الحوار المتمدن - موبايل


محمد عبده . رائد الإصلاح الديني في الفكر العربي الحديث

حسام المنفي

2015 / 9 / 16
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


كان الإمام محمد عبده (1849 - 1905) يرى إمكانية العثور على خيط رفيع يربط بين العقل والعلم من جهة وبين الوحي والإيمان من جهة أخرى ، كان يريد أن يزاوج بين مناهج العلم الحديث الذي هو نتاج الحضارة الغربية الحديثة بطبيعة الحال وبين التراث الإسلامي . باختصار شديد كان يريد عقلنة الدين (إذا جاز التعبير) ، أي إخضاع النصوص الدينية لمنطق العقل وإلى المعايير الأخلاقية والجمالية ، بمعنى أنه إذا تعارض العقل مع ما جاء به الوحي نأخذ بما ذهب إليه العقل .
وبغض النظر عن مدى إتفاقنا أو إختلافنا مع أراءه الفكرية والسياسية أو الدينية ، فإننا لا نستطيع بأي حال من الأحوال انكار دوره الريادي في مجال الإصلاح الديني وتجديد الخطاب الديني ، والعمل على تصفية المعتقدات والتصورات الدينية من الخرافات والأساطير وكل ما يناهض العقل والمنطق . إذن فنحن أمام داعية مستنير ، ومفكر عقلاني من الدرجة الأولى ، ومجدد من مجددي الإسلام الذين ينادون دائما بفتح باب الإجتهاد . ونحن في هذا المقال سنسلط الضوء على بعض النصوص التي جائت في كتابه "الإسلام بين العلم والمدنية" والتي بدورها ستضعنا أمام جوهر منهجه الذي يعتمد في المقام الأول على النظر العقلي وتقديم العقل على ما جاء به ظاهر الشرع عند التعارض .
----------------------------------
1- النظر العقلي لتحصيل الإيمان .
----------------------------------
يرى الأستاذ محمد عبده أن الأصل الأول من أصول الإسلام هو النظر العقلي لتحصيل الإيمان ، أي يجب على المرء قبل أن يعتقد في فكرة معينة أو حينما يعتنق تصور ما أن يضع مسبقا تلك الفكرة أوذلك التصور في ميزان العقل والمنطق قبل أن تترسخ تلك الفكرة في وجداننا وقبل أن يتوطد ذلك التصور في نفوسنا ، أي أن إعتقاداتنا وتصوراتنا عن الله ،النفس ،الحياة الأخرى... إلخ يجب أن تكون مرتكزة أساسا علع التفكير المنطقي ، أي أن الإيمان هو ثمرة الفكر الواعي المبدع ، الذي يحلق في أفاق الحرية . يقول : فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي . والنظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح فقد أقامك منه على سبيل الحجة وقاضاك إلى العقل ، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته ، فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه . ومع أننا نقر ونعترف بسمو هذه الفكرة ورقي منطقها بل أننا كثيرا ما ننحاز لها وندعوا إليها إلا أننا لا نستطيع إغفال ما يدور حولها من صعوبات وما يعتريها من صغرات وما يوجه إليها من سهام النقد . وأكثر الإنتقادات التي يمكن أن تواجهها هذه النظرية هو : كيف يقضي العقل في أمر التجربة الإيمانية أو بمعنى أدق (التجربة الصوفية بمعناها الرحب) وكما نعرف أن الإيمان يخاطب القلب والوجدان ، فالتجربة الصوفية مثل الفن والحب ، فهي تجربة وجدانية في الأساس لا تخضع لمناهج الإستدلال وإنما تعتمد كلية على الحدس المباشر أي أنها من عمل الإرادة وليست من عمل العقل . هذا عن الجانب الروحاني من الدين . ونحن نوافقهم إلى حد بعيد . ولكن ماذا عن النصوص الدينية التي تحمل في ثناياها قواعد ومعايير للسلوك الإنساني يسير على دربها وينتهج نهجها ويتبع خطواتها . هل نقبل هذه النصوص على علاتها دون نقد ولا شك ولا تمحيص حتى وإن تعارضت هذه النصوص مع الحس الجمالي لدينا ؟ هل نذعن لسلطتها وكل واحد منا مغمض العينين ، خانع لنفوذها الروحي دون أن نقف مع أنفسنا وقفة صدق ولو لبرهة لنتثبت من كونها متسقة مع ما نؤمن به من قيم إنسانية رفيعة مثل الخير ، الحب ، الجمال ، التسامح ، الحرية ، قبول الأخر المختلف ...إلخ أم أن ما تدعو إليه تلك النصوص مخالفة ، مخالفة سافرة لهذه القيم الإنسانية النبيلة ؟
----------------------------------------------
2-تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض .
----------------------------------------------
