الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في الجدوى الإجتماعية: جدال حول المعيارية

رواء محمود حسين

2015 / 5 / 12
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


مدخل:

يصف أنتوني جيدنز، وهو أحد أكبر علماء الإجتماع المعاصرين، عصرنا بالقول: " نعيش - في مطلع القرن الحادي والعشرين – في عالم حافل بالقلق والتوتر، غير أنه ينطوي على وعود خارقة للعادة بالنسبة للمستقبل. إنه عالم متسارع التغير، تشوبه الصراعات العميقة، والتوترات ومظاهر التفكك الإجتماعي، كما أنه يتعرض لهجمة شرسة من جانب التقانة الحديثة على البيئة الطبيعية". ويبدو غيدنز متفائلاً جداً حين يقول: " غير أن بوسعنا أن نتحكم بمصيرنا ونشكل حياتنا ونسيرها نحو الأفضل على نحو لم تكن الأجيال السابقة قادرة على تصوره في جميع الأحوال " ( أنتوني غدنز: " علم الإجتماع"، ترجمة وتقديم د. فايز الصباغ، ط 4، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2005 م، ص 47 ).
لكن رسل جاكوبي يشدد على روح التشائم السائدة في الفكر المعاصر حين يؤكد أنه لم يحدث إلا القليل، فالنزاعات الوحشية: المحلية والإقليمية والدينية تندلع بإنتظام. إن هناك صراعات إقليمية وحروباً أهلية أكثر من أي وقت مضى. وهناك تأكيد أن الأمال في عالم أفضل وأكثر حكمة قد تبددت ( رسل جاكوبي: " نهاية اليوتيوبيا: السياسة والثقافة في زمن اللامبالاة "، ترجمة فاروق عبد القادر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة العدد ( 269 )، صفر / 1422 ه – مايو 2001 م، ص 184 ).
يلخص الآن تورين ما يقصده بمفهوم ( الجدوى الإجتماعية ) بأن الوظيفة النقدية للطبيعة معادية للإيمان، وكافية لأن تعطي للخير والشر أساساً ليس سيكولوجياً ولكن إجتماعياً فقط. إن فكرة كون المجتمع منبعاً للقيم، وأن الخير هو ما يكون نافعاً للمجتمع والشر هو ما يؤذي سلامته وفاعليته، هي عنصر جوهري في المفهوم الكلاسيكي للحداثة. ومن أجل أن ينتهي الإذعان لسلطة الأب ينبغي أن يستبدل بمصلحة الأشقاء وإخضاع الفرد لمصلحة الجماعة، ويضرب تورين مثالاً على ذلك بحرب الفلاحين في المانيا عام 1525 م والتي انتهت برؤية دنيوية وحلت مصلحة الجميع محل النداء إلى الإيمان بالجماعة، مما أدى بمكيافيلي إلى تأسيس هذا الفكر الجديد بسبب إعجابه بنضال مواطني فلورنسا ضد المؤسسة الدنيوية لأنهم وضعوا حبهم للمدينة التي ولدوا فيها فوق خوفهم على سعادتهم الأبدية، والمدينة هي الجسد الإجتماعي الذي تكون سلامته ضرورية للسعادة الفردية. وهنا يكمن السبب في أن عصر النهضة والقرون التالية إلى إستعارة نموذج الحضارتين اليونانية والرومانية، لأنهما أعليا من قيمة الأخلاق المدنية وعدت المواطنة في إطار مدينة حرة هي الخير الأسمى ( آلان تورين: " نقد الحداثة "، ترجمة أنور مغيث، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 1997 م، ص 36 – 37).
