الحوار المتمدن - موبايل


محكمة الصلح الكبرى للسيد محمد ماضي أبو العزائم [الفصل الأول]

إسلام بحيري

2015 / 1 / 8
الادب والفن


يقول الصوفية: أن الإنسان هو أروع مخلوق لله تعالى.. وأكمل مخلوق.. لأنه صورة الله المعنوية من حيث أنه أكمل مظهر للأسماء الحسنى والصفات العلى.. فبه يظهر الله تعالى من الغيب إلى الشهادة.. ولذلك أسجد له ملائكته..
والإنسان ليس مخلوق بسيط بل هو مركب من جسم ونفس.. ظاهر وباطن.. وعالمه الباطن مركب أيضاً من مجموعة حقائق باطنة معنوية، كالعقل والقلب والوهم والخيال.. والنفس البشرية لها قُوى متعددة، ووجوه وصفات كثيرة فالنفس الإنسانية هي النفس الملَكية (التي تحب الفضائل والمعالي والفكر والفلسفة والبحث عن الله) والنفس الحيوانية (التي تحب الطعام والجماع) والنفس السبعية (التي تحب البطش والقهر والغلبة)..
وهناك صراع بين النفس الملكية وبين النفوس الأخرى.. كما أن هناك صراع مرير دائم بين العقل والقلب من جهة وبين الوهم والخيال والحس من جهة أخرى.. ولذلك يعاني الإنسان ويحزن ويكتئب، من تنازع الإرادات داخله، فهو يريد أن يكون في صورة مُثلى، ولكنه في الواقع لا يستطيع أن يصل إلى ما يطْمَحُ إليه.. وهنا تأتي أهمية رواية "محكمة الصلح الكبرى" للإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم" (ت 1937م).

تبدأ رواية "محكمة الصلح الكبرى" بلقاء بين (الخيال) وهو مرآة المحسوسات، وبين (الوهم) وهو مرآة المعنويات ، وأخذ (الوهم) يبين (للخيال) عناءه مما شغله به الإنسان ، من هجر للشريعة وارتكاب ما يخالفها، فإذا بالخيال يبادره نفس الشكوى، ثم يتوجهان سويا إلى (العقل) ويعرضان عليه الحال ليهتديا إلى حسن المآل، فنصحهما (العقل) برفع هذه المظلمة إلى (محكمة الصلح الكبرى).. وهنا يتدخل الإنسان المتجرد بإملاء صحيفة افتتاح الدعوى.
ونظرت الدعوى فعلا أمام (محكمة الصلح الكبرى) التي شكلت هيئتها من رئيس المحكمة (العدل) وعضوية كل من (القسط والعلم والهدى والتوفيق) وكاتب الجلسة (أمين).
ومثل أمام المحكمة المدعون وهم العقل والفكر والروية والعفة والشجاعة والكرم والعدالة والنور والعزة والرحمة والنطق والخشية والحكمة.
كما مثل أمام المحكمة المتهمون وهم : النفس السبعية والنفس البهيمية والشهوة والجبن والبخل والتهور والغدر والحس والضيم والقسوة والجسم والتيه والحماقة.
وتقف كل نفس من هذه النفوس تبدي أوجه دفاعها بالحجج والبراهين، وبعد ثلاث جلسات من الاستماع إلى المرافعة ومواجهة بين الخصوم كل منهم للآخر، تصافحت النفوس المتصارعة في الإنسان، واصطلحت أمام هيئة المحكمة.

وجاء عقد الصلح يتضمن البنود الآتية:
أولا: أن تسارع النفوس إلى القيام بما أمرها الله به سبحانه بقدر الاستطاعة، وأن تترك ما نهاها الله عنه جملة واحدة.
ثانيا: أن تجاهد النفوس ذواتها في الله حتى تطيع المنعم الجواد لتفوز برضاه.
ثالثا: أن تحب النفوس الآخرة ؛ لأن الله مدحها ورغبنا فيها، وتكره الدنيا لأن الهة ذمها وكرهنا فيها.
رابعا: أن تحب رسول الله ﴿-;- -;- وآله﴾-;- حبا يجعلنا نتشبه به ؛ فنحيي سنته ونصونها من التغيير والتبديل.

