؟


بوق جبرائيل (Gabriel s Horn) احدى الامثلة على المعضلة اللامنطقية التي تخلقها اللانهائية. هذا البوق يمكن حساب حجمه ومساحته. الحجم يساوي π-;---;--, بحيث انه لو كانت الوحدة على المحور السيني سنتمتر يصبح الحجم 3,14 سنتمتر مكعب. في نفس الوقت نجد ان مساحة سطح البوق لانهائية. بمعنى أخر نستطيع ان نملاء البوق بالصبغ في حين نحتاج الى كمية لانهائية من الصبغ لصبغ سطحه. امر غير منطقي ولكنه صحيح رياضيا.

مايسمى فراكتال (Fractals) ( للاطلاع عليها على الرابط التالي http://www.alzakera.eu/music/vetenskap/Biologia/bio-0081-2.htm )
يمكن اعتباره مثالا اخر على هذه المعضلة. الاشكال الفراكتاية تتضمن بالضرورة اللانهائية. مثلا نموذج "البللورة الثلجية" والتي وصفها عالم الرياضيات السويدي Helge Von Koch عام 1904، يزداد طول محيطها على الدوام كلما تكرر ظهور تفرعات جديدة على محيطها، وهذا الامر يمكن ان يتكرر بلانهاية. في ذات الوقت المساحة لن تزداد أكثر من 8/5 من مساحة المثلث الاصلي (الوحدة الاولى التي انطلق شكل الشريحة الثلجية منه، اضغط هنا لرؤية الصورة التوضيحية http://sciencevspseudoscience.files.wordpress.com/2012/01/koch_comic.png ). ذلك يعني ان لدينا طول محيط لانهائي في حين نملك مساحة محدودة.

وحتى الكون لانعلم فيما إذا كان لانهائي ام محدود، غير أن من المؤكد انه كبير بشكل هائل. الفيزيائيان الروسيان Alexi Starobinski and Yakov B Zeldovich اقترحوا، عام 1984، ان الكون على شكل حلقة رياضيا تسمى torus ( لرؤية شكل التورس على الرابط التالي http://www.alzakera.eu/music/vetenskap/kosmos/bilder/0089-59.gif ) حيث يمكن تصور ان سطح هذا الشكل هو مكان الكون، وان لها ابعاد ثلاثية، ومجمل الكون يمكن ان يملك ابعادا اخرى غير منظورة بالنسبة لنا تماما كما ان حرة الارض حول نفسها وحول الشمس وحول مركز المجرة وحركتها مع المجرة، كلها حركات غير محسوسة بالنسبة لنا على الرغم من انها الاف الكيلومترات في الدقيقة الواحدة.

وحتى إذا كان التخلي عن اللانهاية هو ، بالدرجة الاولى، مسألة فلسفية، الا انه يملك جانب رياضي. ذلك يتطلب إعادة صياغة الرياضيات، وخلق لغة رياضية جديدة.
احدى الامثلة على ذلك العلاقة بين محيط الدائرة والقطر، والذي يستخدم في حسابه الثابت π-;---;--, ≈-;---;-- 3,141592653589793. وكما نرى فإن π-;---;-- يملك اجزاء عشرية لانهاية لها. بالذات π-;---;-- يلعب دورا هاما في فرع التناظر المسمى حساب المثلثات (trigonometry) الذي يهتم بقياس الزوايا والاضلاع. هناك تستخدم الرياضيات وظيفة السينوس والكوسينوس عندما تسعى لحساب العلاقة بين الزوايا والاضلاع. غالبا تأتي النتائج متضمنة اجزاء عشرية لانهاية لها، بسبب ان π-;---;-- يدخل في معادلات السينوس والكسينوس. منذ فترة قصيرة طرح البروفيسور Norman Wildberger من جامعة غرب ويلز، طريقة جديدة لحساب المثلثات تسمى rational trigonometry وتختلف عن الطريقة الكلاسيكية في نقطتين. عوضا عن الطول يستخدم وايلدبيرغير مربع الطول، وعوضا عن الزاوية يستخدم قيمة غير مستقيمة تبدأ من الصفر وتنهي في الواحد، وهي قيمة لاعلاقة لها بالقيمة π-;---;--. بهذه الطريقة يصبح بالامكان الالتفاف على القيم اللانهائية، حسب وايلدبيرغير. على النمط نفسه يعتقد ذايلبيرغير أن معادلات التفاضل، حيث تحتوي بنيتها على اللانهايات، يمكن تعويضها بمعادلات ذات نهايات محدودة.

