الحوار المتمدن - موبايل


علوم الإنسان والأديان

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2014 / 7 / 18
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


يقول علم نشأة الإنسان، الأنثروبولوجيا، أن نشأة الإنسان قد سبقت بآلاف السنين نشأة الأديان. فإذا كان كذلك، يكون الإنسان هو منشئ أو خالق الأديان، أو أن تكون الأديان حقيقة عرضية غير حتمية مترتبة على النشأة البشرية السابقة وبالنتيجة المنشئة لها. في المقابل يدعي علم اللاهوت، الفقه، أن العكس هو الصحيح: أن الأديان قد سبقت وجود الإنسان على الأرض، بل حتى قد سبقت الوجود الكوني كله لما بقيت طي المشيئة الإلهية في اللوح المحفوظ قبل ما لا يحصى من السنين من خلق السموات والأرض.

في جانب جوهري منه الدين يرادف ’الغيب‘، الذي يعني كل ما تعجز وسائل العلم لدى البشر عن كشف أسبابه وغاية وجوده. مثل هذا الوضع حيث لا تستطيع الوسائل المعرفية لدى البشر أن تقف بدرجة معقولة ونافعة عملياً على أسباب ما تتعرض له في حياتها من ظواهر كونية وإنسانية متنوعة ومتغيرة قد يستحق تسمية أخرى- ’الجهل‘. فإذا كان كذلك، يكون الغيب هو كل ما تقف أمامه وسائل العلم البشرية عاجزة وعديمة الحيلة ودون تقديم إجابة شافية، مثل حقائق الموت والحياة والغاية النهائية من دوران الكون...الخ. لكن، من ناحية أخرى، أن يكون الغيب جهل لا يعني أن يكون كل جهل غيب لأن هناك دائماً أشياء كثيرة يجهلها الإنسان ولا يعلم أنه جاهل بها، لأن وسائل إدراكه لم تصل إلى معرفة وجودها بعد. هكذا الدين يقوم في جوهره على الغيب، والغيب جهل، لكن في الوقت نفسه ليس كل جهل جدير بأن يكون غيباً. وثمة حلقة ناقصة لا تزال.

النبي. هو هذا الشخص الذي يدعي بوسيلة أو بأخرى علمه بما قد عجز الآخرون عن معرفة أسبابه وغاياته. وهنا لا يشكل محتوى ادعاءاته، من حيث صدقها أو كذبها، أهمية تذكر؛ إنما الأهمية الأكبر تتركز على قدرة هذا المدعي، بوسيلة أو بأخرى، على أن يكسب تصديق (إيمان) هؤلاء الآخرون بصحه ما يدعيه. هنا يكمن الفارق الجوهري الحاسم بين العلماء والأنبياء، حيث ينصرف عمل أدوات الإثبات والتكذيب إلى محتوى ادعاءات الأوائل بينما ينصرف إلى شخوص الآخرين دون ادعاءاتهم؛ فإذا استطاع رجال الدين بوسيلة أو بأخرى أن يكسبوا ثقة الآخرين في شخصوهم سوف يكسبون بالنتيجة ثقتهم (إيمانهم) في صدق ادعاءاتهم بالمعرفة، بوسيلة أو بأخرى، بما قد غاب عن علم المؤمنين أو ما لا يزالون يجهلون أسبابه وغاياته. ولأن بؤرة تركيز هذه العلاقة الشخصانية تنصب على شخصية المدعي ذاته أكثر منها على محتوى ادعاءاته، كانت النتيجة دائماً لا تفضي إلى كسب أي علم جديد بأسباب الظواهر المغيبة أو المجهلة على الإنسان بقدر ما تفضي إلى مزيد من الإيمان- وضع ثقة عمياء في شخوص الأنبياء والفقهاء وادعاءاتهم حول شخوص وظواهر غيبية قد استعصت معرفتها على وسائل الإنسان، دون الالتفات إلى صدق أو كذب هذه الادعاءات في حد ذاتها وبمعزل عن مدعييها.

