الحوار المتمدن - موبايل


لا سلطان على العقل إلا العقل نفسه

حسام المنفي

2015 / 5 / 25
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


يرى الفيلسوف اليوناني العظيم أرسطو طاليس ، أن السعادة القصوى التي يمكن أن يبلغها أي إنسان تكمن في ممارسة عمليات الفكر و التأمل والنظر العقلي ، ففي حين أننا نضع لأنفسنا غايات وأمال مختلفة نعمل جاهدين لبلوغها واقتناصها مثل (المال ، السلطة ، الجنس ، الذرية ...إلخ) إلا أن هذه الغايت لا تنطوي في ذاتها على السعادة الخالصة ،و رغم أن أرسطو يوافقنا الرأي على أن هذه الممارسات والأفعال تنطوي على مقدار ليس بالقليل من اللذة ،إلا أنه يرى أن السعادة الخالصة النقية التي لا يشوبها شائبة تكمن في ممارسة العقل لوظيفته التي وجد من أجلها والتي من دونها لا يبلغ الإنسان الغاية من وجوده ، فالغاية من وجود الإنسان هي ممارسة عملية التفكير والتأمل التي من خلالها يرتقي الإنسان إلى منزلة تضاهي منزلة الألهة ، وعلى العكس من ذلك ، فمن يتنازل عن حقه المشروع في استعمال عقله وابداء رأيه وفقا لقواعد العقل والمنطق ، ومن يدعي أن ثمة سلطة أعلى من سلطة العقل فإنه ينحدر إلى مرتبة أدنى من مرتبة الإنسانية . يقول أرسطو " إن أخر ما ينشأ من ملكات النفس هو ملكة العقل ، وإذا سلمنا بهذا يتبين لنا أن ملكة العقل بحسب طبيعتها هي هدفنا وأن استخدامها هو الغاية الأخيرة التي من أجلها نشأنا " ويقول في موضع أخر " أن كل شيء يوجد من أجل العقل ، وأن فاعلية العقل هي التفكير . والعقل هو أرفع الأمور قيمة في مجال النفس ومن أجله وحده يكون كل شيء . والإنسان إذا حرم العقل وحده تحول إلى حيوان ، وأما إذا تحرر من غير المعقول وتمسك بالعقل فقد صار شبيها بالألهة "(1) . ويفرق فيلسوف قرطبة العظيم "ابن رشد" بين ثلاثة أنواع من المعرفة : خطابية ، وجدلية ، وبرهانية ، وأدقها البرهانية لأنها تبدأ من المبادىء الأولى للعقل ، حيث تعتمد المعرفة البرهانية على عملية القياس ، والقياس هو "قول مؤلف من مقدمتين إذا سلمت بهما لزم عنهما نتيجة " وكثيرا ما كان ينتقد ابن رشد أولائك المخرفيين الذين يحقرون من شأن العقل وخاصة الذين يسندون الظواهر الطبيعية لعلل وأسباب خارقة لقوانين العقل . يقول " والعقل ليس هو شيأ أكثر من إدراكه الموجودات بأسبابها وبه يفرق من سائر القوى المدركة . فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل . وصناعة المنطق تضع وضعا أن ههنا أسباب ومسببات وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابها . فرفع هذه الأشياء مبطل للعلم ورافع له(2) " . وعندما سؤل الفيلسوف الألماني عمانويل كانط عن معنى (التنوير) . قال "التنوير هو تحرير الإنسان من حالة وصاية يفرضها على نفسه . من عجز عن استخدام ذكائه دون توجيه خارجي . إنني أقول إن حالة الوصاية هذه مفروضة ذاتيا إذا كانت ناجمة ، ليس عن افتقار إلى الذكاء ، وإنما عن نقص في شجاعة الفرد أو في تصميمه على استخدام ذكائه دون مساعدة من قائد(3)" معنى هذا أن كانط قد ربط بين مفهوم التنوير من جهة