الحوار المتمدن - موبايل


عصر المقامرة بالدين!

عماد فواز

2014 / 5 / 4
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



لعبت جميع الأنظمة الحاكمة في مصر منذ إعلان الجمهورية عام 1952م بورقة الدين، لكسب التأييد الشعبي ولتخدير الشعب، فكسب كل نظام جولات من اللعبة ولكن النهاية دائما كانت خاسرة!.. وبالرغم من ذلك توارثت الأنظمة المتعاقبة لعبة الدين لتوجيه السياسة، ومازالت حتى ألان، رغم الفشل المتكرر بنفس تفاصيله!.

يقول الكسندر أغناتنكو في كتاب "خلفاء بلا خلافة".. في منتصف الخمسينات من القرن الماضي انتزعت من المؤسسة الدينية السيطرة على القضاء وإدارة الأوقاف، التي حولت إلى سيطرة وزارة الأوقاف، الأمر الذي نزع القاعدة الاقتصادية عن المساجد، ففي سبتمبر 1954م، اتخذت هذه الوزارة قرارا بمنع طرح المواضيع السياسية فى المساجد عقب إقامة شعائر الصلوات الخمس اليومية واقتراح الاكتفاء بطرح المواضيع المتعلقة بمسائل "نظافة الجسد والملابس"، والنصائح حول الأمور الزراعية ومسائل الروحانيات، وما و مثيلها، ثم الغي هذا القرار بعد القضاء على الإخوان تماما عام 1966.

وعلى اثر تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي عام 1961م، أصبح يتوجب أن ترسل الخطب الدينية التي تلقي في المساجد إلى وزارة الأوقاف وأيضا إلى سكرتارية الدعاية والإعلام لدى الاتحاد الاشتراكي العربي بهدف "توطيد التعاون الفكري بين الأجهزة التي تهتم بالأدلجة والدعاية في الجمهورية"، أما في الحقيقة فكان الهدف هو مراقبة النشاطات الدعاوي لرجال الدين.

فحسب القانون الصادر عام 1961م، بشأن تطوير جامعة الأزهر الثقافية التعليمية، أصبح لرئيس الجمهورية الكلمة الفصل فى تحديد النظام الاساسي لهذا المركز الديني المشهور عالميا، وأصبح من صلاحيات رئيس الجمهورية تعيين رئيس الأزهر وإمامه الأكبر وكان رئيس الجمهورية يرأس مجلسه الأعلى، وبكلمات اخرى، أصبح رئيس الجمهورية قانونيا الشخصية الدينية الأولى في البلاد.

وهكذا نستطيع أن نقول أن قيادة البلاد تميزت فى الستينات بما يسمى بـ" الشعبوية الدينية"، وكانت تتوجه الى الشعب من خلال لغة ذات افكار وتعابير ورموز دينية، ويقدم لنا خطاب جمال عبد الناصر الذي ألقاه في احتفالات الأول من مايو عام 1966 مثالا ساطعا على ذلك لترويج الاشتراكية بخطاب ديني قائلا "الدين هو الوحدة، الدين هو حينما يقدم المسلم النقود لأخيه المسلم، وليس نهب المسلمين لصالح إنسان واحد ما أو أسره واحده أو لصالح عدد قليل من المستغلين، الدين هو العدالة الاجتماعية، هذا هو الدين، وعندها سوف نقول "انت أصبحت
اشتراكيا، لأنك تطبق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الناس"!.
ثم بعد وصولة الى السلطة عام 1970، اصبح السادات يستخدم مؤسسات الدولة الدينية وما فيها من افكار بشكل كامل في عملية تغيير توجهات مصر السابقة، ويكفي هنا أن نشير إلى "التوافق والتنسيق" بين قوانين القيادة الساداتية والنشاط الإيديولوجي الدعاوي لعلماء الدين، الذين أصبحوا فى عداد البني الحكومية، ونقدم هنا مثالين على ذلك، في ابريل عام 1974 ألقي أنور السادات خطابا، عرض فيه مبادئ "سياسة الأبواب المشرعة"، التي يصدرها المجلس الأعلى للشئون الدينية، وتبعها مقالات نشرت فى الصحف في مايو من نفس العام عنوانها "ورقة أكتوبر والدستور"، و"المنهج التكاملي لبناء المجتمع"، و"المفاهيم الإسلامية المستوحاة من ورقة أكتوبر"، و"الإسلام وسياسة الأبواب المشرعة فى الاقتصاد"، و"القيم الروحية في ورقة أكتوبر"!.

