الحوار المتمدن - موبايل


فضل النبي الأعظم ص على البشرية وأثره في رقيّ الحضارة الإنسانية [2]

إسلام بحيري

2015 / 1 / 3
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


في الحلقة السابقة قمنا بإطلالة فيها شئ من التفصيل على معالم القرن السادس المسيحي، ورأينا كيف خيمت عليه ظلمات الظلم والجهل والضلال والوثنية والإستبداد، وذل الإنسان لنفسه وإهانته لها بمعنى الكلمة.. ونريد أن نشير في البداية إلى عدة نقاط مهمة:

1- بالطبع - وبدون مقدمات - في وسط هذه المنظومة من الجهل والإستبداد، لابد وأن يكون هناك أصحاب مصالح يحرصون على دوام الأوضاع على ما هي عليه.. طبقة محدودة العدد تعيش في رغد من العيش، معها السلطة الزمنية (الحكام والملوك والسلاطين)، وطبقة معها السلطة الدينية (الأحبار والحاخامات والبطريركات، بالإضافة إلى كهنة الوثنية)، وبقية الناس يعيشون عيش البهائم، ليس لديهم وعي بحقوقهم، وليست لديهم قوة ردع يُنهون بها تلك الأوضاع المزرية..

2- جعل الله تعالى قانون الحق والخير هو الذي يحكم الحياة، وهو الذي لابد وأن ينتصر.. تشير إلى هذا كل الدلائل التاريخية، كالثورة الفرنسية مثلاً..
كان من الواجب أن تنتهي مسرحية القرن السادس الدراميّة الكبرى على يد أحد العظماء المؤيّدين بقوة السماء، المتجردين عن الحظوظ والأهواء ومشتهيات النفوس الصغيرة.. فمن المستحيل على من كانت هذه صفته أن يقوم بتغيير إصلاحي طفيف على مستوى نفسه، فضلاً عن أحد غيره، فضلاً عن أن يؤثر في تغيير معالم حياة البشرية، وتوجيه مجرى التاريخ كله نحو العدل والحرية..

3- كانت تلك الأوضاع القائمة المزرية حصيلة تاريخ بشري بأكمله، وما كان للثورة الفرنسية التي حررت أوروبا من الرق والخرافة والإستبداد أن تقوم بدون إحداث تغيير فكري جذري وقسري وقهري لتلك الأوضاع المزرية التي استمرت طيلة التاريخ البشري.. وذلك من خلال الشرارة القوية التي ظهرت بمكة وما تلاها من الفتوحات الإسلامية التي كسرت سلطة الإمبراطوريات التي داست رقاب الناس وعقولهم..
ولازال عقلاء أوروبا يشكرون مسلمي الأندلس -حتى اليوم- على تخليصهم مما كانوا فيه.. لأن الأمر كان جداً لا هزل فيه، كان المشهد أكبر مما يتصوّره الجهلة المنطوون على أنفسهم والمهووسون جنسياً وسلطوياً، الذين يُسقِطون هوَسهم وأمراضهم النفسية والعقلية التي تحتاج إلى ترياق، على أكبر وأعظم وأطهر نبي مصلح عرفته البشرية.

4- إن أخص ميزة اتصف بها رسول الله ص هي "التضحية" وحمل هموم الآخرين.. والبعد التام عن المصالح الشخصية.. كان كبير النفس رحيماً شفوقاً، على عكس ما يصوّره صغار النفوس والعقول..
بحق: إن ما فعله رسول الله ص وما قدّمه يستوجب الشكر والإعتراف، وبالفعل قد اعترف بفضله كبار الكتاب والفلاسفة والشعراء والمؤرخين والمفكّرين من المسيحيين وكثير من اليهود والملحدين.. ولكثرتهم هناك كتب كاملة ألفت في هذا الموضوع. (أنظر على سبيل المثال لا الحصر: "قالوا عن الإسلام" للمؤرخ عماد الدين خليل، و كتاب "الرسول الأعظم في مرآة الغرب")..

5- وأما الجهلة الصغار الذين يهاجمون الإسلام بسبب الحروب والغزوات، فهؤلاء أقل ما نصفهم به هو الجهل بالتاريخ وأوضاع العالم عند ظهور النبي ص، والجهل بطبيعة الطغيان السياسي الإستبدادي لهذا العصر إلى درجة عبادة الحاكم واعتقاد علوّه عن مرتبة البشر، ومن ثم فهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، والجهل بأن النبي ص كان يستهدف هؤلاء الحكام والأباطرة وحواشيهم ولم يكن يستهدف قهر الشعوب كما يظنون، فكان الواجب هو شكر هذا النبي الكريم ص بدلاً من الجهالة والعمى..
كذلك من جهل هؤلاء: الجهل بحجم الوثنيات التي قضى عليها الإسلام ونظّف رؤوس الناس منها بخرافاتها وخزعبلاتها وأصنامها وذلّها، وأحل مكانها عبادة الله وحده، في شكل بسيط جداً يهتم أول ما يهتم بعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، التي هي "الأخلاق".. فالإسلام هو دين الأخلاق لا دين الطقوس والقرابين والذبائح، ولا هو دين المجادلات اللاهوتية والجدل البيزنطي العقيم، وإنما هو دين الأخلاق والعدل والحرية.
هذه كلها ليست شعارات ولا كلام في الهواء، بل إن المؤرخ أو أي قارئ بسيط في أي كتاب من الكتب التي أرخت لتاريخ العالم يعلم أن البشرية قبل بعثة النبي ص كانت شيئاً، وبعد بعثته الشريفة انقلبت شيئاً آخر.. ونكرر القول: شخص واحد ظهر في مكة، لا يمكن أن تتيسر له الإمكانات أن يقوم بهذا العمل الإصلاحي الكوني، إلا إذا كان مؤيداً، وكانت رسالته حق وصدق تحتاجها البشرية وتتوق إليها.