هكذا الدين يعتمد على الغيب، والغيب جهل حتى لو لم يكن كل جهل غيباً، ورجل الدين هو هذا الذي يزعم العلم بأسرار هذا الغيب أو الجهل عبر كسب تصديق الآخرين لشخصه دون إثبات لصدق مضمون ادعاءاته. وكذلك العلم يستهدف الغيب والجهل لكن بأدوات مختلفة. العلم، عكس الدين، يجعل ادعاءاته حول ما لا يزال مغيباً أو مجهلاً عن معرفة الإنسان هي ذاتها بؤرة تركيزه وموضع إثبات التصديق أو التكذيب، لا شخوص العلماء أنفسهم. لذلك بينما يتخذ الدين من العبادة الإيمانية وسيلة أساسية في معالجته للغيب والجهل، يتبع العلم المنهجية الموضوعية التي يستطيع كل مختص أو مهتم آخر إعادة إجرائها والتحقق بنفسه من مدى صدقها أو كذبها، باستقلال كامل عن شخصية واضعها.

إذا كان الأمر كذلك، فقد يجوز القول أن العلم والدين هما مثل تضاديات الليل والنهار، الحياة والموت، الموجب والسالب، النيترون والبروتون...الخ، وجهان لعملة واحدة ونفس العملة- الحياة. هما في حالة صراع ديالكتيكي دائم الحركة وتغير النسب؛ فكلما زاد رجال العلم من التحدي بتعرية مساحات أكثر من الغيب والجهل- حيز النفوذ التقليدي للدين- أتت استجابة رجال الدين أخيراً بعد طول مقاومة وعناد بنقل منطقة النفوذ إلى أرض أخرى لا تزال غائبة ومجهولة عن الخريطة العلمية، لينتقل إليها الصراع مجدداً حتى يرحل آخر الفقهاء بحثاً عن أرض بكر لا تزال خصب بالغيب والجهل. وهكذا سوف يستمر الصراع قائماً طالما بقيت مساحات كبيرة من عقل الإنسان وكونه تغطيها ظلمة الغيب والجهل ويقف أمامها العلم عاجزاً عن تقديم إجابة شافية؛ أو قد يكون الدين، في إساءته استغلال الغيب وجهل الآخرين، هو ذاته تحدياً محفزاً لنشاط العلم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تعليق1
عبد الله خلف ( 2014 / 7 / 17 - 22:35 )
أولاً : الإنسان هو الدين , و الدين هو الإنسان .
البشرية كلها عبر الزمان وعبر المكان لم توجد بها قرية ولا نجع بغير إيمان بالله ولا يُعرف تاريخ الانسان الا في إطار الدين والإيمان بوجود الله ولم توضع فلسفات العالم ومحارات عقول العالم إلا من أجل التأسيس للدين .
والمنطق منذ أرسطو إلى يومنا هذ...ا يدور في إطار وجود الله كقضية بديهية , يقول المؤرخ الإغريقي بلوتارك : (لقد وجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور، ومدن بلا مدارس، ولكن لم توجد أبدا مدن بلا معابد لا يوجد دليل واحد على أن التدين تأخر على نشأة الإنسان بل هم قرينان منذ القدم) .... الدين ص76 .
هل تعلم أن إنسان النياندرتال ؛ كان مُتديناً؟ .

يتبع


2 - ممتاز
السودانى الحائر ( 2014 / 7 / 18 - 00:13 )
لا تتوقف..شكرا ايها الرائع

اخر الافلام

.. في #النقاش_مع_جنان_موسى.. لماذا يحاول #الجولاني تبديل جلده و


.. بحقنة بـ2.1 مليون دولار.. حاكم دبي يعالج طفلة عراقية تعاني م


.. نتنياهو: لا نعلق آمالا على أي اتفاق مع إيران




.. مقتل 9 من عناصر الجيش في هجمات لداعش في البادية


.. البنتاغون: تركيا مطالبة بالتخلي عن منظومة إس 400 الروسية