الحوار المتمدن - موبايل


الإسلام الأزلي وإشكالية الصراع المحتوم

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2015 / 1 / 12
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


ثمة مشروع إسلامي قائم على فكر مجرد مثالي وتطبيقات بدائية قديمة مبعثر عبر التراث الفكري والفقهي الإسلامي، ظل لمئات السنين يحظى بشغف وأماني أغلبية المسلمين ويراودهم في منامهم ويقظتهم، ورغم ذلك لم ينل حتى الآن فرصته للتطبيق. هذا المشروع يستند إلى فلسفة تجريدية، تلك التي يتم تشييدها بالأساس من نظريات في الخيال دون تطبيقات ملموسة وناجحة على أرض الواقع وتتجاهل إلى حد كبير المعطيات الحياتية الحسية وتتعالى عليها، تشكلت بدورها من تصورات ونظريات عن وجود علاقة مباشرة (عبر الوحي) وغير مباشرة (عبر النقل عن الكتب والشخصيات المقدسة) بين الإنسان وخالقه، وأن الخالق (في حكم اليقين) أدرى وأعلم بخلقه وما ينفعهم وما يضرهم. على هذا الأساس، كان، ولا يزال، هذا المشروع الإسلامي مشروعاً فوقياً، جاء بتنزيل من فوق (السماء) لكي يتم تطبيقه (تحت) على أهل الأرض في هذه الحياة الدنيا. هذا يعني أيضاً أن هؤلاء الذين يحيون (تحت) على الأرض مجبرون على طاعة ما يتنزل عليهم من (أعلى) في السماء، لأن هؤلاء الأولين وجدواً أساساً لأجل هذه الغاية: ("وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، أو يطيعون الأوامر الإلهية العليا، هكذا يخاطب الخالق خلقه). لكن، من جهة أخرى، ماذا، وهنا الإشكالية، إذا رفض هذا المخلوق طاعة الخالق؟

عندما يحدث ذلك، ينهار المشروع الإسلامي، أو أي مشروع ديني آخر، من أساسه، لأن كل المشاريع الدينية مبنية على هذا الأساس بالتحديد- الطاعة. هذه الطاعة يبررها العلم الأعلى، حيث الصانع أعلم بصناعته بالضرورة. عندما يرفض المخلوق الطاعة والعبودية للخالق، تنقطع صلة العلاقة الرأسية، الفوق-تحتية، بين الإله والإنسان ولا تبقى سوى علاقة أفقية بين الإنسان وبني جنسه الإنس الآخرين وباقي الكون والحياة من حوله؛ فإذا غاب الطرف الأعلى، ستزول معه كل مشتقاته التراثية ويصبح المشروع الإسلامي تاريخاً، مجرد مرحلة كانت لها ظروفها وانتهت أو صفحة وطويت في كتاب التاريخ الحافل. تلك كانت، ولا تزال، هي دائماً إشكالية أصحاب المشروع الإسلامي: ماذا ستكون الخطوة التالية إذا لم يجد مشروعهم الفوقي، المنزل جاهزاً من السماء، الطاعة المطلوبة من المخاطبين (المأمورين) به على الأرض، حتى يتسنى لدعاته تطبيق فرائضه في هؤلاء المخلوقين، المأمورين، الجهلاء بمصالحهم؟! عند هذه النقطة تحديداً، يجد الإسلاميون أنفسهم محشورين بين الطرفين العلوي والسفلي؛ وهم لن يكونوا أبداً مثل هؤلاء (الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة)، أو الذين يضحون بمبادئهم ومثلهم العليا لنيل مكاسب أو الإفلات من شرور عابرة. هذه الحشرة هي ما أسميها هنا "إشكالية الصراع"، وأظنها تؤدي دائماً، وحتماً، إلى طريق مسدود.