لماذا بعث النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم في جزيرة العرب
كان من الطبيعي على أي شخص عرف ظروف وأوضاع القرن السادس وعاشها بوجدانه أن يقرر استحالة التغيير على المستوى الإقليمي لكل حكومة أو امبراطورية، فضلاً عن حركة تغيير عالمية شاملة كالتي أحدثها رسول الله ص، وذلك لسبب واحد بسيط : أنه مؤيد بتأييد إلهي.. فليس الله هو إله "الربوبيين" المنعزل عن العالم الذي أدار ظهره للبشرية، بل هو معها في كل لحظة، يدبر أمر كل شئ، يعين المصلح في دعوته، ويقصم الجبار الظالم ولو بعد حين.. وليس عمل الله تعالى بمعزل عن الأسباب - كما يظن البعض - وإنما من خلال تهيئة الأسباب..

قد اقتضت حكمة الله أن تطلع هذه الشمس التي تبدد الظلام، وتملأ الدّنيا نورا وهداية، من أفق جزيرة العرب الذي كان أشدّ ظلاما، وكان أشدّ حاجة إلى هذا النور الساطع.
وقد اختار الله العرب، ليتلقّوا هذه الدعوة أولا، ثمّ يبلّغوها إلى أبعد أنحاء العالم، لأنّ ألواح قلوبهم كانت صافية، لم تكتب عليها كتابات دقيقة عميقة يصعب محوها وإزالتها، شأن الروم، والفرس، وأهل الهند، الذين كانوا يتيهون ويزهون بعلومهم وآدابهم الراقية، ومدنيّاتهم الزاهية، وبفلسفاتهم الواسعة، فكانت عندهم عقد نفسية وفكرية، لم يكن من السّهل حلّها.
أمّا العرب فلم تكن على ألواح قلوبهم إلا كتابات بسيطة خطّتها يد الجهل والبداوة، ومن السّهل الميسور محوها وغسلها، ورسم نقوش جديدة مكانها، وبالتعبير العلميّ المتأخّر: كانوا أصحاب «الجهل البسيط» الذي تسهل مداواته، بينما كانت الأمم المتمدّنة الراقية في هذا العصر مصابة ب «الجهل المركّب» الذي تصعب مداواته وإزالته.

