الحوار المتمدن - موبايل


الكلمة الناقصة

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2015 / 2 / 28
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


ثمة اعتقاد شائع أن الكلمة هي السائدة على الفعل، الآمرة لتحققه، ومن ثم هي الأعلى مركزاً والأسمى منزلة إلى حد القداسة لبعض الكلم. المسيح كلمة الله، إشارة جلية لأعظمية ابن الكلمة (الروح) على ابن الطبيعة الوراثية (الجسد)؛ موسى كليم الله، تأكيداً لشرف الكلمة على الفعل؛ القراءة على محمد، اقرأ بسم ربك الذي خلق، حيث يجسد الوحي والقرآن أولى لبنات الإسلام وأعظمها قدسية. وفي هذا المكان لا ينبغي تفويت الإشارة إلى المكانة التي يتمتع بها ’أهل العلم‘، أو منظرو الفقه والحديث والقرآن، في الإسلام.

علاوة على ذلك، تتجلى أسبقية وأهمية الكلمة أيضاً في القوانين والنصوص التأسيسية الحاكمة لكافة الكيانات الاعتبارية، سواء دول مستقلة، اتحادات من دول مستقلة، منظمات دولية، شركات متعددة الجنسيات، جمعيات خيرية، أندية رياضية واجتماعية...الخ. فكما يبدو في الظاهر، الكلمة هي في العادة سابقة على تحقق الفعل وحاكمة له أثناء وبعد تحققه. رغم ذلك، قد لا يحسم الموضوع بهذه البساطة المريحة. فأي استقصاء جاد يجب ألا يأخذ من مقدماته حقائق بديهية مسلمة، وإلا ما كان جديراً من الأصل باسمه ولقبه. فما هو مصدر هذه النصوص التأسيسية الحاكمة المستولدة منها كيانات وأفعال شتى فيما بعد؟ هل صحيح أن الفعل ابن الكلمة، ومحكوم بها؟! ما هي العلاقة التراتبية بين الكلمة والفعل، أيهما حقاً يسبق الآخر ويسود عليه؟ وأيهما، الفعل أم الكلمة، مكتفي بذاته- يستطيع أن يوجد مستقلاً عن الآخر ومستغنياً عنه؟

هم يقولون إن الله مكتفي بذاته، بمعنى أن وجوده سابق على وجود الكون ومستقلاً ومستغنياً عنه؛ وبهذا الشرط الجوهري المسبق- الاكتفاء الذاتي- استطاع أن يخلق منه الوجود فيما بعد، ومن ثم أصبح الوجود بالضرورة مستولداً منه، محكوماً به. الله مكتفي بذاته قادر على أن يوجد بمفرده- كما كان بالفعل قبل الخلق- من دون الوجود؛ بينما الوجود لم يوجد بمفرده ومن ثم يصبح استمرار بقائه مشروطاً ببقاء مصدره المنشئ- الله المكتفي بذاته. هكذا يكون الله كاملاً، مكتفياً بذاته، مستقلاً بنفسه بينما الإنسان ناقصاً لا يستطيع الاكتفاء بذاته، عبداً تابعاً لله ولا طاقة له على أن يتحمل أعباء استقلاليته الذاتية بعيداً عن ربه.

نعود إلى ’الكلمة‘ و ’الفعل‘، حيث تربط الأولى غالباً بالأوامر والنواهي الإلهية والكتب المقدسة والقوانين والنصوص التأسيسية الحاكمة، التي يهيأ للأكثرية أن قدسيتها وأسبقيتها تنبع من كونها مكتفية بذاتها، مستقلة عن وجود الفعل وحاكمة له بعد وجوده؛ بينما تربط الثانية بالحيز التنفيذي، سواء في طاعة الأوامر الإلهية أو امتثالاً للقوانين واللوائح، ومن ثم دونيتها وتبعيتها للكلمة والاشتراط بها. ما هو، في التحليل النهائي، مضمون الكلمة؟

إنه، بلا أدنى شك، فعل، فعل خالص. فالكلمة في جميع الأحوال ليست سوى حركة رمزية (بالإشارة أو حروف الهجاء أو خلافه) لحركة فعلية ذات نتائج وآثار ملموسة على الأرض (الفعل)؛ أو أن الكلمة هي في التحليل النهائي صورة مرآة (مستوية، مقعرة، محدبة، مشوهة، جزئية، منحرفة...الخ) لفعل حقيقي قد تحقق أو لا زال قيد التحقق في الواقع.

هل يصدق عاقل أن رضيعاً وهو يرضع من ثدي أمه لابد وأنه قد فهم وامتثل أولا لكلمة ’ارضع‘؛ أو إذا كان من سوء حظه أنه ولد بإعاقة تمنعه السمع والفهم والكلام، أنه لن يستطيع أداء نفس ’الأفعال‘ التي يؤديها المتكلمون، من دون حتى أن يفقه كلمة واحدة مما يقولون؟! أيهما إذن المكتفي بذاته، الكلمة أم الفعل؟!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - الفعل أيضا كلمة وهو الأكثر فاعلية
عبد الله اغونان ( 2015 / 2 / 28 - 18:56 )

الكلمة اسم وفعل وحرف
فالخالق لايوصف بهذه الصفة الا اذا خلق
والفعل أهم فالكريم لايسمى كريما الا اذا فعل الكرم
والكاتب لايسمى كاتبا الا اذاكتب
في القران المقدس

الذين امنوا وعملوا الصالحات


2 - أعتقد
عدلي جندي ( 2015 / 3 / 1 - 12:16 )
الفعل
فالكلمة وسيلة من الممكن أن تؤدي إلي فعل أو إلي عكسه في حال تأمل موضع الكلمة من الواقع والضرورة
فكر جدير بالمشاركة و بالتأمل
شكرا لك

اخر الافلام

.. كورونا في مخيمات اللجوء.. التحرك الدولي مصيري | #غرفة_الأخب


.. نووي إيران.. اجتماعات مستمرة للخروج برؤية لآليات الاتفاق


.. هجمات الفدية.. كيف نحمي أعمالنا | #غرفة_الأخبار




.. الأمن في أفغانستان.. وضع هشّ ودموي | #غرفة_الأخبار


.. أحداث القدس.. مطالب بوقف التصعيد | #غرفة_الأخبار