في مصر، بعد ثورة مدنية سلمية في 25 يناير 2011، كان المجتمع المدني مستبشراً بتحول الإسلاميين- ولو ظاهرياً فقط- من العنف إلى العمل السياسي السلمي، وشجعهم على ذلك، على أمل أن يقود انخراطهم وسط شركائهم في الوطن إلى تشذيب وتهذيب مشاريعهم الإسلامية التجريدية الجامحة تمهيداً لذوبانها وتكاملها في مشروع وطني عام، يشارك في صنعه الجميع. لكن ذلك الأمل يجب أن لا ينسينا طبيعة المشروع الإسلامي، والتي ظلت على حالتها تلك التجريدية المثالية الحالمة، والعنيفة كلما لاقت إحباطاً، منذ الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان، أي بعد أعوام قليلة من تأسيس الدين الإسلامي ذاته. ماذا إذا لم يجد الإسلاميون المسالمون الآن الطاعة المطلوبة من أجل تطبيق مشروعهم الفوقي، الإلهي المنزل من السماء كما يزعمون تمييزاً له وسمواً به على المشاريع الوضعية- المستنبتة من طين الأرض- الأدنى مرتبة، التي هي من وضع الناس أنفسهم؟ هل سيقبلون المساومة والتسوية والحل الوسط في (حقوق الله)؟

أظن أن الإسلاميين، أصحاب المشروع الإسلامي الجاهز منذ مئات السنين، لم يكونوا ليقبلوا بالتحول عن العنف إلا بعدما قُطع عليهم هذا الطريق بالفعل وهزموا فيه شر هزيمة، كما حدث، كمثال واحد متطرف، مع تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. الإسلاميون لم يتحولوا من العنف إلى السلم طواعية بمحض إرادتهم. هم، مدفوعين بمشروعهم الجامح، مارسوا العنف بالفعل على أمل تطبيق نفس هذا المشروع، لكنهم أخفقوا في تحقيق تقدم يذكر في هذا الاتجاه، قياساً بمجموعات إسلامية أخرى اختارت الوسائل السلمية، بخلاف الأثمان الباهظة من الأرواح والأموال والملاحقات القضائية التي تكبدوها. هكذا، يجب التنبيه إلى أن الدعة والمسالمة التي قد يبديها الإسلاميون في وقت من الأوقات ليست طبع أصيل فيهم أنفسهم أو في فكرهم ومشروعهم السياسي. لكن هذا التحول جهة المهادنة والسلم هو نتيجة لعدم قدرتهم على تحقيق تقدم ملموس باتجاه تطبيق مشروعهم الإسلامي عبر استخدام الوسائل العنيفة. في قول آخر، الوسائل فقط قد تتغير عبر الزمان والمكان، لكن المشروع والغاية الإسلامية العليا تبقى كما هي دون أي تغيير- من الأزل إلى الأبد.

المشكلة ليست في الوسائل بقدر ما هي في المشروع. كل ما يفعله الإسلاميون اليوم هو تعديل وتحسين في الوسائل، دون أن يصيب الفكرة ذاتها مراجعة أو تحديث يذكر، دون أي نوع من النقد الذاتي لنظرياتهم ومعتقداتهم أنفسهم أو للتراث الذي ينهلون منه بشراهة وتصديق سطحي وساذج. فطالما لم يبدي الإسلاميون توبة صادقة وإقراراً بالذنب عن ماضيهم العنيف ودماء الأبرياء المدنيين التي سفكت بغير ذنب، هذا معناه أنهم فقط في استراحة مقاتل لالتقاط الأنفاس وسيعاودون الكرة مجدداً كلما سنحت لهم الظروف. في حكم المؤكد، هذه الكرة العنيفة الجديدة سوف تندلع مع كل إخفاق أو خيبة أمل جديدة لهم في التمكن من تطبيق مشروعهم الإسلامي كما يتصورونه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المبعوث الأمريكي يلتقي حركة طالبان في الدوحة


.. شاهد ما قالته مستشارة اتهموها بالز_ندقة لأنها اشتكت من مكبر


.. مسيحيون في لبنان بمواجهة حزب الله حول -تدويل- الأزمة




.. مئات اليهود الحريديم يحتفلون بعيد المساخر منتهكين الإجراءات


.. اشتباكات بين الشرطة الإسرائيلية ويهود متشددين بسبب دميتين في