وفي مارس عام 1975م، عشية ما سمي بـ" اتفاقية سيناء" وفي المرحلة الأولى من اتفاقية كامب ديفيد، ظهرت إلى الوجود نشرة صدرت بإيعاز من السلطات من قبل أكاديمية الأبحاث الإسلامية "الأزهر" وورد فيها أن "الإسلام يدعو إلى الموافقة على مقترحات السلام"!.

في الوقت نفسه حاول أنور السادات أن يشير إلى منبته "الإخوان المسلمون"، معلنا أنه كان معجبا بحسن البنا مؤسس "الإخوان"، وكانت صلواته أيام الجمع فى مساجد القاهرة المختلفة، تغطي من قبل وسائل الإعلام وتظهر في الصحف الصادرة في أيام السبت.

امتلك هذت التلاعب مع القوى الدينية المحافظة هدفا سياسيا حليا، حيث سعى الرئيس المصري الى استخدام العامل الديني في صراعه ضد جميع القوى التقدمية في البلاد، ففي عام 1973 حصلت الحكومة السعودية على موافقة من الحكومة المصرية لتأسيس وتمويل آلاف الجمعيات الإسلامية للصراع ضد الماركسية الملحدة في جمهورية مصر العربية، وبهدف الوقوف في وجه الاتحاد السوفيتي.

من هنا انطلقت الجماعات الإسلامية في المجتمع المصري، وبسطت سيطرتها، وانتهت بقتل الرئيس أنور السادات في العرض العسكري أكتوبر 1981، وتولى حسني مبارك الحكم، وهاجم جماعة الإخوان المسلمين وما أنبصق عنها من جماعات إسلامية أخرى متشددة او غير متشددة، ولكنه بعد سنوات قليلة، وعن طريق جهازه الأمني – امن الدولة- استطاع خلق توازنات مع قيادات اغلب هذه الجماعات، فترك لها مساحة في الساحة السياسية للعمل، والتزمت اغلب الجماعات بالحدود المسموح بها وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، باستثناء بعض الجماعات الجهادية التي ظهرت بين الحين والأخر وتم القضاء عليها سريعا، بالإضافة الى بعض قيادات الجماعة الذين تمردوا على الحدود التى حرض قيادات مكتب الإرشاد على عدم تخطيها، فانشقوا وكونوا جماعات أخرى وأحزاب، لكنها أيضا لم تستمر، واستمرت علاقة الإخوان والجماعات الإسلامية الأخرى الممولة من السعودية مستمرة وعلى علاقة وفاق مع نظام مبارك حتى خلعه.

وبعد ثورة 25 يناير، لم يكن امام المجلس العسكري خيارا الا التسليم تماما للجماعات الإسلامية، فتوغلت اكثر في المجتمع واستحوذت على الساحة السياسية بالكامل، وسريعا ما تكاتف رجال اعمال عصر مبارك واطلقوا القنوات الفضائية وهاجموا جماعة الإخوان وحلفائها من تيار الاسلام السياسي، فأبرزوا سقطات قياداتها، فنفروا الرأي العام، وساعد فشل محمد مرسي وضعفه من الغليان فخرج الملايين مطالبين بإسقاطه.

وبعد اسقاط مرسي وتولى المجلس العسكري ثم الرئيس المؤقت عدلى منصور مقاليد الحكم، اعلن النظام الحرب على جماعة الاخوان المسلمين واعلنها جماعة ارهابية، واخذ النظام باقي جماعات الاسلام السياسي في جانبه ليكمل بها اوراق اللعبة، وقبلت هذه الجماعات الدور وانطلقت تجسده كما رسمته لهم السلطة، ومازال المسلسل مستمرا.....









التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. محب الله شريف: اليوم نجد اعترافا رسميا بوجود اشتباكات في الج


.. في هذه الأيام يتحرى المسلمون رؤية الهلال


.. ناصيف نصار: مفهوم الدولة المدنية غامض والعلمانية شرط للديموق




.. إسماعيل هنية: على نتانياهو -ألا يلعب بالنار والمسجد الأقصى خ


.. أغناهم الله .. و رسوله !! / التوبة 70 - 78/ قناة الانسان / ح