أخلاق عرب الجاهلية:
مع أن أخلاق أهل هذا العصر كانت قد انطبعت بطابع الذل، وخُتِمت بختم الإستكانة للأقوياء، إلا أن أخلاق العرب كانت على العكس من ذلك.. ولا ننكر أن عرب الجاهلية كانت فيهم دنايا ورذائل وأمور ينكرها العقل السليم، ويأباها الوجدان، ولكن كانت فيهم من الأخلاق الفاضلة المحمودة ما يروع الإنسان، ويفضي به إلى الدهشة والعجب، ولا شك أنها كانت تهيئة إلهية لاستقبال دعوة النبي ص ونشرها.. فمن تلك الأخلاق:
1- الكرم: وكانوا يتبارون في ذلك ويفتخرون به، وقد استنفدوا فيه نصف أشعارهم، بين ممتدح به ومثن على غيره، كان الرجل يأتيه الضيف في شدة البرد والجوع، وليس عنده من المال إلا ناقته التي هي حياته وحياة أسرته، فتأخذه هزة الكرم، فيقوم إليها، ويذبحها لضيفه، ومن آثار كرمهم أنهم كانوا يتحملون الديات الهائلة والحمالات المدهشة، يكفون بذلك سفك الدماء، وضياع الإنسان، ويمتدحون بها مفتخرين على غيرهم من الرؤساء والسادات.
وكان من نتائج كرمهم أنهم كانوا يتمدحون بشرب الخمور، لا لأنها مفخرة في ذاتها، بل لأنها سبيل من سبل الكرم، ومما يسهل السرف على النفس، ولأجل ذلك كانوا يسمون شجر العنب بالكرم، وخمره ببنت الكرم. وإذا نظرت إلى دواوين أشعار الجاهلية تجد ذلك بابا من أبواب المديح والفخر.
ومن نتائج كرمهم اشتغالهم بالميسر، فإنهم كانوا يرون أنه سبيل من سبل الكرم لأنهم كانوا يطعمون المساكين ما ربحوه، أو ما كان يفضل عن سهام الرابحين، ولذلك ترى القرآن لا ينكر نفع الخمر والميسر وإنما يقول: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة: 219].
2- الوفاء بالعهد : فقد كان العهد عندهم دينا يتمسكون به، ويستهينون في سبيله قتل أولادهم، وتخريب ديارهم، وتكفي في معرفة ذلك قصة هانئ بن مسعود الشيباني، والسموأل بن عاديا، وحاجب بن زرارة التميمي.
3- عزة النفس: وإباء عن قبول الخسف والضيم، وكان من نتائج هذا فرط الشجاعة، وشدة الغيرة، وسرعة الإنفعال، فكانوا لا يسمعون كلمة يشمون منها رائحة الذل والهوان إلا قاموا إلى السيف والسنان، وأثاروا الحروب العوان، وكانوا لا يبالون بتضحية أنفسهم في هذا السبيل.
4- المضي في العزائم: فإذا عزموا على شيء يرون فيه المجد، والإفتخار لا يصرفهم عنه صارف، بل كانوا يخاطرون بأنفسهم في سبيله.
5- الحلم، والأناة، والتؤدة: كانوا يتمدحون بها إلا أنها كانت فيهم عزيزة الوجود، لفرط شجاعتهم، وسرعة إقدامهم على القتال.
6- السذاجة البدوية: وعدم التلوث بلوثات الحضارة، ومكائدها، وكان من نتائجه الصدق والأمانة، والنفور عن الخداع والغدر.
7- الإرادة قوية: كانوا إذا التوى عليهم فهم الحقّ حاربوه، وإذا انكشف الغطاء عن عيونهم، أحبّوه واحتضنوه، واستماتوا في سبيله. يعبّر عن هذه النفسية العربية خير تعبير، ما قاله سهيل بن عمرو، حين سمع ما جاء في كتاب الصّلح في الحديبيّة «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك»، وما قاله عكرمة بن أبي جهل حين حمي الوطيس في معركة اليرموك، واشتدّ عليه الضغط: «قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلّ موطن وأفرّ منكم اليوم؟!» ثمّ نادى: من يبايع على الموت، فبايعه من بايعه، ثمّ لم يزل يقاتل حتى أثبت جراحا وقتل شهيدا».
8- الصراحة المباشرة: وكانوا واقعيّين جادّين، أصحاب صراحة وصرامة، لا يخدعون غيرهم ولا أنفسهم، اعتادوا القول السديد، والعزم الأكيد الذي لا يبارى.. وقد تجلّى هذا الصّدق في العزم، والجدّ في العمل، وروح الامتثال للحقّ، في الجملة التي تؤثر عن عقبة بن نافع القائد العربيّ المسلم، فقد خاض البحر الأطلسيّ بجيشه وخيله، ثمّ قال: «يا ربّ لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدا في سبيلك».
9- وكان العرب بمعزل عن أدواء المدنية والترف، التي يصعب علاجها، والتي تحول دون التحمس للعقيدة والتّفاني في سبيلها.
وكانوا أصحاب صدق وأمانة وشجاعة، ليس النّفاق والمؤامرة من طبيعتهم، وكانوا مغاوير حرب، وأحلاس خيل، وأصحاب جلادة وتقشّف في الحياة، وكانت الفروسية هي الخلق البارز الذي لا بدّ أن تتصف به أمة تضطلع بعمل جليل، لأنّ العصر كان عصر الحروب والمغامرات، والفتوّة والبطولة.. لا عصر حوار الحضارات الذي نعيشه الآن (بفضل هذا النبي الكريم ص الذي أشعل فتيله لأول مرة في التاريخ بمنطق القوة مع الأقوياء المتجبرين، وبقوة المنطق مع عامة الناس).
10- مؤهلات خاصة لحمل أعباء الرسالة الجديدة : كانت قوى العرب العملية والفكرية، ومواهبهم الفطرية، مذخورة فيهم، لم تستهلك في فلسفات خيالية، وجدال عقيم «بيزنطيّ» ومذاهب كلامية دقيقة، وحروب إقليمية سياسية، فكانت أمّة بكرا، دافقة بالحياة والنشاط، والعزم والحماس. وكانوا أمّة نشأت على الهيام بالحريّة والمساواة، وحبّ الطبيعة، والسّذاجة، لم تخضع لحكومة أجنبية، ولم تألف الرقّ والعبودية، واستعباد الإنسان للإنسان، ولم تتمرّس الغطرسة الملوكيّة الإيرانية أو الرّومانية، واحتقارها للإنسان والإنسانية.

طبائع الشعوب الأخرى في القوتين العظميين آنذاك:
أمّا اليونان والرّومان، وأهل إيران، والهند فقد اعتادوا مجاراة الأوضاع، ومسايرة الزمان، لا يهيجهم ظلم، ولا يستهويهم حقّ، ولا تملكهم فكرة ودعوة، ولا تستحوذ عليهم استحواذا يتناسون فيه أنفسهم، ويجازفون فيه بحياتهم ولذّاتهم.

إيران الساسانية:
كان الملوك في إيران- المملكة المجاورة للجزيرة- فوق مستوى الإنسان والإنسانيّة، فكان الملك إذا احتجم، أو فصد له، أو تناول دواء، كان ينادى في النّاس ألا يمارس إنسان من رجال البلاط، أو سكّان العاصمة عملا، ويكفّوا عن كلّ صناعة أو ممارسة لنشاط، وإذا عطس فلا يسوغ لأحد من رعاياه أن يدعو له، وإذا دعا أن يؤمن عليه، لأنّه فوق مستوى البشر، وإذا زار أحدا من وزرائه أو أمرائه في بيته كان يوما مشهودا خالدا يؤرّخ به في رسائله ويصبح تقويما جديدا، ويعفى من الضريبة إلى مدة معينة، ويتمتع باستثناءات أو مسامحات وتكريمات، لأنّ الملك شرّفه بالزيارة.
هذا فضلا عن الآداب الكثيرة التي يتقيّد بها رجال البلاط، وأركان الدولة، وأفراد الشعب، ويحافظون عليها محافظة دقيقة، من الوقوف بحضرته، والتكفير له، وقيام كقيام العباد أمام الرّبّ في الصّلوات، وهو تصوير حال كانت عليه إيران السّاسانية في عهد أفضل ملوكها بالإطلاق، وهو كسرى الأول المعروف بأنوشيروان العادل (531- 579 م) فكيف في عهد الملوك الذين اشتهروا في التاريخ بالظلم والعسف والجبروت؟
وقد كانت حرّيّة إبداء الرّأي والملاحظة - فضلا عن النقد - مفقودة تقريبا..