وقد تأشر على عقد الصلح هذا من رئيس المحكمة وحكمت المحكمة بإلحاق عقد الصلح بمحضر الجلسة وإثبات محتواه فيه بما ينهي المنازعة.

وبذلك يبين من فصول هذه الرواية، أن الشر والرذيلة ليستا من فطر الإنسان، وإنما ينشأ كل ذلك من اختلال التوازن بين غرائزه، ومن العوامل الخارجية التي تنحرف بهذه الغرائز عن أهدافها الفاضلة، وذلك ما يدلنا عليه قوله تعالى : ﴿-;-فِطْرَة اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾-;- (الروم: من الآية30)

فالفطرة هي الدين القيم وذلك ما يدلنا عليه أيضا قول الرسول ﴿-;- ص وآله﴾-;- عن الله عز وجل في الحديث القدسي: (كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وأمروهم أن يشركوا بي غيري) وقوله أيضا: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). وعليه فإنه من الممكن القضاء على انحراف النفوس وعودة الإنسان بعد عناء وطول مجاهدة إلى الصراط المستقيم والخلق الفاضل.

يقول السيد أحمد ماضي أبو العزائم (1337هـ- 1919م) في مقدمته لرواية "محكمة الصلح الكبرى": إن الكثيرين من رجال العلم والتقوى ممن يهمهم صلاح المجتمع الإسلامي بالوسائل المؤثرة، دعوني إلى أن ألتمس من والدي الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزائم، أن يملي رسالة بأسلوب تألفه النفوس، وتستبين به عيوب النقائص التي ألمت بها في هذا العصر على نمط الروايات، تكون علاجا لتلك الأمراض وشفاء من الله تعالى للأسقام الأخلاقية ؛ لأن أمراض النفس تتجدد بتجدد ما أحاط بالحس من الكماليات التي لم تكن، ومن معاشرة ومجالسة المرضى، خصوصا وقد تقارب الزمان فصار ما كان يقضيه الإنسان في أسابيع سفرا أو عملا يمكنه أن يقوم به في اليوم الواحد. ومعلوم أن الأخلاق والعوائد الإسلامية هما اللذان يضمنان للإنسان العيشة المرضية في الدنيا في بحبوحة الحرية والمساواة، والسعادة في الآخرة في جوار أنبياء الله. فالتمست منه ذلك بعد بيان الضرورة الداعية إلى هذا الدواء النافع، وما ينتج عنه من الخير العام فشرح الله صدره لذلك وأملى عليَّ هذه الرواية (محكمة الصلح الكبرى).
فلله الحمد والمنة، وله سبحانه الشكر والثناء الجميل، على أن تفضل علينا في هذا العصر بمن يزكي به سبحانه وتعالى نفوسنا، ويجدد لنا به ما خفي علينا من أمر ديننا في كثير من الأمور حتى تتضح المحجة وتقوم الحجة.
وهذه الرسالة آية كبرى من آيات الله الساطعة لأهل العقول بأنوارها، سحر فيها العقول حتى انقادت، والنفوس حتى صفت والأشباح حتى لانت للأعمال الصالحات، والأرواح حتى نفذت من كثافة الأجسام بأساليب هي السحر الحلال، ومثل جلية تمثل الحقيقة للخيال، ركب هذا الدواء الشافي بإذن الله فشفي الله النفوس من لقسها، والعقول من حبسها.. إن الله قد أكرم المجتمع الإسلامي في هذا الزمان به حتى أظهر من عجائب آيات الله وغرائب حكم الله ما جدد به أخلاق السلف الصالح وأحيا به مناهج الأئمة المرشدين، وبين به للسالكين سبل رب العالمين، والله أسأل أن ينفع به من يقرأه ، وأن لا يحرمني أجر ما بذلت فيه من جهد هو من فضل ربي عليَّ وإكرامه لي، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.


مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي أكرم الإنسان بالبيان ليكمل النفوس بالحكمة علما وعملا، كما أكرمه بسوابغ الآلاء ليكمل الأجسام عافية وبقاء حتى الأجل المقدر، والصلاة والسلام على الرؤوف الرحيم ذي الخلق العظيم وآله.
وبعد..
فإن المسئولية على كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي عظيمة جدا؛ لأن كل فرد مطالب بحقوق عليه لله تعالى ولرسوله ﴿-;-ص وآله﴾-;- ولمعلم الخير وللوالدين، ولذي القربى ولعامة المسلمين وخاصتهم، فلكل مسلم أين كان وكيف كان على كل مسلم حق يتعين عليه عند مقتضاه ونجاته في الدنيا والآخرة بالقيام به. لأن كل فرد ككل عضو من الجسد، والمجتمع للفرد كالجسد للعضو، والمسلمون جميعا جسد واحد، إذا أوذي فرد منهم تداعى لـه جميع المجتمع بالسهر والروية، نصرة وإعزازا ودفعا للبلاء كما يتداعى الجسد بالحمى لمرض أصغر عضو من أعضائه.
ولما كانت الأمراض التي اعتورت المجتمع وأضرت أفراده تجعل المسئولية أعظم على المجتمع، بل وعلى كل فرد، ولما كنت فردا من أفراد المجتمع ، كعضو من الجسد أرى سعادتي ومسراتي بقوة المجتمع والتمكين لـه في الأرض ؛ بل وأرى نجاتي يوم القيامة بقيام كل المجتمع لنيل مراضي الله ومحابه سبحانه وتعالى حتى أكون في الدنيا عبدا صرفا لله عزيزا بعبودتي لـه وعبادتي وعبوديتي، فلا أرى ربا نافعا ضارا إلا الله سبحانه وتعالى وأرى سواه ومن سواه عبادا مقهورين، وعبيدا مربوبين:

لذلك دعتني نفسي إلى أن أعالجها مما ألم بها من أمراض الأخلاق والأهواء والحظوظ التي تسربت إليها لمقتضى الحال والشأن لسبب الحس الذي رسم تلك الصور على جوهر النفس فقبلتها وقلدتها، وقد تحققت أن الدواء النافع والعلاج الشافي هو قهر النفس على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﴿-;-ص وآله﴾-;- والاقتداء بالأئمة الهداة الراشدين المرشدين، حتى أنال بفضل الله تعالى ما نالوه من العزة والمجد في الدنيا والفوز بمعية رسول الله ﴿-;-ص وآله﴾-;- وجواره يوم القيامة، وهذا الدواء ركبه الحكيم الخبير سبحانه وأوصله إلينا على يد الصادق الأمين ﴿-;-ص وآله﴾-;-. وقد استعمله أصحابه صلوات الله عليه وعليهم ومن يتبعهم بإحسان فنالوا العزة والمجد والسؤدد في الدنيا وبهم انمحت عروش الظلم وتيجان العدوان، وزالت كل عظمة وكبرياء في الأرض لغير الله، وصارت الكرامة والمهابة لعبيد الله الأتقياء حتى صار الإنسان أخا للإنسان وصار أهل المقامات العالية هم الأتقياء.
وشيء أحبه لنفسي يجب عليَّ أن أحبه لخواص المؤمنين ؛ فإنهم في الحقيقة كنفسي ، كما قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (الحجرات: من الآية10) وكما قال الله سبحانه و تعالى: ( وَلا تَلْمِزُواَنْفُسَكُمْ)(الحجرات: من الآية11) فجعل المؤمن أخا لي ولمزي إيَّاه لمزا لنفسي، لذلك وجب على أن أسعى لخدمة إخوتي المؤمنين.
وبعد أن كتبت أكثر من 40 (أربعين) كتابا ورسالة في سبيل الخير والحث على السير عليها، تاقت نفسي أن أنوّع الدواء بما يناسب نيل الصفاء، وفي الإشارة ما يغني اللبيب ويسر الحبيب.