أما عن حرب الفلاحين التي يشير إليها تورين فيذهب بارينجتون مور أنه لم يعد بالإمكان الأخذ بالرأي القائل أن الفلاح ( مفعول به تاريخي )، أي أنه شكل من أشكال الحياة الإجتماعية مرت عليه التغيرات التاريخية دون أن يساهم بشيء في قوة دفع هذه التغيرات. ويرى من يجدون متعة في المفارقة التاريخية أنه من الغريب أن يكون الفلاح في العصر الحديث عاملاً من عوامل الثورة مثله مثل الآلة، حتى أنه نال ما يستحقه من التقدير باعتباره فاعلاً تاريخياً إلى جانب فتوحات الآلة. وبالرغم من ذلك، فقد كان الإسهام الثوري للفلاح متفاوتاً من الصين إلى أوربا، وصغيراً جداً في اليابان، وغير ذي أهمية في الهند، وضئيلاً جداً في انجلترا وألمانيا ( بارينجتون مور: " الأصول الإجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية: اللورد والفلاح في صنع العالم الحديث"، مع تصدير لإدوارد فريمان وجيمس سكوت، ترجمة أحمد محمود، ط1، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008 م، ص 515 ).
فضلاً عن ذلك، فالسؤال الأساس تجاه ما يسميه تورين ب( الجدوى الإجتماعية ) الكافية لأن تعطي للخير والشر أساساً إجتماعياً: بماذا يمكن أن يجيب تورين على مفهوم ( الإستبعاد الإجتماعي ) الذي أكد كبار علماء الإجتماع المعاصر فاعليته في السياقات الإجتماعية الحالية؟ والإستبعاد الإجتماعي، كما حدده فيبر، أحد أشكال الإنغلاق الإجتماعي، فالإنغلاق الإستبعادي بمنزلة المحاولة التي تقوم بها جماعة لتؤمن لنفسها مركزاً متميزاً على حساب جماعة أخرى من خلال عملية إخضاعها. ويلفت جوردان الإنتباه إلى ما تقوم به جماعة من الإستبعاد الفعال لجماعة أخرى. والمثال المتطرف لهذا هو المجتمعات المحلية أو الأحياء التي تعيش داخل منطقة مسورة ذات أبواب خاصة بها، والتي تتمتع بخدمات عالية المستوى توفرها لها جهات خاصة ( تانيا بورتشارد وجوليان لوغران ودافيد بياشو: " المقدمة " لكتاب: " الإستبعاد الإجتماعي: محاولة للفهم "، تحرير جون هيلز، جوليان لوغران، دافيد بياشو، ترجمة وتقديم أ. د. محمد الجوهري، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة العدد ( 344 )، رمضان / 1428 ه – مايو 2007 م، ص 23 ).
وضمن مفهوم ( الإستبعاد الإجتماعي ) نجد مفاهيم أخرى تؤكد المفهوم الإصلي به، من مثل: حديث بريان باري عن: " الإستبعاد الإجتماعي والعزلة الإجتماعية وتوزيع الدخل " حين يشير أنه لا شك في وجود إرتباط وثيق بين الترتيب الإقتصادي وظاهرة الإستبعاد داخل المجتمع ( ينظر: بريان باري: " الإستبعاد الإجتماعي والعزلة الإجتماعية وتوزيع الدخل " في كتاب: " الإستبعاد الإجتماعي "، نفسه، ص 43 ). ويتوسع جون هوبكرافت في توضيح تفاصيل أخرى في مفهوم ( الإستبعاد الإجتماعي ) مثل: الفقر، حالة العمل، الوضع المهني، الظروف الإجتماعية، نظام الرعاية، الظروف الديمغرافية، والسكنية، والنفسية، والصحية. والمعيشة في ظل أوضاع الرذيلة، ومعانات بعض المشكلات الصحية، والعقلية والنفسية ( ينظر: جون هوبكرافت: " الإستبعاد الإجتماعي والأجيال "، في كتاب: " الإستبعاد الإجتماعي " نفسه، ص 117 ). في حين تتحدث أبيغيل ماكنايت عن كيفية إرتباط العمل المنخفض الأجر والفقر في نقطة زمنية معينة بحيث يؤشر إرتباطهما على المدى الطويل ( ينظر: أبيغيل ماكنايت: " العمل المنخفض الأجر: إطعام الفقراء بالقطارة "، في كتاب: " الإستبعاد الإجتماعي " نفسه، ص 172 ).