وبين استخدام ملكة الذكاء أو العقل من جهة أخرى ، ويرى أيضا أن الوصاية التي تفرض على عقل الفرد سببها ، عجزه وجبنه وتردده في استخدام عقله . ويختتم كانط حديثه بعبارة أكثر من رائعة . يقول : اسمعني . تشجع واستخدم ذكائك أنت ، إن هذا في التنوير هو صيحة الحرب . أي كن جريئا في إعمال عقلك . وفي كتاب (ثقافتنا في مواجهة العصر) للدكتور زكي نجيب محمود تراه يربط بين الدرجة التي تبلغها أي أمة في سلم الحضارة من جهة وبين ما بلغته من استخدام العقل وعدم الركون إلى سلطة تفوق سلطة العقل من جهة أخرى ، فثمة علاقة طردية بين الحضارة والعقل ، بمعنى أنه كلما ازدادت سلطة العقل بين أبناء أمة ما ، كلما ارتقت تلك الأمة أكثر في سلم الحضارة والمدنية يقول " سلطان العقل -إذن- هو مدار القياس لدرجات الحضارة ، فقل لي كم عقلت أمة في تدبيرها لأمورها ، أقل لك كم صعدت في مدارج التحضر (4) " .
هكذا ينظر أغلب الفلاسفة إلى ملكة العقل ؟ نظرة مفعمة بالتقدير والإحترام ، لأنهم كما أشرنا من قبل يقيمون صلات وروابط وثيقة بين استخدامنا لعقولنا من جهة وبين التأكيد على إنسانيتنا من جهة أخرى . وفي الحقيقة فأنا أراهم على صواب فيما ذهبوا إليه ، لأنه إذا سلبت منا عقولنا وضمائرنا كما يريدون منا دعاة الماضي ، عباد السلف الذين جعلوا من النص الديني صنم يعبد من دون الله . أقول : فماذا يبقى لنا إذا سمحنا لهم أن يجردونا من عقولنا ويحيلونا إلى مجرد أتباع أو دمى لا حول لنا ولا قوة أمام ما يقره ويرتضيه نفر من كهنة العصور الوسطى ؟ أعتقد في هذه الحالة لن يكون ثمة فروق تذكر بيننا وبين باقي الكائنات الأخرى . أي ستتحول المجتمعات البشرية التي أنتجت على مر العصور حضارات زاخرة بالفنون والعلوم والأداب ... إلخ إلى مجرد قطعان من البشر (أقصد قطعان من الحيوانات البرية) ، نأكل ونشرب ونتزاوج وننجب الذرية ، ولا حاجة لنا إذن للتأمل والتفكير وإعمال العقل لأن أسلافنا من الفقهاء والمشايخ الذين غادروا عالمنا من مئات السنين قد وفروا علينا مشقة البحث وعناء التفكير لأن عقولنا مهما بلغت براعتها وقوتها في مجالي الإستدلال والإستنباط العقلي فهي قاصرة وعاجزة إذا قورنت بعقول أئمة الصحراء .
===========================================
(1) د . مصطفى النشار . "أرسطو والمدارس المتأخرة ص169" . دار الثقافة العربية.
(2) فرح أنطون . "ابن رشد وفلسفته ص149" . تقديم د . مراد وهبة . الهيئة المصرية العامة للكتاب .
(3) كارل بوبر . "بحثا عن عالم أفضل ص161" . الهيئة المصرية العامة للكتاب .
(4) د . زكي نجيب محمود . "ثقافتنا في مواجهة العصر ص206" . الهيئة المصرية العامة للكتاب .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الاختيار2 بالصدارة وانسحاب من مشاهدة -موسى-.. دراما رمضان 20


.. وفد أمني مصري يصل إلى قطاع غزة في مسعى للتهدئة


.. عاجل | كلمة للرئيس الفلسطيني محمود عباس#




.. دمار كبير يلحق بالمنشآت المدنية والأبراج السكنية جراء القصف


.. مراسـلة آر تي: حشـود عسـكـرية بـرية إسرائيلية كبيرة على حدود