الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حول مفهوم الذاتية الإلهية

هيبت بافي حلبجة

2014 / 6 / 26
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع



لن ألج في سجال عقيم مع مرتكزات وحيثيات الفكر الأنساني في علاقته مع محتوى مقولة ( الإله ) وغايته ’ ولن ألج في منطقة المحظور البليد لموجبات تحليلية وأخرى تفضيلية ’ وكذلك لن ألج في خضم تموجات هذا المفهوم من بابه العريض ’ إنما سأحرص كل الحرص المنشود المكوث في غياهب محتواه طبقا لطبيعة مشروعنا الفلسفي وتطابقا مع الأسلوب العلمي المعرفي وتزامنا مع المحتوى الموضوعي للتجربة الإنسانية في الفكر وفي الوقائعية وفي غائية التطور .
ومن هنا تحديدا ’ ستتحدد رؤيتنا الفلسفية في تخصيص العلاقة ما بين الثالوث التالي ( الفكر ’ الغيبي ’ الواقعي ) ضمن ثلاثية تكافلية هي ( الفكر ’ الوجود ’ والعلاقة ما بينهما ) وخضوعا لثلاثية تلازمية غير مستقلة تتفاضل وتتكامل حسب طبيعة هذه الثلاثية التي هي :
أولاُ : محتوى اللحظة خارج الزمن ’ خارج الأخروي ’ وصميمية مع ذاتها دون أن تستقل بذاتها كقطيعة منفصلة عن ( ... ) لأنها محددة من حيث لاندري ’ ومن حيث هي لا تدري ’ ومن حيث هي لها طبيعتها على تلك الشاكلة وليست على شاكلة أخرى .
وهذا المحتوى هو أنطولوجي يتنابذ مع الغيبي ويتنافر مع الواقعي المبتذل ’ أي يرفض في نفس اللحظة الفكر الغيبي اللامتأصل والفكر الوجودي اللامتطور ’ ويأبى أن يكون أي شيء خارج مفهوم تلك اللحظة التي هي خارج الزمن ’ وحتى خارج مضمون المكان .
ثانيا : محتوى القانون الطبيعي خارج أشكالية الطبيعة ’ خارج اشكال التحديد والحصر ، وداخل في نسبية ذاتيته ، وداخل في مستوى الحدث كفرد أو كعدد دون أن يستبد بذاته أو يتسلط علينا ، ودون أن يلزمه الحدث بأي ألتزام خاص أو أستثنائي او مستقل ’ وهو مندمج مع مفهوم ( محتوى اللحظة ) ’ فلايستقل بذاته ولايخضع ألا لذاته ’ وهو الذي يضفي على تلك اللحظة أرقى خصائصها وأكثرها حميمية في تعيين سماتها ، وكإن لا ( اللحظة ) بدون هذه التطابقية .
وهذا المحتوى يتنابذ مع الوجودي كديمومة مستمرة ويتنافر مع اللاوجودي في عمقها التناقضي لأختلاف أنطولوجية كل منهما من زاوية ( هو ) وليس من زاوية ( الهوية ) إذا اخذنا ، هنا ، الهوية كماهية تدنو من محتوى الجوهر ، من محتوى الذاتية المستقلة .
وهذه المفارقة القاتلة هنا ’ مابين ماهوية ( الهو ) وما بين أنطولوجية ( الهوية ) أربكت معظم الفلاسفة فأرتكبوا حماقة مابعدها حماقة ’ وأنقسموا مابين غيبي نظري يقتات من ذاتية الفكر كفكر مستقل خاص له منطقه وشروطه وأركانه ( هيجل ’ ومعظم الفلاسفة المسلمين ) ’ ومابين طبيعي واقعي سخيف كجوهر مستبد يتلمظ من أبعاده ويتلظى نار حقيقته ( ماركس ’ ناهيكم عن الآخرين ) .
وهذه المفارقة تجنح نحو ثلاثة مستويات توشك أن تكون مستقلة ’ ويكاد كل منها ان يفرض خاصيته وبعده الذاتي على ( الهو ) :
المستوى الأول : إن الهوية تقترب من اللاوجود ولا ترتقي ألى مستواه بعكس الهو الذي يقترب من الوجود ويكون أرقى منه ’ وكأن الهو يختزل ثلاثية متكاملة ’ الوجود نفسه واللاوجود والهوية ’ دون أن ينسى ذاته في منطوق الهو كما هو الهو .