جدال (1 ) :

سأناقش تورين هنا فيما عده المثال الأعلى للحضارتين اليونانية والرومانية لعصر النهضة والعصور التي بعده. فأقول: يسقط تورين في مجال ( التعميم الشديد ) في عد هذين الحضارتين الوثنيتين قدوة للعقل الإنساني، إلا إذا كان هذا العقل رافضاً للمعيارية الدينية فلا يجد مانعاً بأن يعد المثال الوثني قدوة ومثالاً يحتذى. هذا من ناحية العموم، أما من ناحية التخصيص، فلنذهب إلى بلوتارك أقدم المؤرخين الإغريق لنرى أي مدينة هذه التي يتحدث عنها تورين.
يوضح بلوتارك أن ثيسيوس شبيه برومولوس من نواح كثيرة، فكلاهما لم يكن ثمرة زواج شرعي، وكلاهما مطعون في نسبه، وكلاهما اشتهر بإنحداره من عترة الآلهة. كلاهما امتاز بقوة في الجسم ومضاء في العقل بقدر متساو. أحدهما بنى روما وثانيهما ملأ آثينا بالسكان، واتهم كلاهما بخطف النساء، ولم يخلصا في وطنيتهما من النوائب العائلية ولا من الكيد. وتعرضا لسخط قومها قبل أن ينتهي بهما العمر. ترتفع شجرة نسل ثيسيوس من جهة الأب حتى تصل إلى إرخثيوس، وإلى أقدم سكان اتيكا، أما من جهة أمه فهو سليل بيليوس، وكان أقوى ملوك البلوبونيسوس بلا بما يملك من مال، بل بكثرة ما لديه من أولاد، لأنه تزوج بنات عدد كبير من الزعماء، وولى عدداً كبيراً من أولاده حكم البلدان التي تجاور مملكته. ومن بين أولاده بيتيوس جد ثيسيوس، كان مؤسس المدنية صغيرة يسكنها قوم الطرويزينيين. كان ايجيوس ملك أثينا يصبو إلى عقب، فاستخار الكاهنة البيثية وجاءته النبوة الشهيرة وكانت غامضة جداً، فلم يكن على ثقة بأنه ممنوع من الجماع بصورة باتة، فقصد طراويزين وألقى على اسماع بتيوس صيغة النبوءة كالآتي: " لا تحل عنق زق الخمر البارز يا زعيم الرجال العظيم حتى تعود إلى أثينا مرة أخرى ". الظاهر أن بيثيوس فهم معنى النبوءة، فإما أقنعه أو أغراه بمضاجعة إيترا بنته، وعلم إيجيوس فيما بعد أن من ضاجعها هي بنت بيتيوس ولشكه في أنها علقت منه، ترك سيفاً وزوج نعال في محل خفاء تحت صخرة عظيمة فيها تجويف بمقدارها تماماً. وأوصاها أن تخفي الطفل عن من البالانتيين الدائمي الثورة عليه. ووضعت إيثرا ذكراً ( بلوتارك ( فلوطخرس ): " تاريخ أباطرة وفلاسفة الإغريق"، ترجمة جرجيس فتح الله، ط1، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 1430 ه – 2010 م، ص 31 – 33 ).
إذن هذا شكل من أشكال المدنية الإغريقية التي يعدها تورين مثالاً أعلى وقدوة يتحذى بها في عصر النهضة والعصور التالية يتخللها إغتصاب النساء والخيانة والإضطهاد الإجتماعي والتعدد المرفوض من قبل المدنية الغربية المعاصرة.