الإمبراطورية البيزنطية:
ولم يكن الرّومان يختلفون عن الإيرانيّين كثيرا، وإن لم يبلغوا شأوهم في الوقاحة وامتهان الإنسانية وإهدار كرامتها، فقد روى المؤرّخ الأوربيّ Victor Chopart في كتابه «العالم الرومانيّ» ما ترجمته:
«كانت القياصرة آلهة، ولم يكن ذلك عن طريق الوراثة، بل كان كلّ من تملّك زمام البلاد كان إلها، وإن لم تكن هناك أمارة تدلّ على وصوله إلى هذه الدّرجة، ولم يكن لقب «أغسطس Augustus «الملوكيّ المفخم ينتقل من إمبراطور إلى إمبراطور بموجب دستور أو قانون، ولكن لم يكن من شغل مجلس الشيوخ الرّومانيّ إلا أن يؤكّد صحة كلّ حكم يصدر بحدّ السيف، ولم تكن هذه الإمبراطورية إلا صورة لدكتاتورية عسكرية».
ولم يكن السّجود للملوك نادرا، فقد حكى أبو سفيان بن حرب في القصّة التي رواها عن هرقل قيصر الرّوم حين بلغه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه فيه إلى الإسلام، وقد جاء في آخر هذه القصّة: «فلمّا رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال: ردّوهم عليّ، وقال: إني قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدّتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل». [أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب كيف كان بدء الوحي برقم (7) ، ومسلم في كتاب الجهاد والسّير برقم (1773)].

شعوب الهند
أمّا الهند فقد بلغ فيها إهدار كرامة الإنسان، وازدراء الطبقات التي اعتبرها الشعب الآريّ المحتلّ للبلاد، والقانون المدنيّ الذي وضعه مشرّعوه، مخلوقا خسيسا لا يتميّز عن الحيوان الدّاجن إلا بأنّه يمشي على اثنين، ويحمل صورة الآدميّ، وإنّ كانوا سكّان البلاد الأصليّين، مبلغا يصعب تصوّره، فقد نصّ هذا القانون على أنّه: «إذا مدّ أحد من المنبوذين إلى برهميّ يدا أو عصا، ليبطش به، قطعت يده، وإذا رفسه في غضب فدعت رجله وإذا ادّعى أنّه يعلمه سقي زيتا فائرا، وكفّارة قتل الكلب، والقطّة، والضّفدع، والوزغ، والغراب، والبومة، ورجل من الطبقة المنبوذة سواء». [R.C.Dutt ,Ancient India ,p. 423 -343 ]

مقارنة:
إذا قورن ذلك بما اعتاده العرب من الحريّة، وعزّة النفس، والاقتصاد في التعظيم والأدب قبل ظهور الإسلام، ظهر فرق هائل بين طبيعة الأمّتين، ووضع المجتمعين: العجميّ والعربيّ، فكانوا يخاطبون ملوكهم بقولهم: «أبيت اللّعن» و «عم صباحا» وقد بلغت هذه الحريّة والتماسك والاحتفاظ بالكرامة بالعرب إلى حدّ كانوا يمتنعون في بعض الأحيان عن الخضوع لمطالب بعض ملوك العرب وأمرائهم، ومما يستطرف في ذلك أنّ أحد ملوك العرب طلب من رجل من بني تميم في الجاهلية فرسا له، يقال له «سكاب» فمنعه إياها، وقال أبياتا أوّلها:
أبيت اللّعن إنّ سكاب علق ... نفيس لا تعار ولا تباع
فلا تطمع أبيت اللعن فيها ... فمنعكها بشيء يستطاع

ولمّا دخل المغيرة بن شعبة رسول المسلمين على رستم، وهو في أبهته وسلطانه، جلس معه- على عادة العرب- على سريره ووسادته، فوثبوا عليه، وأنزلوه ومغثوه، فقال: كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوما أسفه منكم، إنّا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضا، إلا أن يكون محاربا لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأنّ هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم، ولكن دعوتموني».

فترة يأس تام قاتل:
وبالرّغم من هذه المواهب التي أكرم الله بها العرب، والمزايا التي امتازت بها الجزيرة العربيّة، التي تجلّت بها حكمة الله في اختيارها مهدا للبعثة المحمديّة وظهور الإسلام لم تكن في الجزيرة العربية أمارات يقظة، أو آثار قلق ظاهر، وما كان «الحنفاء» (الذين نبذوا الوثنية، وتمسكوا بعقيدة التوحيد التي دعا إليها سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام) والباحثون عن الحقّ، الذين لا يجاوز عددهم رؤوس الأصابع، إلّا كعدد ضئيل من اليراع، يطير في ليلة شاتية، مطيرة، شديدة الظلام، فلا يهدي تائها، ولا يدفىء مقرورا.