خويدم الفقراء
محمد ماضي أبو العزائم



شخصيات المسرحية:

أعضاء المسرحية
رئيس المحكمة: العدل يجلس في الوسط
عضو اليمين الأول: القسط يجلس إلى يمين العدل
عضو اليسار الأول: العلم يجلس إلى يسار العدل
عضو اليمين الثاني: الهدى يجلس إلى يمين القسط
عضو اليسار الثاني: التوفيق يجلس إلى يسار العلم

كاتب الجلسة أمين
حاجب المحكمة
رئيس الشرطة
عدد من الحراس

الخصوم الأصليون
المدعيان المدعى عليهما
العقل النفس السبعية
الفكر النفس البهيمية

الخصوم المتدخلون
منضمون للمدعيين
منضمون للمدعى عليهما
الروية التهور
العفة الشهوة
النطق الجسم
الشجاعة الجبن
الكرم البخل
العدالة الغدر
النور الحس
العزة الضيم
الرحمة القسوة
الخشية التيه
الحكمة الحماقة
الإنسان (وهو شبح يرتدي الزي العربي) يقوم بدور الراوي
الوهم (بلا محيطات)
الخيال (المتجرد)
إبليس (وهو شبح عليه الشقاوة ظاهرة).


فصول المسرحية :

الفصل الأول: (الجلسة الأولى).
المنظر الأول - (السياحة النفسانية).
المنظر الثاني- (افتتاح المحكمة).

الفصل الثاني : (الجلسة الثانية)
المنظر الأول – (الجلسة العلنية لسماع مرافعة الخصوم).
المنظر الثاني – (الجلسة السرية للمداولة).

الفصل الثالث : (الجلسة الثالثة)
المنظر الأول – (جلسة مواجهة الخصوم).
المنظر الثاني – (جلسة النطق بالحكم).

مكان المسرحية: قاعة محكمة... مناظر خلفية من لوحات تمثل العدالة والميزان...
زمان المسرحية: الحاضر الذي تعيشه البشرية في هذه الأيام..

*****************************************

الفصل الأول
الجلسة الأولى

المنظر الأول
السياحة النفسانية
(تُطْرَق ثلاث طرقات لافتتاح المحكمة منفصلا عن طرقات المسرح العادية، تطلق أصوات مسجلة من صيحات سباع ونمور تمتزج بها صوت أذان وابتهالات وتغريد طيور... الخ.
يهتف صوتهم وراء المسرح: فناء العالم... النهاية... الإنقاذ.. اليوجا... الرهبنة... الدير... المادية... العلم... الإيمان... التصوف... الصفاء... الوفاء... النور... النو...
ينفرج الستار ببطء والمسرح مظلم تماما.. ثم بعد انفراج الستار.. تبدأ إضاءة خفيفة.. كالضباب ودوائر ضوئية تتحرك ببطء... لتبدأ مناظر المسرح تظهر ببطء... وتظهر أرضية المسرح، وقد أعدت صور خلفية المسرح، لوحة كبيرة للكعبة والمسجد النبوي ومناظر صخور للنباتات الصحراوية وتستمر هذه الإضاءة الضعيفة حتى نهاية هذا المنظر... ثم يظهر شبحان يتناقشان وهما يتجهان إلى صخرة كبيرة تأخذ شكل المخ... وهما : الخيال والوهم).