هنا يجاوبنا الإمام محمد عبده على تلك التساؤلات التي طرحناها في الفقرة السابقة بقوله :أسرع إليك بذكر أصل يتبع هذا الأصل المتقدم قبل أن أنتقل إلى غيره . اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلا ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل ، وبقي في النقل طريقان : طريق التسليم بصحة المنقول مع الإعتراف بالعجز عن فهمه ، وتقويض الأمر إلى الله في علمه ، وطريق تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل .
-----------------------
3-قلب السلطة الدينية .
-----------------------
لا يخفى على أي عاقل أن الإبداع في جميع مظاهره وخاصة عندما يتعلق بمجالات الفكر والفن والثقافة لا يتأتى إلا إذا اقترن بحرية التفكير أي أن ثمة علاقة طردية بين الإبداع من جهة وحرية التفكير من جهة أخرى أي كلما زادت مساحة الحرية بين أفراد المجتمع كلما زادت إبداعات المفكرين والأدباء والفنانين...إلخ وبالضد فإن تقلصت مساحة الحرية داخل المجتمعات قلة مظاهرالإبداع أو تكاد أن تتلاشى ، وهذه الرؤية تنسحب أيضا على العلوم بجميع فروعها ومجالاتها فإن حرية الفكر تعد تربة خصبة تساعد على إزدهار العلوم ونموها . ولترسيخ حرية الفكر في صميم العقل الجمعي لأي مجتمع لابد أن يتمرد افراد هذا المجتمع أولا على كل أشكال السلطة ويتملص من كل صورالتسلط والقهر والتعسف . ولهذا كان محمد عبده يدعوا جميع المسلمين أن يقرأوا كتابهم المقدس ويفهموا منه ما ارتضته عقولهم واطمأنت إليه قلوبهم دون وسيط من أحد والنتيجة المنطقية التي ستترتب على هذا المبدأ هي انتفاء السلطة الروحية المتمثلة في رجال الدين والهيئات والمؤسسات الدينية ، يقول : لكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله وعن رسوله من كلام رسوله ، بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف ، وإنما يجب عليه قبل ذلك أن يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم ، كقواعد اللغة العربية وأدابها وأساليبها وأحوال العرب خاصة في زمان البعثة وما كان الناس عليه زمن النبي . وما وقع من الحوادث وقت نزول الوحي ، وشيء من الناسخ والمنسوخ من الأثار . فإن لم تسمح فه حاله بالوصول إلى ما يعده لفهم الصواب من السنة والكتاب فليس عليه إلا أن يسأل العارفين بهما ، وله بل عليه أن يطالب المجيب بالدليل على ما يجيب به سواء كان السؤال في أمر الإعتقاد أو في حكم عمل من الأعمال .
-------
خاتمة .
-------
وفي النهاية لا أخفي عليكم أنني تمنيت من أعماق قلبي لو أن المشتغلين في مجال الدعوة أن يحذوا حذوه ويتخذوه قدوة لهم وينتهجوا نهجه . ولكن التمني وحده لا يكفي خاصة في ظل الخطاب الديني المهيمن والمسيطرعلى عقول وضمائر المسلمين في الأونة الأخيرة وبصفة خاصة في مصر ، وكما تعرف فهو خطاب مفعم بالجهل والكراهية ، يحض على التطرف وينشر الخرافات ويسطح العقول ويفسد الضمائر ، كما أنه يعطي جل اهتماماته للعبادات والطقوس والشعائر الدينية على حساب الأخلاقيات والمعاملات والقيم التي تحض على الإتقان في العمل والنظام والعدل واحترام الأخر وحب الجمال .. إلخ فالمؤمن الحق من وجهة نظرهم هو من يؤدي الفرائض والعبادات ويقيم الشعائر الدينية حتى وإن كانت سلوكياته منافية للقيم الأخلاقية والجمالية ، كما أنه خطاب إقصائي من الدرجة الأولى ، يحتكر الحقيقة ، ويرفض الأخر ، ويعمل على إقصاء كل المخالفين له والمختلفين معه . فهو يتعامل بمنطق (إما أو) إما أنا أو الأخر ولا يوجد حل وسط بينهما. كفار ومؤمنين ، دار الكفر ودار الإسلام . والطامة الكبرى هي أن عقولهم المريضة تصور لهم أن السبب الرئيسي في تخلف وانحطاط المجتمعات والدول الإسلامية هو أن المسلم لم يعد يعير اهتماما لفريضة الجهاد. وكأن المسلم الحق من وجهة نظرهم هو الذي يفني حياته داخل سلسلة لا تنتهي من الحروب والقتل والدماء .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الاختيار2 بالصدارة وانسحاب من مشاهدة -موسى-.. دراما رمضان 20


.. وفد أمني مصري يصل إلى قطاع غزة في مسعى للتهدئة


.. عاجل | كلمة للرئيس الفلسطيني محمود عباس#




.. دمار كبير يلحق بالمنشآت المدنية والأبراج السكنية جراء القصف


.. مراسـلة آر تي: حشـود عسـكـرية بـرية إسرائيلية كبيرة على حدود