الحوار المتمدن - موبايل


المرأة والأقليات العربية بين التحرير والتمكين

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2014 / 6 / 2
حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات


في أول برلمان مصري أفرزته انتخابات تنافسية حرة ونزيهة عقب ثورة 25 يناير 2011، شهدت بعض جلساته جدلاً ساخناً بين أعضائه حول ما إذا كان يجب خص المرأة المصرية التي تستحوذ على أكثر من نصف القوة التصويتية في المجمع الانتخابي بحصة معقولة من التمثيل التشريعي تكافئ ولو الحد الأدنى المقبول (بين 20 إلى 30 بالمائة مثلاً) لهذه القوة والمشاركة النشطة في الحراك الثوري والانتخابي. وقد لامس هذا الجدل أيضاً أقليات أخرى لها تعداد حضور موثق وملموس في الدولة والمجتمع مثل المسيحيين والبهائيين والشيعة وأهالي النوبة وبدو سيناء والقبائل الحدودية التي، مثل المرأة، لا تتمتع بنسب تمثيلية في أي من الأفرع الحكومية الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية تكافئ ولو من بعيد نسب تعدادها السكاني وتوزيعها الجغرافي الحقيقي. وقد خلص البرلمان ذو الأغلبية الإسلامية آنذاك إلى رفض مقترحات تمكين المرأة التي يتجاوز تعدادها في الحقيقة تعداد كل الرجال، ورفض أيضاً تمكين الأقليات الأخرى من بلوغ ولو الحد الأدنى المعقول من نسبها المستحقة، مسوغاً هذا الموقف على أساس رفض مبدأ المحاصصة الذي يتنافى في جوهره مع مبدأ التنافس الحر والنزيه.

هل كان البرلمان ذو الأغلبية الإسلامية، حسب زعمه، ينصف حقاً الديمقراطية من خطر المحاصصة؟ وهل المحاصصة، في مثل هذه الحالات تحديداً، تشكل الخطر الذي زعمه الإسلاميون على الديمقراطية أم المسألة كلها لا تعدو كونها ’حق يراد به باطل‘؟

قد يساعدنا في الإجابة على مثل هذا السؤال أن نستحضر حالات مماثلة سواء للمرأة أو لأقليات دينية وعرقية كانت كما في الحالات المصرية والعربية الحاضرة ضحية لتمييز ممتد لمئات (وآلاف؟) السنين، وننظر كيف تعاملت أنظمة ديمقراطية مشهود لها بالأصالة والعراقة مع مثل هذه الأقليات المستضعفة حتى تنتشلها من وضعيتها الضعيفة والمستباحة تاريخياً وتمكنها من بلوغ مستوى معقول إن لم يكن كامل من المساواة سواء مع الرجل أو مع الأغلبية العرقية أو الدينية السائدة تاريخياً. السود الأمريكيون ذوو الأصول الأفريقية، أقلية الزنوج أو العبيد سابقاً، يعرضون حالة في محلها ويكشفون كيف تعامل معهم أحد أوائل الأنظمة الديمقراطية وأكثرها حيوية وإبداعاً على وجه الأرض. هل استعانت الديمقراطية الأمريكية بمبدأ المحاصصة المنافي للديمقراطية في سبيل تمكين الزنوج من ردهم الهوة التاريخية التي تفصلهم عن الأغلبية البيضاء قبل أن تتركهم يعتمدون على أنفسهم في تنافس حر ونزيه مع سادتهم البيض السابقين، لكن بعدما مهدت وسوت الأرض بدرجة معقولة أولاً تحت أقدام الجميع؟!

