الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صَهيَنَةُ الكُرد ...لماذا؟

خالد سليمان

2005 / 8 / 19
القضية الكردية


لوصف إشكاليات المثقف العربي المستقوية بالخيال القومي والإنحياز الدائم للنموذج " الهايدغري " ، قد يحتاج المرء إلى متابعة يومية جادة لجميع تلك الأفكار التي تطرحها النخبة المثقفة حول اللقضية الكردية وتجلياتها في الصحافة العربية. ذلك ان فكر يومي منحاز " للقائم " في العالم العربي يسوق أغلب الرؤى السياسية والثقافية التي تراها النخبة ذاتها، مناسبة للقضية الكردية . ولا يخرج هذا الفكر من السياق العام لوضع حلول إنشائية تعتمد العروبة لقضايا " الآخر " بالدرجة الأساس .
لعل ما يميز إستفحال هذه الإشكالية التي تضع تمثلات المثقف الأخلاقية محل الريبة والشك ، هو اعتماد مقولات كلاسيكية مألوفة لمشكلات سياسية واجتماعية وثقافية ، لم تحلها الأفكار القديمة وأصبحت إحدى المعضلات الرئيسية للراهن المحتضر .
قد لا ابالغ ان قلت أن رؤية رئيس تحرير صحيفة السفير " جوزيف سماحة " للقضية الكردية في مقاله المعنون " الشعب الكردي والطوائف العربية " في عدد يوم 09/8/2005 في الصحيفة ذاتها ، تجسد الثيمة الأساسية لفكر سياسي يومي سائد يقترن غيابه أو إختفاء دوره التاريخي بحضور " الآخر" . فالمحاور الأساسية التي بنى عليها السيد سماحة رؤيته حول الحضور الكردي في العراق في المقال المذكور هي : الإستقواء الكردي بالوجود الأمريكي وبالضعف العربي اليوم ، والتأثر بالوعي الصهيوني ، ورفض الكردي " الشعبي والرسمي " للبقاء في العراق " العربي " . من هنا يمكننا مناقشة تلك الأفكار التي يطرحها الكاتب في سياق مقاله المذكور إذ يسجل فيه حصيلة تاريخ طويل من الصمت حول تراجيديا " الشقيق الكردي " مع تنبيهه من مغبة الإبتعاد عن العروبة .
ولأن الكاتب يرى بأنه (لا يمكن للعرب مطالبة الأكراد بمشروع إنقاذي للمنطقة. ليست تلك مهمتهم، ولا هذه > الأقليات )، لا يمكن تصديق قابلية " الأغلبيات " للإحتواء والتعايش أيضاً . وكون السياسة هنا، تتجسد وفق حق الغالبية في تسمية مكوناتها واشكالها ، لا تحتمل أراء الكاتب سوى العودة إلى حلول إجرائية سبق وأن جرّبها النظام البعثي في تعاطيها مع القضية الكردية . هذه ليس إتهاماً للكاتب وهو معروف بموقفه من نظام صدام حسين ، لكن تلاقي الحلول الإجرائية التي تقترحها النخب العربية الحاكمة والمثقفة للمشاكل الناجمة عن فشل نموذج " الدولة- الأُمة " مع الآخر ، تحمل ابعاداً سياسية ترتسم على " المعطف " القومي الواسع والدافئ للجميع . لكن برد الإضطهاد السياسي والقومي يسلك طريقه لحياة الأُمة وفقاً لمنطلقات النخب ذاتها ، من خلال نوافذ أقامها التدخل الخارجي ، أو عبر حضور الوعي الصهيوني عند " الأقليات " في المنطقة .
يقول جوزيف سماحة : (يبدو، أحياناً، أن في > كل أقلية، وكل وعي أقلوي، شيئاً من الرغبة في محاكاة النموذج الصهيوني بصفته المثال على نجاح حفنة قليلة العدد في امتهان عشرات الملايين، ومصادرة حقوقهم، وإذلالهم، والتنكيل بهم أو اعتراض طريقهم المشروع نحو التحرر والنهضة).لم تستوقفني أية فكرة في المقال مثل هذه الفكرة التي أعتبرها جوهره ، ذلك انها تركز على تماثل آيديولوجي مفترض بين الصهيونية و" الحركة الكُردية " . لأن الرغبة في المحاكاة ليست مجرّد رغبة، بل أنها عنصر فعّال لأي حلم وأي مشروع سياسي . لهذا لا يمكن تفسير كلام الكاتب بأي منطق سوى انه التأكيد على رغبة الأكراد في التنكيل بالعرب . لأنهم – أي الأكراد – يعتبرون العداء مع إسرائيل مفروض عليهم ومستورد برأيه.
لايمكن إعتبار هذه الرغبة العربية بتخوين الكرد ، إلاّ تحميلهم مسؤولية فشل مشروع الوحدة العربية، ووضع قضاياهم القومية والإنسانية محل " يهودية جديدة " تمخضت عن الغزوة الكولونيالية التي يستعد الأكراد لتقديم الخدمات إليها .
