الحوار المتمدن - موبايل


الجامع والجامعة

كامران جرجيس

2015 / 5 / 18
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



كامران جرجيس
قبل عدة ايام ذهبت الى جامعتي القديمة، جامعة روسكيلده في الدنمارك حيث درست الادب الانكليزي ودراسات التنمية الدولية لمدة خمسة أعوام ونيف، ذهبت الى هناك كي اجد أجوبة على بعض الاستفسارات كانت تشغل بالي منذ فترة. وفور وصولي الى الجامعة أستذكرت أقسامها ومكتبتها الثرية وزائرها من الطلبة والباحثين والزوايا التي كنت أجلس فيها وأدرس لساعات طويلة اثناء الدراسة، روادني إحساس غريب.
كنتُ سعيداً برؤية المكان الذي عّلمني البحث وفهم الاشياء وفق تحليل علمي معمق وليس الاستسلام لما هو ثابت في الكتب والنظريات بل الغوص في العمق وكشف ما هو موجود وراء الكلمات والافكار المطروحة وتفكيكه وبنائه من جديد بطريقة أفضل من القبل. كنت أشعر أنني مدين لهذا المكان الذي عّلم من قبلي أجيالا من الطلبة ومازال مستمراً في تعليم الاجيال اللاحقة مستقبلا.
الجامعة تختلف عن المدرسة- المدرسة تُعلم ما هو مقرر في الكتب والمناهج ، فيما إن الجامعة هي المكان لتفكيك وحتى هدم ما هو ثابت ومعترف بها من الافكار والنظريات وإعادة بناءها بطريقة تواكب تطور عقل الانسان والتغييرات في المجتمع . الجامعة هي حقا مكان مقدس بل من وجهة نظري هي حتى اكثر قدسية من الجوامع والكنائس، لان الجامع ودورالعبادة بشكل عام يتعامل مع الثوابت المذكورة في الاديان والجانب الروحي للانسان، فيما ان الجامعة ترفض الاعتراف بالثوابت وتعشق الدينمايكية والتجدد في الحياة وتريد اثارة عقل وفضولية الانسان وكشف جوانبه الابداعية. لان الانسان هو الذي يبني المجتمع إن بُنيَّ هو على أساس صحيح وصحي.
بعد جولة قصيرة بين رفوف الكتب في المكتبة وإستنشاق رائحة صفحات بعض الكتب التي اثارت اهتمامي، قررت الذهاب الى قسم اللغة والادب الانكليزي أملا أن ألتقي وأحيّ بعض من أستاذتي السابقين، لم يحالفني الحظ، لم أرى الذين كنت مشتاقٌ لرؤيتهم لإسباب مختلفة، رأيت بالمقابل احد استاذة الشباب الذي كان طالبا في مرحلة الدكتوراه حين كنت طالبا في مرحلة الماجستير في الجامعة، بعد تبادل السلام والتحيات سألته عن إخبار أحد أساتذتي المرموقين الذي دَرسّني مادة قواعد اللغة الانكليزية، قال لي إنه بصحة جيدة لكنه ذهب الى التقاعد وعاد الى مدينته الاصلية كي يعيش بقية حياته بالاعتزاز والاحترام بعدما أدى واجبه كإنسان وأستاذ تجاه الانسانية والمجتمع.
بعد ان سُمعت قصة استاذي القديم، روادني شعور مفاجىء بالحزن لأنني فكرت بإحوال المتقاعدين من الاستاذة والمُعلمين والكُتّاب والصحفيين والشعراء والمُمّثلين والموظفين العاديين في بلدان عريقة مثل مصر وسوريا والعراق على سبيل المثال، وسألت نفسي ياترى هل أن هؤلاء ينعمون براتب تقاعدي يليق بما قدموا من الجهود والاطروحات والابداع لمجتمعاتهم خلال العقود الماضية وياترى هل يحظون بإحترام الناس والمجتمع مثل القبل في ظل الظروف البائسة والاضطرابات السياسية والاجتماعية التي تمر بها هذه البلدان؟
أتمنى ذلك من كل قلبي وأتمنى أن تتمكن جامعاتنا من إستعادة مكانتها المرموقة في المجتمع وان تكون مكانا لتعليم الطلبة البحث العلمي الصحيح وإعتناق قيم التسامح والانفتاح على الحضارات الاخرى والاعتراف بالاخر المختلف ورفع علامة الاستفهام بوجه إية فكرة وأيدولوجية أخرى قبل قبولها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. روسيا تستهدف ميليشيات الإخوان ذراع أردوغان في سوريا


.. العلمانية مرادف لحرية التعبير وكفيل للحريات في فرنسا


.. المرصد السوري: -فيلق الشام- هو الجناح العسكري لتنظيم الإخوان




.. شاهد: الإغلاق جراء كورونا يجبر الكهنة في فنزويلا على إقامة ا


.. -العلمانية- و-إزدراء الأديان- في فرنسا