في الحقيقة، حتى بعد نجاح الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن في تحرير العبيد السود من قبضة أسيادهم البيض عقب حرب أهلية دموية كادت تعصف بالكيان الأمريكي من أساسه لم يتحسن وضع الأقلية السوداء كثيراً عن ذي قبل؛ حياتهم بعد التحرير بقيت لا تختلف كثيراً عنها تحت العبودية. بالنسبة لهم المكسب الوحيدة، رغم أهميته لاحقاً، من هذه الحرب كان لا يتعدى امتلاك صكوك حريتهم على الورق، في نصوص دستورية وقانونية؛ لكن واقعهم الحياتي الفعلي لم يشهد تغييراً يذكر. التمييز العنصري بقي موجوداً وممارساً بقوة ضد الأمريكيين من ذوي الأصول الأفريقية في كل مؤسسات الدولة الأمريكية بلا استثناء، الحكومية والمدنية، وفي كافة أنشطة وتعاملات المجتمع بلا استثناء. في المحصلة، لينكولن أعطى العبيد حريتهم الدستورية والقانونية ثم تركهم يمضون في حال سبيلهم؛ لكنهم، بسبب وضعية عبوديتهم السابقة نفسها، ما كانوا يملكون أو يستطيعون امتلاك أي مؤهل أو قدرة أو مهارة أو ميزة تنافسية أو تركة أو مال أو جاه أو نفوذ أو أي شيء يمكنهم في بيئة عامة عدوانية ومتربصة بهم من إعالة حتى أنفسهم وأطفالهم، ناهيك عن أن ينافسوا سيدهم الأبيض السابق. لذلك لم يكن مستغرباً ألا يجد المحررون السود ملاذاً سوى النكوص عودة إلى وضعية العبودية الاختيارية، كخدم في المنازل ومزارعين بلقمتهم في المزارع، حتى يؤمنوا البقاء والحماية لأنفسهم وأطفالهم.

بعد الحرب العالمية الثانية تنبه الضمير الأمريكي أخيراً إلى أن الحرية الدستورية والقانونية وحدها لا تكفي أبداً لجبر الضرر الذي امتد مئات من السنين. ليس من الإنصاف ولا النزاهة أبداً التحجج بمبدأ ديمقراطي مثل المنافسة الحرة لترك الأقلية السوداء، بالنظر إلى ما لحقها من ظلم تاريخي، لقمة طرية تلوكها الأغلبية البيضاء كيفما تشاء. المساواة على الورق، في نصوص دستورية وقانونية، فقط لا تكفي ولا تساوي شيئاً. لابد من تمهيد وتسوية الأرض تحت أقدام الجميع أولاً قبل أن يستطيع الضحايا السابقون تحقيق الاستفادة المرجوة من هذه النصوص. وهنا بدأ تنفيذ سياسات التمكين، شاملة المحاصصة، التي أخذت بيد السود من وضعية الأحرار على الورق إلى أحرار بالفعل على الأرض، حيث يستطيعون منافسة نظرائهم البيض والتفوق عليهم في كافة المجالات. من هذا الطريق، سياسات التمكين القائمة على مبدأ المحاصصة والمعاملة التفضيلية غير الديمقراطية لكن المشروطة، وصل باراك حسين أوباما إلى سدة الرئاسة الأمريكية وأعيد انتخابه للمرة الثانية، وتبوأت السيدة كونداليزا رايس وزارة الخارجية الأمريكية في إدارة سيد أبيض سابق مثل جورج بوش الابن.

حتى لو استثنينا دستور الأغلبية الإسلامية في 2012 والقوانين التي مررها برلمانهم، كل من يدقق النظر في معظم الدساتير والقوانين المصرية الأخرى الموصوفة بالعلمانية سوف يجد في أحسن الأحوال نصوص أنيقة ومجاملة ومزركشة بعبارات الحرية والمساوة والعدالة بحق المرأة والأقليات، لكن هي تبقى رغم ذلك مجرد نصوص دستورية وقانونية أو، بمعنى آخر، كلام على ورق لا قيمة تذكر له على أرض الواقع. الواقع الفعلي مختلف تماماً. هل يعقل أن تنجح امرأة حتى في منافسة انتخابية حرة ونزيهة ضد رجل في دائرة انتخابية مقتنعة لدرجة الإيمان الأعمى بثقافة ذكورية صاغها ويتحكم فيها الرجال أنفسهم منذ آلاف السنين. في مثل هذه البيئة يقضي المنطق السليم، كما يؤكده الواقع فعلاً، أن ترفض حتى النساء إعطاء أصواتهن لامرأة مثلهن، بل يفضلن عليها رجلاً. وهل يعقل أيضاً، في ظل ثقافة إسلامية منحازة وسائدة منذ مئات السنين، أن ينجح مرشح مسيحي في انتخابات تنافسية حرة ونزيهة ضد أخ مسلم في دائرة انتخابية أغلبيتها الساحقة من المسلمين؟!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صباح العربية | تعرفي على تغيرات جسم المرأة ما قبل انقطاع الط


.. بداية شبابية لأسبوع الملابس النسائية الجاهزة في باريس


.. -حياة جديدة-.. مشروع في مصر لتأهيل النساء قبل خروجهن من السج




.. في صدفة أقرب للخيال.. امرأة بريطانية تكتشف أن صديقتها المقرب


.. لميس الحديدي عن مسودة قانون الاحوال الشخصية: صيغته لا تليق ب