المستوى الثاني : الهو هو تدرج في الهو وليس تدرج في الهوية ، وهذا التدرج الأنمائي هو الذي يفضح سخافة فكرنا وتفكيرنا في مرحلة معينة ، وهذا الأختلاف البنيوي هو الذي يضفي على التجربة الإنسانية القيمة التاريخية الموضوعية ’ ويفضي بتلك التجربة إلى أن تعاشق ذاتها وأن ترتقي بخصائصها وأن تكشف عن منطوق البنيوية في حركتها .
المستوى الثالث : إن الهو هو الذي يمنح اللحظة مفهومها خارج الزمن بعكس محتوى الهوية الذي يؤمر اللحظة لكي تخضع للزمن وبالتالي للمكان ، وهنا نقترب من بركان هائج مائج من التصورات المرتبطة بهذه الرؤيا ، مثل الأستمرارية التي ندركها في ارتباطها بالهو وليس بالهوية ، وكذلك الديمومة ، والتطور ، والأنفصال والأتصال ، والواقع والوقائعية .
ثالثا : هناك أختراق عنيف في علاقة الوجود بالمكان ، بحيث ننأي بأنفسنا عن العلاقة الصميمية مابينهما ، ونتصور ، على الأقل نتصور ، إن المكان هو مكان وهو لا مكان ، هو شيء ما وهو لا شيء على الأطلاق ، هو هناك وهو من المستحيل أن يكون هناك .
وهذا الأختراق هو الذي يجعل الوجود ينكف إلى منطوق حيوي ، حاد ، ذي تضاريس متضاربة متناقضة يأبى أن يكون قابلا للتعيين بعكس التصورات الفلسفية السابقة ، ويأبى أن يقبل اللا تعيين كمفهوم لايختزل الحدود المرتبطة بكينونية ( الكون ) ( العالم ) ( الهو بمفهومه النسبي المطلق ) .
أذا أكتفينا هنا بهذا التصورات البسيطة الأولية فهل من الممكن أن نلج بهدوء وكل طمأنينة تلك السراديب الممزقة حتى التكامل وتلك المنظومات التي أبهرت الملايين كمكانيين ، كأطفال الزمن ، وكوحدات حسابية 1+ 1 = 2 ، أي هل بالإمكان أن نكشف النقاب عن الذاتية الإلهية ؟
دعونا نسرد الآتي :
أولا : إذا كانت الذات الإلهية مستقلة ، لها طبيعتها الخاصة جدا ومغايرة بالمطلق عن طبيعة الوجود او الكون أو العالم ، سنكون أزاء مفارقات عصية على الفهم والأدراك ، سنكون أمام مفاهيم جامدة إلى حد الغثيان ، مثل الزمن البليد ، المكان الأخرق ، الوجود المنقسم ، الأخلاق الصنمي ، الماهية المطلقة ، الحدود الأزلية ، السرمدية في كل الأشياء .
إن التصور السابق لايمكن أن يمت بأي صلة من الصلات إلى الفلسفة الحقة ، كما لايمكن البرهان عليه ولا بأي شكل من الأشكال ، إنما هو مجرد أعتقاد محض ، أو هو الإيمان حسب الديانات كافة السماوية وغير السماوية ( الإيمان بالله ، بالرب ، برب العالمين ، ورسله ، وكتبه ) أي هو مرتبط بالعامل النفسي والإعتقاد النفسي والتحليل النفسي .
ولكي لانغمط على الآخرين حقهم ، نؤكد إن تلك الدلالات المرتبطة بفكرة إن الذات الإلهية مستقلة وهي المسيطرة على الوجود الأرضي والكوني أو تلك التي تنضوي تحت مظلة البراهين ، لا تتجاوز مفهوم ذاتها ولا تتخطى حدود التصورات الذاتية ، وهي تلائم التصورات البشرية في مراحلها الأولى ، في بداية تطورها ، في براءتها التمهيدية .
ثانيا : إذا كانت الذات الإلهية مستقلة لكنها لا تؤدي إلى محتوى الوجود المنقسم ، فأننا نقترب قليلا من تلك المفاهيم التي طرحناها ، لكن تنجم عن هذه الفكرة أطروحات مكلومة مجروحة ، أطروحات خشنة ، مثل كيف يمكن أن ندرك الوجود كوجود حقيقي في تلك الفلسفات ؟ وكيف يمكن أن نعي تمام الوعي عمق العلاقة ما بين أطراف الوجود ، مابين المطلق والنسبي ، مابين الأزلي الأبدي واللاأزلي واللاأبدي ، ما بين الحاضر والغائب ، مابين المنتهي واللامنتهي ؟