(الخيال وقد تجرد من كثافة الظلال وهو مرآة المحسوسات فلقيه الوهم بلا محيطات وهو متألما عليلا فسأله):

الخيال: صبرا جميلا
الوهم: كيف الصبر وقد حملت حملا تنوء به العصبة أولي القوة، ولا حول لي به ولا قوة ؛ إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، أسأله أن يخلصني ممن هجر الشرع وأباه، ثم قال: اجلس أبين لك عنائي، وأشرح لك دائي، عسى دواء يشفيني الله به، أو نور هدى يسكن للإنسان في قلبه.. إن الإنسان جعلني مرآة صماء، بما لا يجدي من الأهواء، فيورد عليَّ من السخافة معانيا، ويجعلها قصدا وأمانيا، ولا طاقة لي على ما يورد. وهذا الحس يريد أن أعبده، وقد أضاع مني الأنفاس النفائس، في المفاسد والوساوس، إما في توهم عداوة من هو أولى به من نفسه ؛ من والد وولد بهما يحظى بأنسه، وتارة يورد عليَّ حب من حبه إهلاك، وقربه ارتباك، من خبيث ماكر أو غادر فاجر، وأشد من ذلك أن يورد عليَّ ما لا يليق بعظمة الله سبحانه ؛ من تشبيه أو تمثيل، ويطمع أن يدخل جناته، وقد سئمت الحياة لاشتغالي بما لم أخلق لـه من المفاسد والضلال، وتوهم المنكر والمحال، وقد أصبح الناس أشبه بالنسناس إلا قليلا ممن عصمهم الله بهداه، فأقبلوا عليه سبحانه لنيل رضاه.

(وعند ذلك أنَّ الخيال وناح، وتنفس الصعداء ، وصاح ، وبما أكنه ضميره أباح).

الخيال: أنت ياوهم سئمت الحياة وأعمالك في المعنويات، وهي ليست بشيء في جانب ما أنا فيه من المحسوسات، وأنا حري بأن أقول: (أضاعوني وأي فتى أضاعوا) في تمثيل ما ينالون من البغية والكرامات، أو ما يحظون به من الوظائف والعطيات، فهلم بنا إلى العقل فإنه ذو روية وفضل، لنعرض عليه الحال، فنهتدي إلى أحسن المآل.

(الخيال والوهم يتجهان إلى العقل وهو جالس).

الخيال والوهم: السلام عليك أيها العقل الذي يعقل الإنسان عن الدنايا، ويمنعه عن الخطايا.

العقل: (يحييهما) وعليكما السلام أيها الوهم والخيال، بالحفاوة والإجلال.. قُصّا عليَّ أمركما، نجّح الله قصدكما.

(فتقدم الخيال خاضعا وشرح حاله ملمعا)

الخيال: أيها العقل أنت البرزخ بيننا وبين النفس، وأنت الحاكم المسيطر على الحس، وقد أصبح الناس شجرا لا ثمر فيه، بل صار كله شوكا عاليه ودانيه، وأنت ملجأ المظلومين بعد الله تعالى، وبك يعذب من كفر ويثيب من والى.

العقل: (أجابهما على البديهة) : إن أعمال الناس صارت كريهة.. وإني قد فارقتهم منذ أخبرتهم لأنهم قد استعبدهم الحس، فألفوا الفسوق والرجس ؛ فتراهم بين دنان في حان، أو فسوق وطغيان، أو في غيبة ونميمة وميسر، أو في قطعية لرحم، وعقوق بالشر منذر، أو في خيانة وغدر لمن ائتمنهم، وإهانة وكذب على من اصطنعهم، كل ذلك لأني فارقتهم، ومن أعمالهم جانبتهم، إلا قليلا ممن اجتباه الله بسابق حسناه.

الوهم: يا عقل.. أنت تفارقهم لأنك جوهر منفصل عنهم ومتصل بهم، وأما أنا والخيال فنحن متصلان بهم بلا انفصال، ورسول الله ﴿-;-ص وآله﴾-;- يقول: (الراحمون يرحمهم الرحمن).

