الحوار المتمدن - موبايل


تداعيات الحرب النفسية على المجتمع السوري

جاك جوزيف أوسي

2015 / 5 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


إن معيار النصر والهزيمة في الحروب الحديثة يُقاس بقدرة أحد الطرفين المتحاربين على تحقيق معظم الأهداف التي أعلن عنها في خطته الاستراتيجية ومنع الطرف الآخر من تحقيق مأربه. وفي سبيل تحقيق ذلك يستخدم كلا الطرفين الوسائل التقليدية وغير التقليدية كافة لتحقيق أهدافه وفرض إرادته على غريمه.

من هذا المنطلق، تعتبر الحرب النفسية إحدى الوسائل غير التقليدية المستخدمة في الصراعات الدولية، والتي تستهدف بشكل مباشر القوات العسكرية والجبهة الداخلية للدولة المستهدفة. والسبب وراء شن هذا النوع من الحروب على القوات المسلحة هو القضاء على الروح المعنوية وتحطيم الرغبة القتالية في القطعات العسكرية بهدف القضاء عليها أو إخراجها من ساحة المعركة بأقل الوسائل والتكاليف والخسائر. أما استهداف الجبهة الداخلية فيهدف إلى نشر البلبلة والذعر بين المواطنين، وخلق حالة من انعدام الثقة بينهم وبين حكومتهم بهدف عزلها عن قواعدها الشعبية كخطوة أولى للقضاء عليها. والأمر الذي يساعد على شن الحرب النفسية ضد مجتمع دولة ما هو وجود حالة من انعدام الثقة المزمنة بين بعض القطاعات الشعبية والحكومة القائمة في هذه الدولة، مما يسمح ويسهّل عملية زعزعة الثقة في المجتمع وامتدادها إلى القواعد المؤيدة لهذه الحكومة إن لم تعمل على تغيير سياساتها وسد الثغرات الموجودة في أجهزتها وإداراتها وتباشر بإجراءات بناء الثقة بينها وبين مواطنيها جميعهم.

ومنذ بداية الأزمة السورية، تعرّض المجتمع السوري لحرب نفسية شرسة، قامت بها أجهزة استخباراتية ومؤسسات إعلامية امتلكت قاعدة بيانات هائلة وبنكاً للأهداف الواجب تدميرها، بهدف تمزيق المجتمع السوري إلى طوائف متناحرة وزعزعة استقرار القواعد الشعبية التي شكلت الرافعة والأساس الصلب لدعم الدولة بهدف النيل من إرادتها وخياراتها السياسية، وحرفها عن دعم القضايا المصيرية للأمة العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وقد ساعد على إنجاح هذا الأمر في بدايته عدم التطبيق الحازم للفصل بين السلطات في الدولة، والتغاضي عن بعض الممارسات غير القانونية لبعض الأفراد في المؤسسات والأجهزة الرسمية، وعدم الجدية في مكافحة الفساد الذي تحوّل للأسف إلى عادة اجتماعية وثقافية في سورية. ومع اشتداد الأزمة والتداعيات التي رافقتها على نمط حياة المواطن بدأ الشك يتسرب إلى نفسه من جراء عدم مكافحة الدولة لبعض مظاهر الفساد والتسيب التي بدأت بالظهور، والتي أثارت حنق حتى الحاضنة الشعبية للحكومة.

هذه الحرب النفسية كانت تشتد كلما تعرض سير العمليات العسكرية لنكسات، أو قبل البدء في إي مباحثات بهدف الوصول إلى حل سياسي ينهي هذه الأزمة التي تعصف بالبلاد، وذلك عن طريق تعظيم النكسات التي يتعرض لها الجيش العربي السوري وتصويرها على أنها هزائم نكراء، أو التقليل من شأن الانتصارات التي يحققها في الميدان، أو عن طريق نشر الشائعات التي تستهدف بعض القيادات بهدف ضرب الروح المعنوية في الشارع السوري. وكانت الوسيلة المثلى، ولا تزال، لهذه الحرب النفسية نشر مقاطع لعمليات قتل تمت على أساس طائفي بهدف شق المجتمع السوري وتدميره عن طريق استثارة الطرف الآخر وجرّهِ لارتكاب جرائم مماثلة، الأمر الذي لم تفلح به وإن تركت أثراً في نفوس بعض المواطنين قد لا يمحى بسهولة.

الحل الأمثل لمواجهة هذه الحرب الشعواء التي تستهدف سورية دولة وشعباً هو تفعيل دور القانون، والضرب بيد من حديد على الفاسدين والمفسدين، ومحاربة أثرياء الحرب الذين يتكاثرون كالطفيليات الضارة في المجتمع، ويهددون السلم الأهلي بهدف زيادة أرباحهم، واعتماد الشفافية والصراحة المطلقة في نقل الأحداث، والابتعاد عن نظرية المؤامرة، والبدء في البحث الجدي عن الأسباب التي أدت إلى تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في الدولة لمعالجتها وفق أسس علمية صحيحة. إضافة إلى العمل على تعزيز الوحدة الوطنية باعتماد خطاب يقوم على إعلاء شأن المواطن بعض النظر عن انتمائه، وبذلك نكون قد بدأنا بتحصين جبهتنا الداخلية، وسد الثغرات فيها لمنع تسلل العملاء وضعاف النفوس إلى قلب المجتمع، واللعب على التناقضات الموجودة فيه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ليبيا..إخراج المرتزقة شرط ضروري لتوحيد المؤسسة العسكرية


.. توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا أبرز التحديات | #غرفة_الأخبا


.. بايدن: رفع طهران التخصيب إلى 60% لا يسهم بإنهاء الأزمة




.. الصين: تايوان وشينغيانغ من الشؤون الداخلية ولا ينبغي التدخل


.. سوريا..ترقب لردود الفعل الحكومية والمعارضة بشأن وثيقة الدستو