وكانت هذه الفترة التي بعث فيها رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أشدّ الفترات التي مرّت بها الجزيرة العربية ظلما وانحطاطا، وأبعد من كلّ أمل في الإصلاح، وأصعب مرحلة واجهها نبيّ من الأنبياء، وأدقّها.
وقد أحسن أحد الكتّاب الإنجليز في السيرة النبويّة وليم ميور Sir William Muir (وهو معروف بتحامله على الإسلام وصاحب رسالته عليه الصلاة والسلام) تصوير هذه الفترة، والإنكار على ما قاله بعض الكتاب الأوربيّين، أنّ البركان كان متهيّئا للانفجار، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم في أوانه ومكانه، فناوله شرارة من النّار، فانفجر، يقول: «لم تكن الأوضاع الاجتماعية في الجزيرة العربيّة صالحة لقبول أيّ تغير، أو نهضة عندما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم شابا، ولعلّ اليأس عن إصلاح القوم لم يصل ذروته مثل ما وصل في عصره، ولكن حينما تضعف الثقة بسبب واحد لنتيجة خاصة، تفتعل له أسباب أخرى، وتعتبر أسبابا لحدوث هذه النتيجة.
من ذلك ما يقوله النّاس: إنّ محمدا صلى الله عليه وسلم حين نهض، نهض معه العرب كلهّم لإيمان جديد، ووقفت الجزيرة العربية وقفة رجل واحد، ثم يستنتجون من ذلك أنّ الجزيرة العربية كلّها كانت متهيّئة متحمّسة إذ ذاك لتحوّل مفاجىء عظيم.
ولكنّ التاريخ عندما يكذّب هذه النتيجة، إذا تأمّلنا في تاريخ العرب قبل ظهور الإسلام بقلب هادىء، فلم تنجح جهود المسيحيّين المتواصلة، ودعوتهم وموعظتهم المستمرة خلال خمسة قرون إلا في كسب عدد قليل جدّا من بعض القبائل، فتمرّ موجة صغيرة على سطح بحر الحياة العربية الهادىء، نتيجة لتلك الجهود الحقيرة الضعيفة، التي قام بها دعاة المسيحية، تتخلّلها حينا بعد حين موجات أكثر قوة وعمقا، يتجلّى فيها تأثير الدعوة اليهودية، ولكنّ موجات الوثنية العربية كانت أعنف وأطغى، كان هذا التيّار الجاهليّ الوثنيّ يضرب جدران الكعبة».
وقال في مكان آخر من هذا الكتاب: «وكانت أوضاع العرب قبل البعثة المحمّدية بعيدة عن كلّ تغيير دينيّ، كما كانت بعيدة كلّ البعد عن وحدة الصفوف واجتماع الشّمل، وكان دينهم يقوم على أساس وثنيّة سخيفة تعمّقت جذورها، واصطدمت بصخرتها محاولات نصارى مصر والشام للإصلاح، فباءت بالفشل» «1».

وبهذه الحقيقة التاريخيّة التي تشبه لغزا علميّا يشيد العالم الغربيّ الشهير Bosworth Smith "بوسروت سمث" في إيجاز ولكن في قوّة ووضوح: «إنّ مؤرّخا يمتاز من بين زملائه بالاتجاه الفلسفيّ يقرر بأنّه لم تكن من بين الثورات التي تركت ارتسامات خالدة على تاريخ البشرية العمرانيّ؛ ثورة أبعد من القياس والأمل عند العقل البشريّ من ظهور الإسلام في العرب، فقد كان حادثا لم يكن يتوقّع حدوثه.
إنّنا مضطرّون إلى أن نسلّم أنّ علم التاريخ- إذا كان هنالك شيء يستحقّ أن يسمّى علم التاريخ- يبقى حائرا مرتبكا في العثور على حلقات الأسباب والعلل التي يجب عليه البحث عنها (بحكم منصبه ووظيفته) لحدوث هذا الإنقلاب» «2» .

الحاجة إلى نبيّ مرسل:
كانت الأوضاع الفاسدة، والدرجة التي وصل إليها الإنسان في منتصف القرن المسيحيّ، أكبر من أن يقوم لإصلاحها مصلحون ومعلّمون من أفراد الناس، فلم تكن القضية قضية إصلاح عقيدة من العقائد، أو إزالة عادة من العادات، أو قبول عبادة من العبادات، أو إصلاح مجتمع من المجتمعات، فقد كان يكفي له المصلحون والمعلّمون الذين لم يخل منهم عصر ولا مصر.
ولكنّ القضية كانت قضية إزالة أنقاض جاهلية، ووثنية تخريبية، تراكمت عبر القرون والأجيال، ودفنت تحتها تعاليم الأنبياء والمرسلين، وجهود المصلحين والمعلّمين، وإقامة بناء شامخ مشيّد البنيان، واسع الأرجاء، يسع العالم كلّه، ويؤوي الأمم كلّها.
قضية إنشاء إنسان جديد، يختلف عن الإنسان القديم في كلّ شيء، كأنّه ولد من جديد، أو عاش من جديد( أوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) [الأنعام: 122] .
قضية اقتلاع جرثومة الفساد، واستئصال شأفة الوثنية، واجتثاثها من جذورها، بحيث لا يبقى لها عين ولا أثر، وترسيخ عقيدة التوحيد في أعماق النفس الإنسانية ترسيخا، لا يتصور فوقه، وغرس ميل إلى إرضاء الله وعبادته، وخدمة الإنسانية، والانتصار للحق، يتغلب على كلّ رغبة، ويقهر كلّ شهوة، ويجرف بكلّ مقاومة.
وبالجملة الأخذ بحجز الإنسانية المنتحرة التي استجمعت قواها للوثوب في جحيم الدنيا والآخرة، والسّلوك بها على طريق أولها سعادة يحظى بها العارفون المؤمنون، وآخرها جنّة الخلد التي وعد المتّقون، ولا تصوير أبلغ وأصدق من قول الله تعالى في معرض المنّ ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [آل عمران: 103].