(لديها رق العقل لهما، وعطف عليهما، وتلطف في المقال ومال إليهما).

العقل: هلم بنا نرفع الأمر لله تعالى ثم إلى أولي الأمر منا، عسى أن يدفع بقوته وقدرته الشر عنا.

الإنسان (الراوي): فلما أن سمعت حديثهم المؤثر؛ وبيانهم الذي هو لضميرهم مفسر، آنست واستأذنت عليهم، فسمحوا لي بالدخول عليهم، فأوجس الوهم والخيال خيفة مني، وأعرضا عني، واقبل العقل عليَّ باشا واحتفل بي هاشا قائلا:

العقل: ألك حاجة إليَّ، أو تطالبني بحق عليَّ؟
الإنسان (الراوي): فتبسمت تبسم الغريب متصفا بصفة الحبيب وقلت :إني سمعت نجواكم، وفهمت معناكم، وإني محب للصلح والصلاح ونيل بني جنسي الخير والفلاح، ومعكم ولكم، كائنا ما كان مسلككم.

فأقبل الوهم والخيال آنسين، وبما رأياه مني مطمئنين، فأسرعت في القول: الرأي ما رآه العقل، فأسرِعوا إلى رفع القضية للعدل، اكتبوا ما عليكم أمْلَي ؛ فإن صلاح بني الإنسان سؤلي.

المظلمة (الإنسان يملي والعقل يكتب): الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد:
من الإنسان المتجرد من بشريته، المتخلي عن حيوانيته ، المستعيذ بالله من نار إبليسيته، ثم من العقل والوهم والخيال، إلى العدل عمم الله به النفع:
إنا نتظلم إلى الله تعالى ثم إليك مما نحن فيه من ظلم الظالمين، وهم: إبليس والحس وجميع قوى النفس، والسلام عليك وعلى من معك.

(يرفعهما الإنسان إلى العدل في نُزُل الأمان
فيطلب العدل العقل ويستفسر منه.
ثم يأمر الكاتب أن يتلقى عنه ويأمر الأعوان أن يُحْضِروا الخُصومَ بلا تَوانٍ
فيتملق الوهم والخيال للعقل أن يستر عن خصومهما هذا الحال، لأنهما مقهوران، ويخشيان الوبال
فيأذن لهما العقل بالانصراف خوفا عليهما من الإتلاف
ثم يتلطف للإنسان برفق وحنان: أن انصرف بأمان، وتحضر الخصوم في الوقت المعلوم
وتشكل المحكمة الكبرى معلنة البشرى).

تسدل الستار


المنظر الثاني
افتتاح المحكمة
(تستمر خلفية المسرح كما هي في المنظر الأول
وتضاف منصة المحكمة في الوسط، حيث يجلس رئيس المحكمة وهو (العدل)
وعلى يمينه عضو اليمين الأول (القسط)
وعلى يساره عضو اليسار الأول (العلم)
ثم عضو اليمين الثاني (الهدى)
فعضو اليسار الثاني (التوفيق)
ويجاورهم سكرتير الجلسة (أمين)
ويقف الحاجب أمامهم ثم في الخلف رئيس الشرطة وعدد من الحراس
ينفرج الستار ببطء وتدق طرقات افتتاح المحكمة.....)

الحاجب: (يعلن) محكمة!