جدال ( 2 ):

أما بالنسبة أن يكون الإختيار الجماعي منبعاً للقيم الإجتماعية فالسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: هل يوجد إختيار جماعي موحد وشامل يمكن أن يعد المبدأ للقيم الإجتماعية ومقياساً للخير والشر؟ أم أننا أمام سياقات إجتماعية متباينة ومختلفة تجعل من المحتم الذهاب إلى سؤال: أي منها سيكون المعيار للخير الإجتماعي العام؟
صراع القيم الإجتماعية يمكن أن يلحظ في ملاحظات كارل ماركس في نقد الإقتصاد السياسي و ضد الفلسفة الهيجلية بالخصوص. يقول ماركس: " وعلى عكس النقاد اللاهوتيين في أيامنا رأيت أن الفصل الختامي للكتاب الحالي تصفية الحسابات مع الجدل الهيجلي والفلسفة الهيجلية ككل – ضروري ضرورة مطلقة، ومهمة لم تؤد بعد. وهذا الإفتقار للكمال ليس صدفة، لأنه حتى اللاهوتي النقدي يظل لاهوتياً. ومن هنا فهو إما أن يبدأ من بعض الإفتراضات المسبقة للفلسفة وكأنها قطعة جازمة وأما أنه أثارت لديه بعض الشكوك في هذه الإفتراضات الفلسفية المسبقة من خلال عملية النقد، أو نتيجة لاكتشافات الآخرين، فإنه يتخلى عنها دون تبرير وفي جبن، ويتجرد عنها، كاشفاً عن تبعيته الذليلة لهذه الإفتراضات المسبقة، ونفوره من هذه التبعية، بطريقة سلبية غير واعية وسوفسطائية فحسب " ( كارل ماركس: " مخطوطات 1848 "، ترجمة محمد مستجير مصطفى، دار الثقافة الجديدة، بدون بيانات أخرى، ص 12).
إن حتمية صراع القيم الإجتماعية حينما لا تستند إلى ( ضابط معياري أعلى ) هو الذي يوجه النقد إلى فكر تورين حينما يصر أن المجتمع يحل محل المعيار الأعلى كأساس للحكم الأخلاقي ويصبح مبدأ للتفسير وتقييم السلوك أكثر من كونه موضوعاً للدراسة. وهكذا يولد العلم الإجتماعي كعلم سياسي، أولاً في غضون الصراعات بين آباء الكنيسة الذين دافع أوكام ودوبادو عن مصالحهم، كما يولد في فكر ميكيافيللي في أن يتم الحكم على التصرفات والمؤسسات السياسية دون اللجوء إلى حكم أخلاقي مقتبس من الدين. ويولد من الفكرة المشتركة بين هوبز وروسو في أن النظام الإجتماعي قد أنشئ بناء على قرار من الأفراد الذي يخضعون لسلطة الدولة أو الإرادة العامة التي تعبر عن نفسها في العقد الإجتماعي. ولا ينبغي للنظام الإجتماعي أن يستند على أي شيء آخر سوى القرار الإنساني الذي يجعل من هذا النظام مبدأ الخير والشر، وليس على الإطلاق تعبيراً عن نظام أقامه الخالق أو أقامته الطبيعة. ويرى تورين أن هوبز سابق على الفلاسفة الآخرين، وأنه قد قدم أول تأملات كبرى حديثة حول المجتمع. إنها حرب الجميع ضد الجميع، بالنسبة لهوبز، وذلك لأن كل فرد يتمتع بحق الإمتلاك غير المحدود، ويؤدي الخوف من الموت الناتج عن هذا التناحر العام إلى إرساء السلام عن طريق تخلي كل فرد عن حقوقه لصالح سلطة مطلقة ( تورين: نفسه، ص 37 – 38 ).
وفي سياق الرد على ما تقدم، يمكن القول أن أفكار تورين المتقدمة ستقود بالضرورة إلى ( الداروينية الإجتماعية )، أي منطق البقاء للقوة والأصلح وهو ما شرحه دارون في أعماله الرئيسية مثل كتابه: " التعبير عن الإنفعالات في الإنسان والحيوان " ( ترجمة وتقديم مجدي محمود المليجي، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2005 م )، وكتاب داروين: " أصل الأنواع: نشأة الأنواع الحية عن طريق الإنتقاء الطبيعي أو الإحتفاظ بالأعراق الحية في أثناء الكفاح من أجل الحياة"، ترجمة محمود المليجي، تقديم سمير حنا صادق، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2004 م). وفي سياق معاصر جداً سيقودنا هذا إلى تفسير الثقافة في ظل نظرية ( الميمات ) والتي " تهدف إلى تفسير الظواهر الثقافية بواسطة آليات التطور " ( ينظر: د. منى أحمد عبود: " الميمات : نظرية تطورية في تفسير الثقافة"، ط1، بيسان للنشر، بيروت، 2008 م، ص 9 ).