إنّه لم يعرف في تاريخ البشريّة كلّه عمل أدقّ وأعقد، ومسؤولية أعظم وأضخم، من مسؤولية رسول الله محمّد صلى الله عليه وسلم كنبيّ مرسل. كما أنّه لم يعرف غرس أثمر مثل غرسه، وسعي تكلّل بالنجاح مثل سعيه، إنّها أعجوبة العجائب، ومعجزة المعجزات.
وقد شهد بذلك أديب وشاعر فرنسيّ في قوّة وبلاغة، ووضوح وصراحة، يقول لامارتين Lamartine : «إنّ إنسانا لم ينهض أبدا- متطوّعا أو غير متطوّع- لمثل هذا الهدف الأسمى، لأنّ هذا الهدف كان فوق طاقة البشر، لقد كان تحطيم تلك الحواجز من الأوهام والأحلام، التي حالت بين الإنسان وخالقه، والأخذ بيد الإنسان إلى عتبة ربّه، وتحقيق عقيدة التوحيد النقية العقلية المعقولة الساطعة، في ضباب هذه الوثنيّة السائدة والآلهة المادية، هو ذلك الهدف الأسمى والأعلى، إنّه لم يحمل إنسان مثل هذه المسؤولية الضخمة، والمهمّة العظيمة الجليلة، التي تخرج عن طوق البشر، بمثل هذه الوسائل الحقيرة الضئيلة» إلى أن قال: «وأروع من ذلك أنّه هزّ تلك الأصنام والآلهة، والأديان، والتصوّرات، والعقائد والنفوس الإنسانية هزة عنيفة، إنّه بنى على أساس ذلك الكتاب الذي يعتبر كلّ كلمة منه مصدر التشريع، قومية ربانية، ألّفت بين أفراد كلّ جيل، وسلالة، ولغة.
إنّ الميّزة الخالدة لهذه الأمة، التي كوّنها لنا محمد صلى الله عليه وسلم أنّها شديدة المقت والتقزز من الآلهة الباطلة، شديدة الحبّ لله الواحد الذي يتنزّه عن المادة وشوائبها، وهذا هو الحبّ الذي يدفعه إلى الثأر والانتصاف من كلّ إهانة توجّه إلى الذات الإلهيّة، وهذا الحبّ يعتبر أساس سائر الفضائل عند هذه الأمّة.
لقد كان إخضاع ثلث العالم لهذه العقيدة الجديدة من مأثرته بلا ريب، لكنّ الأصحّ أنّه كان معجزة العقل لا معجزة فرد واحد، إنّ الإعلان بعقيدة التوحيد في زمن كانت تئنّ فيه الدّنيا تحت وطأة أصنام لا حصر لها، كان معجزة مستقلة بذاتها.
وما لبث محمّد صلى الله عليه وسلم أن أعلن هذه العقيدة أمام الملأ، حتى أقفرت المعابد القديمة من عبادها فلا داعي فيها ولا مجيب، وتكهرب ثلث العالم بحرارة الإيمان» «3»

وحدة اللغة:
وكان خليقا بهذا القطر الواسع، الّذي يكاد يكون شبه قارّة، أن تتعدّد فيه اللغات وتتنوّع، لبعد المسافة بين مواطن القبائل، وبين جنوبيّ الجزيرة وشماليّها، وقلّة اتصال أهل الجنوب بأهل الشّمال، وأهل الشّرق بأهل الغرب، وبحكم العصبيّة القبليّة والسّلاليّة السائدة عليهم، وتأثّر القبائل المتاخمة للرّوم والفرس بلغاتهم.
وقد كثر عدد اللّغات في أوربة الوسطى، وفي شبه القارة الهنديّة، كثرة هائلة، ولا يزال عدد اللّغات المعترف بها في دستور الهند يبلغ 15 لغة إقليمية، تختلف فيما بينها اختلاف لغات مستقلة، قائمة بذاتها، حتّى يحتاج أبناؤها للتفاهم إلى ترجمان، أو لغة أجنبية كالإنجليزية.
ولكن امتازت الجزيرة العربية على سعتها، وترامي أطرافها، وتشتّت قبائلها، بوحدة اللغة، كانت ولا تزال أداة تفاهم والتقاء لجميع أبناء هذه الجزيرة، حضرهم وبدوهم، والقحطانيّ منهم والعدنانيّ، وهي اللغة العربيّة على اختلاف لهجاتها، وكانت هذه الوحدة اللغويّة التي امتازت بها هذه الجزيرة من أهمّ أسباب تيسير مهمّة الدعوة الإسلاميّة، وسرعة انتشار الإسلام فيها، ومخاطبة الوحدات العربيّة المنتشرة، في لغة واحدة، هي اللغة العربيّة الفصحى، وبكتاب واحد هو القرآن العربيّ المبين.