رئيس المحكمة: باسم الحكم العدل نفتتح المحكمة

سكرتير المحكمة : (ينادي للعقل)

(العقل يظهر ويلبي)

رئيس المحكمة للعقل: ما اسمك؟

اسمي يا سيدي : العقل

رئيس المحكمة: قد قبلت القضية شكلا فتكلم في موضوعها

العقل:
أَنْتَ يَاعَدْلُ رَحْمَةُ ٱ-;-لرَّحْمَٰ-;-نِ
جِئْتُ مُسْتَنْصِرًا فَكُنْ لِي مُجِيرًا
مِنْ هَوًى قَدْ مَحَا ٱ-;-لْفَضَائِلَ عَنِّي
جِئْتُ مُسْتَصْرِخًا أَغِثْنِي فَإِنِّي
صَاغَكَ ٱ-;-للَّهُ مِنْ هُدًى وَحَنَانِ
مِنْ حُظُوظِ ٱ-;-لنُّفُوسِ مِنْ شَيْطَانِ
قَادَنِي لِلْعَنَاءِ بَلْ لِلْهَوَانِ
مِنْكَ أَرْجُو سَلاَمَتِي وَأَمَانِي

مولاي... أنفاسك نفائس، وكل مظلوم في أوقاتك ينافس
ولا يستبين لمولاي المحجة، إلا إذا وسع لي صدره لأقيم الحجة
والمضطر يركب الصعب من الأمور وهو عالم بركوبه
حتى يموت أو يفوز بمطلوبه..

رئيس المحكمة: مَرْحَبًا بِالْعَقْلِ أَهْلاً
أَنْتَ يَاعَقْلُ ضِيَاءٌ
قَدْ نُصِرْتَ أَبِنْ وَوَضِّحْ
قَدْ وَصَلْتَ حِمًى وَأَصْلاَ
قَدْ مُنِحْتَ ٱ-;-لْيَوْمَ فَضْلاَ
نَوْعَهَا وَضْعًا وَشَكْلاَ

العقل :
دُمْتَ لِلأَخْيَارِ مَوْلَىٰ-;-
أُمَّةٌ مِثْلُكَ فِيهَا
أَنْتَ يَاعَدْلُ حَيَاةٌ
مَا فَتًى زَكَّىٰ-;- وَصَلَّىٰ-;-
4تُمْنَحُ ٱ-;-لْعَلْيَا وَتُولَىٰ-;-
بِالْمَعَالِي أَنْتَ أَوْلَىٰ-;-

مولاي.. شرح الله صدرك، فقد شرحت صدر المظلوم بنظمك، وأحييته بروح عطفك
ظلامتي يا مولاي فوق ظلم الظالمين، وكيف لا؟ وخصومي يجذبوني إلى حضيض الأسفلين، بعد أن كنت في عليين
كنت يا مولاي في مسرات حياتي الروحانية، وملاذ أفراحي العقلية، أسبح في فسيح العز والفخار، وأتنزه في رياض البهجة والأنوار..
جذبتني خصومي بمقتضيات كثافتها، وبواعث طبعها، ودواعي ميولها، إلى سجن الذل للشهوة الحيوانية، والخنوع تحت سلطان الحظوظ البهيمية، حتى حملت ما تنوء به العصبة أولو القوة.

رئيس المحكمة: صه يا عقل! فقد قال سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام : (لا يقضى على غائب ولا لـه) فمن خصومك؟

العقل : خصومي يا مولاي.. النفس السبعية والنفس الشهوانية وأنصارهما، والجسم والحس.

(الرئيس يأمر بندائها، فينادي الحاجب عليها، وتحضر النفس وتبتديء في الجلوس فيأمرهم الرئيس بالقيام قائلا).

رئيس المحكمة: أنا العدل ويلزم لمقتضاي المساواة ( ثم يتوجه إليهم قائلا:) لم قعدتم وخصمكم واقف؟

النفس السبعية: لا نقف وجلوسنا هو العدل والمساواة، وجلوسك وكل الحاضرين بعين رأسي أراه.

رئيس المحكمة : أنتم مطلوبون للقضاء ولا يجلس هنا إلا البرآء، فإن ظهرت براءتكم صحت كرامتكم ، قفوا.

النفس السبعية: لا نقف حتى تثبت لك إدانتنا، والخبر يحتمل الصدق والكذب، فاحفظ كرامتنا، وإذا أهنت أهل الشرف بالدعوى عمت البلوى.