حتى أشعار آخر ستبقى اللانهائيات في العديد من المعادلات الرياضية المُستخدمة روتينيا ويوميا من جمع من المهندسين والرياضيين والمُبرمجين. مثلا إستخدام سلسلة لانهائية من الحلقات يمكن ان تحل وظائف ومعادلات معقدة. مفارقة ارخيل والسلحفاة هي احدى المفارقات التي طرحها زينون (Zeno s paradoxes, "Achilles and the Tortoise") وهي احدى الامثلة على استخدام اللانهائيات. السلحفاة تنطلق سابقة ارخيل بمئة متر. ينطلق ارخيل ليقطه هذه المئة متر فتكون السلحفاة قطعت عشرة امتار اخرى. يقطع ارخيل هذه العشرة امتار فتكون السلحفاة قد قطعت متر اخر، وهكذا يستمر الامر. غير ان هذه المفارقة يمكن حلها بواسطة اللانهاية.
ذايلبيرغير يعترف ان معادلات اللانهاية، كوسيلة رياضية، كانت مفيدة للغاية. غير انه يعتبر انه لم يعد لها ضرورة الان مع وجود الكمبيوتر. الان اصبح بالامكان حساب المعادلات الطويلة بدون الحاجة الى معادلات لانهاية مع وجود كمبيوترات ذات سرعة هائلة.

يملك ذايلبيرغير الكثير من المؤيدين بين الرياضيين ولكن ايضا الكثير من المعارضين. بل وصل الامر بالبروفيسور في الريضايات Hugh Woodin من جامعة هارفارد الى القول ان الذين يرفضون وجود اللانهايات لايعجبوه.
في ذات الوقت، غالبية الباحثون يتفقون ان ظهور قيم اللانهائيات في معادلات نظريات الفيزياء اشعار بوجود خطأ ما. إما ان الباحث ارتكب خطأ ما في حساباته او انه لايعلم بكامل الحقيقة.

في مجال فيزياء الجزيئات تستخدم على الدوام معادلات قيم اللانهائيات عندما يقوم الباحثون بمحاولة حساب التأثير المتبادل بين الجزيئات. مثلا خلال فترة طويلة كان من المستحيل وضع نظرية مقبولة عن كيفية التأثير المتبادل بين نواة الذرة وبين الضوء، بسبب ان كتلة الكترونات الذرة وشحنتها تصبح لانهائية، عندما يقوم الفيزيائيين بحساب القيم. مع الوقت وبفضل التجارب الحقلية تعرف الباحثون على القيم الفعلية، والتي بالطبع لم تكن قيم لانهائية. المشكلة نشأت بفضل ان نقطة الانطلاق كانت أن أصغر الجزيئات تملك امتدادات لانهائية. بعد عشرات السنوات من البحث وتطور التكنيك تمكن الباحثون من تفادي القيم اللانهائية. بذلك انتهى الامر الى نشوء معادلات قابلة للاستخدام، تقدم نتائج تتطابق مع النتائج التي تقدمها التجارب المختبرية.

وحتى النظرية العامة للنسبية التي وضعها اينشتاين كانت تعاني من اللانهائيات. النظرية تسمح بوجود الثقب الاسود ولكنها لاتستطيع توضيح مالذي يحدث في مركز الثقب الاسود. المشكلة ان الفيزياء ينهار ، لان المادة، حسب النظرية، تحصل على كثافة لانهائية ودرجة حرارة لانهائية. يترتب على ذلك ان الزمكان ينبعج انبعاجا لانهاية له وهذا الامر لايملك اي معنى عملي. اخرون يضعون هذا الامر موضع التساؤل: لربما الكثافة ليست غير نهائية ولربما علينا تفسير الامر بطريقة مختلفة.

إذا كانت لاتوجد لانهاية لن يوجد ايضا كثافة لانهائية وبالطبع لن يوجد شئ كبير بلانهاية او صغير بلانهاية. غير ان هذه " التعابير" لربما يمكن ان تساعد الباحثون في الاشياء الغاية في الصغر او الغاية في الكبر.
من الصعب قبول فكرة كون لانهائي ، وبعض العلماء يشيرون الى ان الكون يمكن ان يكون ليس لانهائي. وحسب ذيلبيرغ لاتوجد لانهائية لا في الرياضيات ولا في الواقع ولذلك لاتوجد مبررات لاضاعة الوقت للتفكير باللانهائيات على العموم. غير انه يعترف ان الكثير من زملائه يجدون صعوبة في التخلي عن الفكرة وان ذلك يتطلب وقت. لربما كمية لانهائية من الوقت.

مراجع
Is infinity an illusion?
الرياضيات ومنطقيتها
العشوائية والنظام








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تعليق
عبد الله خلف ( 2014 / 3 / 23 - 12:12 )
تم التعليق في خانة الفيس بوك , و السبب : سعة مساحة الكتابة .


2 - سلام
نور الحرية ( 2014 / 3 / 24 - 21:10 )
موضوع شيق كما عودتنا دائما استاذ طريف

اخر الافلام

.. معن الجبوري: الحراك السياسي قبل الانتخابات يؤشر إلى العمليات


.. الصوت المعجزة.. في ذكرى وفاة الشيخ محمد رفعت


.. شاهد: مأرب اليمنية تتحضر لاستقبال عيد الفطر على وقع التصعيد




.. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يطالبان الإسرائيليين والف


.. ولي العهد السعودي يستقبل أمير قطر بجدة في ثاني زيارة له إلى