ورغم ان الدولة الإسرائيلية ولدت في أحشاء الدين وتختلف هويتها السياسية والثقافية إختلافاً جوهرياً عن هوية الكرد القومية التي طمستها عوامل عدة منها الطبيعة الجيوبوليتيكية لكردستان وإتفاقية دولية إستعمارية عام 1924 "لوزان " سمحت بموجبها تقسيم كردستان على اربع دول .فإن علاقة مفترضة بينهما تشغل الرأي العربي الرسمي والشعبي والثقافي وتسوق أي تحرك كردي لتجاوز الوضع السياسي القائم والخروج عن " الثوابت " المُقدسة ، باتجاه الآيديولوجيا الصهيونية .
والحال هذه ، تبقى المطالب الكردية في صياغة الدستور العراقي الجديد برأي الكاتب ،والتي تتعلق أكثريتها بالهوية العراقية وليست الكردية ، هي الإستقواء بـ (الانهيار المريع في الوضع العربي العام وتراجعه الشامل عن قدرته على الإمساك بمصيره، وعجزه عن بلورة أنظمة ذات قاعدة تمثيلية، واختناقه الثقافي والحضاري). فيما يخص العداء الكردي المفترض لإسرائيل ، فيجدر بالكاتب مطالبة العرب والفلسطينيين بهذه المهمة قبل الآخر ، أليس المفكر العربي " عزمي بشارة " عضو الكنيست الإسرائيلي من المدافعين العنيدين عن العروبة وإصلاح الفكر القومي . ايمكن إتهامه بالخيانة ، ام انه مادام يحمل الهوية العربية يحق له العمل في الفكر والسياسة وفق ما يشاء وبأية وسيلة يبغيها ! لماذا إتهام " الكُردي " على شيء لم ينويه ، رغم انه لم يطالب سوى بحقوق شرعتها جميع المواثيق الدولية والإنسانية .
ان الرغبة في إعادة بناء العراق تقتضي جميع الوسائل المتاحة ، وللكردي الحق في سياق مثل هذه العملية ، المطالبة بحقوقه من ضمنها حق تقرير المصير . فإذا كانت ( رغبة الإنفصال والإستقلال تعمّ القيادة والقواعد والنخب والشباب) في كردستان كما حدث في إستفتاء هذا العام على هامش الإتنخابات العراقية الاخيرة ، لم لا . ماذا سيكون رأي النخب العربية المثقفة إذا حصل إستفتاء ثان في كردستان وصوت المشاركون هذه المرة بالنسبة 99% بنعم لصالح الإستقلال . هل سيكون الرد مطالبة العسكر بالتدخل أم إحترام إرادة شعب له وجوده القومي والتاريخي واللغوي وكل العناصر الأُخرى التي تثبت الهوية القومية.
(كان يتمنى المرء لو أن جلال الطالباني، أو غيره، أصبح رئيساً في سياق تطور طبيعي وديموقراطي للعراق وللفكر القومي العربي. كان ذلك سيكون دليل عافية ونمو، وبرهاناً على أن حل مشكلة الأقليات هو الوجه الآخر، والتتمة المنطقية، لنجاح الأكثرية في التصدي للتحديات المطروحة عليها). مفاد هذا الكلام الذي لا يبدو سوى انه مقدمة منطقية لـ " صَهيَنَة " الحلم الكردي في تأسيس كيانه المستقل في المنطقة ، يتمثل في ان العالم العربي هو عالم قلق ،مريض ، والفكر القومي العربي الذي يرى الكاتب بيئته الحضارية والثقافية مختنقة ، ليس قادراً على التعايش في عالم مختلف إلى هذا الحين . لأن الانهيار العام للوضع العربي والإختناق الحضاري والثقافي الذي يتحدث عنه ويعتبره عنصراً من عناصر الإستقواء الكردي ، لا يمكنه انتاج فكر يرتقي إلى مستوى الأحداث والتغيرات . هذا ، إذا اعتمدنا السياق التاريخي لنشوء وتطور الفكر ذاته .
في سياق نفس الفكر اليومي الذي أشرت اليه في البداية ، نلاحظ ان وصول " مام جلال " بالنسبة لـجوزيف سماحة إلى منصب رئاسة الجمهورية كان (ثأراً غربيا من العرب)، دون وضع الحركة التحررية الكردية والحركة الديمقراطية العراقية في الحسبان ، اللتان وضعتا مستقبل رئيس صنمي للعراق محل السؤال عن ديمقراطية ولو متأرجحة !








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المتحدث باسم الأونروا في غزة لسكاي نيوز عربية: أعداد القتلى


.. أكثر من 7 صواريخ استهدفت خيام النازحين في رفح | #عاجل




.. الهلال الأحمر الفلسطيني لسكاي نيوز عربية: الاستهداف الإسرائي


.. مراسل الجزيرة: ارتفاع شهداء مجزرة رفح إلى 35 بينهم أطفال ونس




.. وصول شهداء وجرحى إلى المستشفى الإماراتي بعد قصف خيام النازحي