جدال ( 3 ):

ويمكن الرد على ملاحظات تورين المتقدمة من أكثر من محور منها أن المؤسسة الدينية ( وهي هنا الكنيسة في نشأتها الأولى ) قد تعرضت إلى الإضطهاد من ما يسميه تورين ب ( المدنية الأغريقية ).
يشير شارل جينبير أن إنتشار المسيحية قد تأخر وأخذت في التدهور بسبب العداوة العنيفة التي أظهرها لها المجتمع الوثني وحكومة روما، تلك العداوة التي سميت فيما بعد ب ( الإضطهادات). واشتدت العداوة الوثنية للمسيحية في القرن الثالث الميلادي فقد عقد العزم قادة وثنيون، من مثل: ديس، وفاليريان، وجالير، وديوكليسيان، يعقدون النية الصريحة، في النصف الثاني من ذلك القرن على القضاء بشكل نهائي على الكنيسة والإكليروس، وكل أثر للدين الجديد، فيحملون الناس على الإرتداد عنه، مستخدمين أقصى وسائل التعذيب أو التهديد به. ولم يتورعوا في سبيل تحقيق ذلك من استخدام أقسى وسائل العنف بل والقتل في كثير من الأحيان. وكانت التهم الموجهة إلى المتدينين المسيحيين، هي: الإنتماء إلى دين غير مشروع، والإنتماء إلى جماعات سرية، والتآمر على الحاكم، ورفض إطاعة الأوامر، والتهرب من الواجبات العامة، فضلاً عن ممارسة السحر. لكن كان يتم التخلي عن هذه الإتهامات إذا ما أعلن المسيحي التخلي عن ديانته. ويقول ما نصه: " وهذا يدل دلالة صريحة على أن الغرض من كل الإجراءات القضائية لم يكن في الواقع سوى القضاء على الديانة المسيحية ذاتها ولا شيء غيرها". ويضيف جينبير: إن هذه الديانة قد حرمت تحريماً قطعياً من عهد نيرون، وكانت الإجراءات القانونية الرومانية تعاقب من يعتنق المسيحية بالقتل. كما كانت الأساليب القانونية الرومانية تتصف بالقسوة، وبلغت حدها الأقصى في القضايا المتعلقة بالمسيحية، لأن القضاة كانت لهم اليد الطولى والمطلقة في تقدير العقاب، وقد استخدمت أكثر الوسائل وحشية في التعذيب لحث المسيحيين على الإرتداد ( شارل جينبير: " المسيحية: نشأتها وتطورها"، ترجمة د. عبد الحليم محمود، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، بدون تاريخ، ص 169 – 170 ).
هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى فقد تضمن الفكر السياسي والإجتماعي المسيحي ممثلاً بالقديس توما الأكويني، وبالتحديد في كتابه: " حكومة الأمراء " والذي مثل توجهات الأكويني النظرية التي تجسد فكره الإجتماعي والسياسي، عاكساً مرحلة الصراع بين البابوية والأباطرة، تضمن فكر الأكويني التأكيد على أهمية القانون في تنظيم شؤون المجتمع، وأهميته في تبرير شرعية وجود السلطة السياسية في إطار من التحليلات الأخلاقية، وبسبب رؤيته أن لا وجود لسلطة سياسية بدون قانون، فإنه انتقد كثيراً نظام الحكم الإستبدادي، بل وحث الجماهير على ضرورة مقاومة هذا النوع من الحكم، على أن تكون المقاومة في ظل شرطين: أن تكون حقاً مكفولاً للشعب، وأن تكون المقاومة الشعبية إيجابية بحيث تؤدي إلى ظهور حكم جديد ( د. مولود زايد الطبيب: " علم الإجتماع السياسي "، ط1، الزاوية، ليببا، 2007 م، ص 37 – 38 ).