جزيرة العرب كانت مأوى للخائفين وملجأ للمضطهدين
وكانت أرض العرب مأوى لكثير من أصحاب الرّسالات والدّعوات، الذين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وتنكّرت لهم أوطانهم، فلم يجدوا مأوى إلّا في هذه الأرض البعيدة عن نفوذ الملوك الجبّارين، والرؤساء الظالمين، كما كان الشأن مع إبراهيم في مكّة، وموسى في مدين، هذا عدا الديانات التي لقيت اضطهادا في مهدها، فأوت إلى مواطن في الجزيرة، فهاجر عدد كبير من اليهود، حين لقوا اضطهادا من الرومان إلى أرض اليمن، ومدينة يثرب.
ولجأت النصرانيّة إلى أرض نجران فرارا من حكم القياصرة الذين اضطهدوها.

إسماعيل عليه السّلام في مكة:
قصد سيدنا إبراهيم مكّة، وهي في واد محصور بين جبال جرداء، ليس فيه ما يعيش عليه الناس، من ماء، وزرع، وميرة، ومعه زوجه هاجر، وولده إسماعيل، فرارا من الوثنيّة المنتشرة في العالم، ورغبة في تأسيس مركز يعبد فيه الله، ويدعو الناس إليه، ويكون منارا للهدى، ومثابة للناس، ونقطة انطلاق لدعوة التوحيد، والحنيفية السمحة والدين الخالص.
تقبّل الله هذا العمل الخالص، وبارك في هذا المكان، وأجرى الله الماء لهذه الأسرة المباركة الصغيرة، المؤلّفة من أمّ وابن- وقد تركهما إبراهيم في هذا المكان القاحل المنعزل عن العالم- وكان بئر زمزم، وبارك الله في هذا الماء.
وكان إبراهيم لا يزال في جهاد، ودعوة، وانتقال من مكان إلى مكان، يدعو الناس إلى الله، ويعود إلى مكّة، فيقضي فيها أياما، ثمّ يغادرها.. وكان إسماعيل عون أبيه في الدعوة إلى الله، وكان جدّ خاتم النبيين وأفضل الرسل.
عاد إبراهيم إلى مكّة، واشترك الأب والابن في بناء بيت الله، وكان دعاؤهما أن يتقبّل الله هذا البيت، ويبارك فيه، وأن يعيشا على الإسلام، ويموتا عليه، ولا ينقطع بموتهما بل ترثه ذريّته، فتحتضنه، وتغار عليه، وتدعو إليه، وتؤثره على كلّ عزيز، فتنتشر هذه الدعوة في العالم، وأن يبعث الله فيها نبيّا من ذريّته، يجدّد دعوة جدّه إبراهيم، ويتمّ ما بدأه.
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: 127- 129] .
ودعا إبراهيم أن يظلّ هذا البيت آمنا دائما، وأن يسلّم الله أولاده من عبادة الأصنام، الّتي لم يكن هو أشدّ كراهة لشيء، ولا أكثر تقزّزا، ولا أخوف لشيء على ذرّيته منها.
فقد رأى مصير الأمم ومصير الأسر، بعد الأنبياء الذين بعثوا فيها، وبعد الجهود الجبّارة والدّعوات القويّة التي قاموا بها، وكيف أصبحت بعد مفارقتهم للدنيا فريسة الشياطين المفسدين، والدجّالين المضلّلين من عبّاد الأوثان ودعاة الجاهليّة.
وتمنّى أن يكون أولاده وأولاد أولاده على اتصال دائم بدعوته وجهاده، يذكرون قصّة محاربته للوثنيّة، وخلعه للأوثان، وتحطيمه لها، ومصارمته للوالد السّادن لبيت الأصنام، وفراقه للأهل والوطن، وأن يذكروا سرّ اختيار هذا المكان القاحل، الذي لا يصلح للزّرع، وازدهار المدنية، ويعرفوا سرّ إيثاره على المدن الكبيرة، والأمكنة الصالحة للفلاحة والتجارة، وأسباب العيش، وأن يعوّض عن ذلك بأن يعطف عليهم القلوب، ويهوي إليهم الأفئدة، ويسوق إليهم الرزق الكريم، ويجبي إليهم ثمرات كلّ شيء:
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم: 35- 37]

قبيلة قريش:
وتحقّق كلّ ذلك، فبارك الله في ذرّيتهما، وتوسّعت الأسرة الإبراهيمية العربية، فقد صاهر إسماعيل جرهم - وكانوا من العرب العاربة- وبارك الله في ذريّة إسماعيل، حتى كان منه عدنان، وتناقلت العرب العدنانية أنسابها، وهي أكثر الأنساب العربية صحة وحفظا وتداولا.
وكثر أولاد عدنان، اشتهر منهم معدّ بن عدنان، ونبغ في أولاده مضر، ونبغ من أولاده فهر بن مالك.
وسمّي أولاد فهر بن مالك بن النّضر «قريشا» وغلب هذا الاسم على جميع الأسماء، فاشتهرت هذه القبيلة ب «قريش» وأقرّ أهل العرب كلّهم لقريش بعلوّ النّسب، والسيادة، وفصاحة اللغة، ونصاعة البيان، وكرم الأخلاق، والشجاعة، والفتوّة، وذهب ذلك مثلا لا يقبل نقاشا ولا جدلا.