إن هذا التصور يخلق حالة من الأنتكاس في الوعي البشري ، أو حالة من النكوص في تغليب ( النفس والروح ) على ( العقل والمنطق ) ، أي كأننا إزاء حالة أنفصام فعلي مابين العقل والمنطق العائدان لحالة الروح والنفس ، ومابين العقل والمنطق المندمجان أصلا ، وبصورة بنيوية وتكوينية ، بمحتوى مفهومنا القديم عن التطور والذي أستبدلناه هنا بمنطوق اللحظة خارج الزمن .
أي أننا خطونا خطوة ثانية أرقى من الأولى في فهم العلاقة مابين الذاتي كموضوع ومابين الموضوعي كذات ( محتوى اللحظة خارج الزمن ، محتوى القانون الطبيعي خارج أشكالية الطبيعة ، الأختراق العنيف في علاقة الوجود بالمكان ) .
ثالثا : إذا كانت الذات الإلهية ليست مستقلة ، لكن كيف ؟ ثمة حدود لامنتهية من التصورات التي يمكن أن تعالج دينيا وحتى لادينيا هذه الحالة .
رابعا : إذا كانت الذات الإلهية هي الوجود عينه ، هي تلك اللحظة ، سنكمل مناقشة هذه الحالة في الحلقات الأخيرة من مشروعنا ، لكن لا مناص من ابداء الملاحظتين التاليتين الضروريتين لادراك تلك المفاهيم التي طرحناها ، سيما محتوى اللحظة خارج الزمن :
الملاحظة الأولى : بغض النظر عن صحة ما طرحناه فأننا نميل إلى فكرة أساسية وجوهرية وهي أن مفهوم ( الكل ) هو الكل ، ومن المعيب بل من المستحيل تجزئة الأشياء في الوجود ، فالوجود الحق هو الكون الحق هو القانون الحق هو الفلسفة الحقة .
الملاحظة الثانية : إن الهو هو المتغير الأصلي الحقيقي الفعلي وهو الذي يخلق مفهوم اللحظة وهو الذي يخلق محتوى القانون الطبيعي وهو الذي يمنح للوجود معناه المكاني الذي طرحناه وفق هذا التصور وليس وفقا للتصورات القديمة في الفلسفة . وإلى اللقاء في الحلقة الثامنة والأربعين .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تعليق
عبد الله خلف ( 2014 / 6 / 26 - 23:25 )
- في عام 1927 وضع (هايزنبرج) مبدأ (عدم اليقين) أو مبدأ (الريبة) , وهو مبدأ فيزيائي من المباديء التي تحكم الكون , ينُص هذا المبدأ على (أننا ممنوعون من معرفة الحقيقة الكلية , وليس لنا أن نختار إلا نصف الحقيقة أما الحقيقة الكاملة فنحن ممنوعون عنها) .
يعتبر مبدأ (عدم اليقين) لـ(هايزنبرج) قانون صارم من قوانين الطبيعة ولا يرتبط بأي شكل ببعض القصور الموجود في أجهزتنا , وهو مبدأ يُعلمنا أنه ليس في وسع الانسان إلا المعرفة الجزئية أما المعرفة الكُلية فهذه حكمة لم يُسمح لنا بالاطلاع عليها .
ويعتبر هذا المبدأ من أعظم المبادئ أثراً في تاريخ العلم الحديث حيث أنه يضح حداً لقدرة الإنسان على قياس الأشياء.
- العلم يقول : (اننا إذا رمزنا للموجات الكهرومغناطىسية بخط تبلغ طوله150 مليون كيلومتر ؛ فإن العين البشرية تبصر منه مترا ونصف المتر ؛ فقط!... ما أشد عجز البصر عن إدراك ما حوله!... مثال آخر : هل يعلم المادي ان المخ البشري يتعرض لـ (400 مليار) معلومة في الثانية لكنه يدرك منها (2000) معلومة ؛ فقط!... ما أشد عجزه الإنسان عن الإدراك!) .

اخر الافلام

.. سكان بلدات لبنانية تتعرض للقصف الإسرائيلي يروون شهادتهم | #م


.. أمريكا ترسل 14 ألف قنبلة زنة ألفي رطل لإسرائيل منذ السابع من




.. هل ستتجه إيران لجولة انتخابية ثانية؟


.. شركة بيانات: مشاهدات مناظرة بايدن وترمب أقل من المتوقع بكثير




.. سيناتور أمريكي لنتنياهو: نقف بجانب إسرائيل في حربها ضد حماس