الخاتمة

إنتهى البحث إلى نتيجة رئيسية مفادها بأن الحجج التي قدمها تورين حول ( الجدوى الإجتماعية ) بأن الوظيفة النقدية للطبيعة والمعادية للإيمان، ليست كافية لأن تعطي للخير والشر أساساً ليس سيكولوجياً ولكن إجتماعياً فقط. ومن ثم فإن فكرة كون المجتمع منبعاً للقيم، وأن الخير هو ما يكون نافعاً للمجتمع والشر هو ما يؤذي سلامته وفاعليته، بعدها عنصراً جوهرياً في المفهوم الكلاسيكي للحداثة، فكرة غير قابلة للبرهنة من الناحية الإجتماعية الواقعية مائة بالمائة.
والسبب ما قدمه البحث من حجج واقعية ومنطقية وتاريخية وعقلانية ونقدية وإجتماعية حول منها أنه لا يمكن الإعتماد على التفسير المرتبط بحرب الفلاحين بسبب كونها مفعولاً به غير إجتماعي، كما ما يسميه تورين ب( الجدوى الإجتماعية ) الكافية لأن تعطي للخير والشر أساساً إجتماعياً يسقط أمام ما يسميه علماء الإجتماع المعاصرون ب ( الإستبعاد الإجتماعي ).
أما بخصوص الحضارتين اليونانية والوثنية فبينا أن تورين يسقط في مجال ( التعميم الشديد ) في عد هذين الحضارتين الوثنيتين قدوة للعقل الإنساني، إلا إذا كان هذا العقل رافضاً للمعيارية الدينية فلا يجد مانعاً بأن يعد المثال الوثني قدوة ومثالاً يحتذى. هذا من ناحية العموم، أما من ناحية التخصيص، فذهبنا إلى بلوتارك أقدم المؤرخين الإغريق لتأكيد الكثير من الجوانب التاريخية – الواقعية التي لا تنسجم مع أطروحة تورين بسبب تخللها إغتصاب النساء والخيانة والإضطهاد الإجتماعي والتعدد المرفوض من قبل المدنية الغربية المعاصرة. فضلاً عن أن المؤسسة الدينية ( وهي هنا الكنيسة في نشأتها الأولى ) قد تعرضت إلى الإضطهاد من ما يسميه تورين ب ( المدنية الأغريقية ).
أما بالنسبة أن يكون الإختيار الجماعي منبعاً للقيم الإجتماعية فبينا أنه لا يوجد إختيار جماعي موحد وشامل يمكن أن يعد المبدأ للقيم الإجتماعية ومقياساً للخير والشر، بسبب أننا أمام سياقات إجتماعية متباينة ومختلفة والتي من المفروض أن تحدد المعيار للخير الإجتماعي العام، كل هذا يؤكده مفهوم صراع القيم الإجتماعية الذي طرحه كارل ماركس. إن حتمية صراع القيم الإجتماعية حينما لا تستند إلى ( ضابط معياري أعلى ) هو الذي يوجه النقد إلى فكر تورين حينما يصر أن المجتمع يحل محل المعيار الأعلى كأساس للحكم الأخلاقي ويصبح مبدأ للتفسير وتقييم السلوك أكثر من كونه موضوعاً للدراسة. كما إن أفكار تورين المتقدمة ستقود بالضرورة إلى ( الداروينية الإجتماعية )،

المصادر والمراجع:

