الحوار المتمدن - موبايل


كل ما أعرفه إني لا أعرف شيئاً .

حسام المنفي

2015 / 8 / 14
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


كان ثمة صديق مقرب للفيلسوف اليوناني العظيم "سقراط" يدعى "شيرفون" ،و في يوم ما أراد شريفون هذا أن يتقصى عن المدى الذي وصل إليه صديقه سقراط من الحكمة والمعرفة ، فذهب إلى معبد (دلفي) ليسأل راعية المعبد " إن كان هناك من هو أحكم من سقراط ؟" فأجابته الراعية " أن ليس بين الرجال من هو أحكم من سقراط بل هو أحكم الناس وأكثرهم معرفة " .
ولما سمع سقراط بشهادة الراعية التي تتحدث بإسم ألهة معبد دلفي عن حكمته ومعرفته التي لا تضاهيها حكمة وعن معرفته التي بلغت أفاق السماء ، أخذ يفكر ويتسائل لماذا جاء جواب الراعية على هذا النحو ؟ وما المقصود بقول الألهة بأنني أحكم الناس وأكثرهم معرفة وأغزرهم علما مع أنني في واقع الأمر لا أملك من الحكمة إلا النزر اليسير ؟ " . فأراد سقراط أن يتثبت من شهادة الألهة ، فأخذ يحاور ويجادل الساسة والمفكرين والشعراء والفنانين والصناع ...إلخ حتى يتسنى له الوقوف على حقيقة شهادة الألهة التي جائت على لسان راعية المعبد . فكانت النتيجة التي توصل إليها سقراط بعد تلك المحاورات والمجادلات هي : رغم أنهم جميعا يفتقرون إلى الحكمة والمعرفة اليقينية بما فيهم سقراط نفسه . إلا أن سقراط أدرك أنه أفضل حالا منهم لأنه يدرك حقيقة جهله وافتقاره إلى الحكمة والفضيلة ، على عكس محاوريه الذين يدعون الحكمة والمعرفة والفضيلة رغم جهلهم وضحالة معرفتهم . ويتبلور موقف سقراط من هذه القضية في هذه العبارة الفريدة "كل ما أعرفه إني لا أعرف شيئاً " ويقول سقراط في محاورة الدفاع " إني وإن كنت أعلم أن كلينا لا يدري شيئا عن الخير والجمال . فإنني أفضل منه حالا ، لأنه يدعي العلم وهو لا يعلم شيئا ، وأما أنا فلا أدري ، ولا أزعم أنني أدري ، ولعلي بهذا أفضله قليلا " ويقول أيضا " كأنما أراد أن يقول (يقصد الله أو ألهة المعبد) أن من يدرك كما أدرك سقراط أن حكمته في الحقيقة لا تساوي شيئأ ، يكون أحكم الناس " .
هكذا كان ينظر سقراط (من وجهة نظري) إلى الحكمة على أنها شعور ملازم للفرد يذكره بافتقاره الدائم للمعرفة ويحضه على السعي ورائها ، ونزوع إلى التعلم ، وممارسة عملية التفكير بصفة مستمرة ، والبحث عن الحقيقة أيا كان مصدرها وكنهها وجوهرها . ولكن السؤال هنا : ماذا لو كان سقراط قد فهم كلام راعية المعبد على وجه أخر غير الذي توصل إليه بعد عمليات البحث والشك والنقد الذي مارسها عن طريق الحوار والجدل ؟ بمعنى ما هو المصير الذي كان ينتظر مسيرة سقراط الفكرية والفلسفية لو اعتقد فعلا أنه أحكم الناس وأكثرهم معرفة وأغزرهم علما ، وأنه وصل إلى أعلى مراتب العلم والمعرفة حيث أصبح غير محتاج أصلا للإستزادة من المعارف والعلوم المختلفة ؟ أتصور في هذه الحالة أن سقراط كان سيصاب بالجمود وكان سيتوقف في الحال عن ممارسة التفكير وكان عقله سيصاب بالضمور لأنه ببساطة سيكون في هذه الحالة المفترضة اقتنع بما لديه من معارف ورضي بما حصله من علوم وما اقتنصه من حكمة ، أي أنه كان سيسقط في شرك الدوجماطيقية التي هي أفة كل فكر .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الاختيار2 بالصدارة وانسحاب من مشاهدة -موسى-.. دراما رمضان 20


.. وفد أمني مصري يصل إلى قطاع غزة في مسعى للتهدئة


.. عاجل | كلمة للرئيس الفلسطيني محمود عباس#




.. دمار كبير يلحق بالمنشآت المدنية والأبراج السكنية جراء القصف


.. مراسـلة آر تي: حشـود عسـكـرية بـرية إسرائيلية كبيرة على حدود