بنو هاشم:
وكان بنو هاشم واسطة العقد في قريش، وإذا قرأنا ما حفظه التاريخ وكتب السيرة من أخبارهم وأقوالهم- وهو قليل من كثير جدا- استدللنا به على ما كان يمتاز به هؤلاء من مشاعر الإنسانية الكريمة، والاعتدال في كلّ شيء، ورجاحة العقل، وقوّة الإيمان بما للبيت من مكانة عند الله، والبعد عن الظلم، ومكابرة الحق، وعلوّ الهمّة، والعطف على الضعيف والمظلوم، والسخاء، والشجاعة.
وما تشتمل عليه كلمة «الفروسية» عند العرب، من معان كريمة، وخلال حميدة، تمثّل السيرة التي تليق بأجداد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتتفق مع ما كان يفضّله ويدعو إليه، من مكارم الأخلاق، غير أنّهم عاشوا في زمن الفترة، وسايروا أبناء قومهم، في عقائد الجاهليّة وعباداتها.

الوثنية في مكة: تاريخها ومصادرها:
وبقيت قريش متمسّكة بدين إبراهيم الخليل وبدين جدّها إسماعيل، متمسّكة بالتوحيد، وبعبادة الله وحده، حتى كان عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي، فكان أوّل من غيّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وأحدث في الحيوانات من التعظيم والتسييب والتحريم ما لم يأذن به الله، ولم تعرفه شريعة إبراهيم، وكان قد خرج من مكّة إلى الشام، فرأى أهلها يعبدون الأصنام، ففتن بها، وجلب بعضها إلى مكّة، فنصبها، وأمر الناس بعبادتها وتعظيمها "أنظر سيرة ابن هشام ص 76-77".

القوّة الحربية:
أمّا قوّة مكة الحربية، فكانت قريش تؤثر السّلم والهدوء في عامّة الأحوال، إذا تركت وشأنها، شأن الشعوب والمجتمعات التي أكبر اعتمادها في الكسب والمعاش على التجارة، ومسير القوافل، وتنظيم الأسواق، وتوجّه الرواد من كلّ صوب إلى بلدها، والتقائهم التقاء يفيدها إجلالا دينيا، وفائدة اقتصادية، ويدرّ عليها الأرزاق الكريمة، وإلى ذلك أشار الله تعالى بقوله: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: 3- 4] .
لذلك كانت قريش- ما لم تتحدّ عقيدتها ولم تثر غيرتها الدينية أو القبلية- تؤمن بمبدأ «التعايش السلميّ» ، ولكنّها رغم كلّ ذلك كانت قوة حربية يحسب لها الحساب، وكانت شجاعتها مضرب المثل، وكانت مشهورة بالفروسيّة العربيّة، و «الغضبة المضريّة» معروفة في جزيرة العرب وآدابها وأمثالها.
ولم تكتف قريش بقوّتها الذاتية في الحروب، ولكنّها كانت تستخدم قوة الأحابيش، وهم بطون من القبائل العربيّة الضاربة حول مكّة، من كنانة وخزيمة بن مدركة، وخزاعة تحالفوا مع قريش، وكان لقريش عدد كبير من العبيد والموالي، الذين كانوا يقاتلون في صفوفها، فكانت تستطيع أن توجّه إلى القتال بضعة آلاف مقاتل، وقد استطاعت أن تجمع عشرة آلاف مقاتل في غزوة الأحزاب. وهي أكبر قوّة حربية عرفها تاريخ الجزيرة العربية في العصر الجاهليّ.

وصف مجمل لحياة أهل مكة قبل البعثة :
ولا تصوير للحالة الخلقية والإجتماعية التي كان يعيشها أهل الجزيرة بصفة عامة وأهل مكة بصفة خاصة، أبلغ وأصدق من تصوير جعفر بن أبي طالب الهاشميّ القرشيّ- وهو ابن مكة الأصيل- للحياة العربية والأخلاق الجاهلية أمام النجاشيّ، وقد جاء فيه: «أيها الملك! كنّا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منّا الضعيف» «4».

______________________________
(1) «حياة محمد» لسير وليم ميور. طبعة لندن.
(2) Bosworth Smith: Mohammad and Mohammedanism ,Lodon ,6781
(3) لامارتين 1869 -1790 Lamartine في كتابه Historire de la Turquie ج 2؛ ص 276- 277
(4) راجع «سيرة ابن هشام» : ج 1، ص 336، يرجع في معرفة المجتمع الجاهلي إلى فصل «المجتمع العربي» من كتاب (المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام) للدكتور جواد علي: 4/ 271- 414

يتبع








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قناة الانسان


.. نشرة الرابعة | تعرف على مهام موظفات المسجد الحرام


.. باكستان تطالب الغرب بتجريم اهانة النبي محمد ومتظاهرون يحتجزو




.. فيديوهات فض اعتصامات الإخوان في مصر تعود للواجهة بعد مسلسل #


.. من الخراب للعمار.. ماذا حدث في ميدان النهضة بعد سنوات من احت