- الطبيب، د. مولود زايد: " علم الإجتماع السياسي "، ط1، الزاوية، ليببا، 2007 م.
- باري، بريان: " الإستبعاد الإجتماعي والعزلة الإجتماعية وتوزيع الدخل " في كتاب: " الإستبعاد الإجتماعي: محاولة للفهم "، تحرير جون هيلز، جوليان لوغران، دافيد بياشو، ترجمة وتقديم أ. د. محمد الجوهري، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة العدد ( 344 )، رمضان / 1428 ه – مايو 2007 م.
- بلوتارك ( فلوطخرس ): " تاريخ أباطرة وفلاسفة الإغريق"، ترجمة جرجيس فتح الله، ط1، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 1430 ه – 2010 م.
- بورتشارد، تانيا وجوليان لوغران ودافيد بياشو: " المقدمة " لكتاب: " الإستبعاد الإجتماعي: محاولة للفهم "، تحرير جون هيلز، جوليان لوغران، دافيد بياشو، ترجمة وتقديم أ. د. محمد الجوهري، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة العدد ( 344 )، رمضان / 1428 ه – مايو 2007 م.
- تورين، آلان: " نقد الحداثة "، ترجمة أنور مغيث، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 1997 م.
- جاكوبي، رسل: " نهاية اليوتيوبيا: السياسة والثقافة في زمن اللامبالاة "، ترجمة فاروق عبد القادر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة العدد ( 269 )، صفر / 1422 ه – مايو 2001 م.
- جينبير، شارل: " المسيحية: نشأتها وتطورها"، ترجمة د. عبد الحليم محمود، المكتبة العصرية، صيدا – بيروت، بدون تاريخ.
- داروين: "التعبير عن الإنفعالات في الإنسان والحيوان " ( ترجمة وتقديم مجدي محمود المليجي، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2005 م ).
- _______: " أصل الأنواع: نشأة الأنواع الحية عن طريق الإنتقاء الطبيعي أو الإحتفاظ بالأعراق الحية في أثناء الكفاح من أجل الحياة"، ترجمة محمود المليجي، تقديم سمير حنا صادق، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، 2004 م).
- عبود، د. منى أحمد: " الميمات : نظرية تطورية في تفسير الثقافة"، ط1، بيسان للنشر، بيروت، 2008 م.
- غدنز، أنتوني: " علم الإجتماع"، ترجمة وتقديم د. فايز الصباغ، ط 4، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2005 م.
- ماركس، كارل: " مخطوطات 1848 "، ترجمة محمد مستجير مصطفى، دار الثقافة الجديدة، بدون بيانات أخرى.
- ماكنايت، أبيغيل: " العمل المنخفض الأجر: إطعام الفقراء بالقطارة "، في كتاب: " الإستبعاد الإجتماعي: محاولة للفهم "، تحرير جون هيلز، جوليان لوغران، دافيد بياشو، ترجمة وتقديم أ. د. محمد الجوهري، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة العدد ( 344 )، رمضان / 1428 ه – مايو 2007 م.
- مور، بارينجتون: " الأصول الإجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية: اللورد والفلاح في صنع العالم الحديث"، مع تصدير لإدوارد فريمان وجيمس سكوت، ترجمة أحمد محمود، ط1، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008 م.
- هوبكرافت، جون: " الإستبعاد الإجتماعي والأجيال "، في كتاب: " الإستبعاد الإجتماعي: محاولة للفهم "، تحرير جون هيلز، جوليان لوغران، دافيد بياشو، ترجمة وتقديم أ. د. محمد الجوهري، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة العدد ( 344 )، رمضان / 1428 ه – مايو 2007 م.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مظاهرات في لندن تطالب بوقف الحرب الإسرائيلية على غزة


.. كاميرا سكاي نيوز عربية تكشف حجم الدمار في بلدة كفرشوبا جنوب




.. نتنياهو أمام قرار مصيري.. اجتياح رفح أو التطبيع مع السعودية


.. الحوثيون يهددون أميركا: أصبحنا قوة إقليمية!! | #التاسعة




.. روسيا تستشرس وزيلينسكي يستغيث.. الباتريوت مفقودة في واشنطن!!