"الرئيس يأمر بوقوفهم رغم أنوفهم، يحضر الأعوان"

النفس السبعية: اسمح لي أن أسألك أيها الرئيس كما تسألني ؛ فإنك جلست لتنصف الفرد من الفرد غيورا على رفع المظالم، فمن ينصفنا إن قيل إنك ظالم؟

رئيس المحكمة: بيني ما تحبين أيتها النفس السبعية ؛ فأنا العدل رحمة بالبرية.

النفس السبعية: الرحمة يا مولاي فوق العدل، والعدل وسط بين الرحمة والجور، أنا يا مولاي لا خصم يخاصمني، ولا ظلامة لي على أحد بها يطالبني، وهذا الواقف الذي يدعي أنه خصمي ليس من جنسي، بل ولا من رسمي،وإني لا أعرف لـه حقيقة ، حتى أكون لـه صديقة، وقد اختلف العلماء الراسخون في تعريفه ووظيفته، وهل هو عرض أم جوهر في فطرته، وإنا لنسمع به ولا نراه، يمدح به أهل الفضائل، ويذم بفقده أهل الرذائل، وقد أثبته التواتر ونفاه الحس، وهو كالشيطان الذي ينسب إليه كل قبيح، ولا يظهر لنا بالصريح، فاحفظ لنا أوراق تلك القضية، وأرحنا ممن يريد أن يحرمنا من ملاذنا الحيوانية، حتى نعيش في بحبوحة الإباحة، وصفاء اللذة والسماحة.

يَاعَدْلُ إِنَّ مَسَرَّاتِي وَأَفْرَاحِي
يَاعَدْلُ يَعْقِلُنِي عَقْلِي وَيَقْهَرُنِي
تِلْكَ ٱ-;-لْمَلَذَّاتُ تَدْعُونِي وَأَتْرُكُهَا
لاَ يَتْرُكُ ٱ-;-لْمَرْءُ لَذَّاتٍ تُحِيطُ بِهِ
يَاعَدْلُ هَٰ-;-ذَا عَدُوِّي فَٱ-;-نْتَقِمْ كَرَمًا
أَوْ لاَ... فَمُرْنِي أُلاَكِمُهُ وَأَطْعَنُهُ
نَاشَدْتُكَ ٱ-;-للَّهَ هَلْ تُرْضِيكَ مَظْلَمَتِي
أَلاَّ يُرَىٰ-;- فِي صَفَائِي لاَئِمٌ لاَحِ
حَتَّى أَكُونَ فَلاَ مَيْتٌ وَلاَ صَاحِ
لِلْعَقْلِ يَرْجُو بِذَا إِفْسَادَ إِصْلاَحِ
هَلْ تَرْتَضِي أَنْ أَرَى ٱ-;-لْخُسْرَانَ أَرْبَاحِي؟!
مِنْهُ تُرِحْ كُلَّ سُلْطَانٍ وَفَلاَّحِ
حَتَّىٰ-;- أُمَتَّعَ فِي ٱ-;-لإِطْلاَقِ بِٱ-;-لرَّاحِ
بُعْدِي عَنِ ٱ-;-لْغِيدِ عَنْ خَدْنٍ وَأَقْدَاحِ؟

(الرئيس يأمر بهدنة دقائق ولديها يعلو ضحك أهل الخلاعة ، وبكاء أهل العقل)

"يسدل الستار"

يتبع








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قصة شارع - شارع المتنبي.. منارة بغداد الثقافية وعبق الحضارة


.. مقتطفـات | عرب في كوريا - لينا تعلم صديقها الكوري اللغة


.. مقتطفـات | عرب في كوريا - لينا تعلم صديقها الكوري اللغة العر




.. مسرحية جورج خباز: أغنية -يا هالعمر شوي شوي-


.. شارع المتنبي.. منارة بغداد الثقافية وعبق الحضارة العراقية