الحوار المتمدن - موبايل


إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير

عبد الخالق محجوب

2015 / 9 / 20
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية


عبد الخالق محجوب : إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير



الحزب الشيوعي السوداني

مكتب التثقيف المركزي


سلسلة محاضرات للمرشحين



مقدمة الطبعة الثالثة
جاء في مقدمة الطبعة الثانية لوثيقة (اصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير) عرضا جيدا ووافيا أغنانا عن عرض وشرح لها ولو موجز ، وكانت الطبعة الثانية قد صدرت ضمن مقرر المرشحين(العضوية الجديدة) في يناير 1984م، ونلاحظ انه مضي حوالي 25 عاما منذ صدور الطبعة الثانية، وطبيعي انه جرت مياه كثيرة تحت الجسر وحدثت متغيرات نأخذ منها علي سبيل المثال لا الحصر:
• اندلاع انتفاضة مارس – ابريل 1985م، وخروج الحزب من ظروف السرية الي حياة العلنية، وخاض الحزب معارك جماهيرية واسعة كانت وثيقة (اصلاح الخطأ) خير عون ومرشد للكادر والعضوية الجديدة التي دخلت الحزب بعد ردة يوليو 1971م مثل: معركة الانتخابات العامة عام 1986م، وانتخابات العمال والموظفين والمهنيين، ومعركة الاغاثة في السيول والفيضانات عام 1988م، ومعركة اسقاط قانون الترابي، والاضراب العام عام 1988م ضد زيادة سعر السكر، والعمل الجماهيري الواسع في التحضير للعيد الأربعين للحزب الشيوعي. وظل مطروحا امام فروع الحزب ضرورة كسر حاجز العزلة و(عقابيل) السرية من خلال التواجد في منظمات الجماهير الاصلاحية( الاندية الثقافية والرياضية،والروبط والتعاونيات، الجمعيات الخيرية، ربات البيوت....) بهدف الارتباط بالجماهير من اجل التعلم منها وتعليمها. كما دخل الحزب في تحالفات واسعة مثل التجمع الوطني لانقاذ الوطن الذي قاد انتفاضة ابريل، وطرح الحزب اوسع تحالف لقوي الانتفاضة، وساهم في توقيع ميثاق الدفاع عن الديمقراطية، اضافة للتحالفات الثابتة للحزب مع القوي الديمقراطية في الاتحادات والجباه الديمقراطية والروابط الديمقراطية والاشتراكية وسط الطلاب والشباب والنساء والمهنيين والموظفين والعمال، والتي انتعشت وعقدت بعضها مؤتمراتها، اضافة للتحالف الديمقراطي في الاحياء، وغير ذلك من الاشكال التي ارتبط بها الحزب بالجماهير. كما تم انجاز المقرر الموحد للمرشحين وحدث تحسن في تدريب المرشحين واستيعابهم بشكل جيد كما أشارت وثيقة(اصلاح الخطأ)، ومدارس المعلمين الحزببين في المركز والمناطق، وتدريب الكادر في الداخل والخارج، وبذلك امسك الحزب بالمنهج السليم في التعليم الحزبي الذي أشارت له وثيقة(اصلاح الخطأ)، وهو: في التعليم الحزبي نقدم للمرشح البرنامج والدستور والمبادئ العامة للماركسية وتجربة الحزب كما هي ملخصة في وثائقة، اضافة للتدريب العملي في فرع الحزب ومواصلة التثقيف الذاتي بعد نيل المرشح للعضوية.
• وبعد انقلاب يونيو 1989م حدثت متغيرات محلية وعالمية اهمها الهزيمة المؤقتة للتجارب الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوربا، وفتح الحزب مناقشة عامة بهدف تجديد الحزب: تجديد برنامجه ودستوره ومنطلقاته الفكرية لتواكب تلك المتغيرات، وفي اتجاه الالتصاق والارتباط بشكل اوسع واعمق بواقعنا وجماهير شعبنا، حتي تم عقد المؤتمر الخامس وما صدر عنه من وثائق تؤكد ضرورة ارتباط الحزب بالنشاط الجماهيري، استنادا علي تقاليد حزبنا الايجابية ومنها تلك التي لخصتها وثيقة ( اصلاح الخطأ) التي نقدمها للاعضاء والمرشحين بهدف دراستها، وقد عبر الكثير من الأعضاء والفروع والمحاضرين عن ضرورة اعادة وثيقة (اصلاح الخطأ) ضمن المقرر الدراسي للفروع والمرشحين. ونحن اذ نقدم الوثيقة، ناخذ في الاعتبار المتغيرات التي حدثت في أشكال الاتصال بالجماهير حتي يمكن الاستفادة منها مثل: اتساع دائرة القنوات الفضائية، والموبايل وظهور وتطور شبكة المعلومات الدولية(الانترنت)، وما نتج عنها من صحافة الكترونية اضافة للورقية التي أشارت لها الوثيقة، كل ذلك يتطلب اتقان هذه الوسائط والاشكال لضمان وصول خطنا للجماهير. وكذلك بالاضافة للتنظيمات التي أشارت لها (وثيقة اصلاح الخطأ): ظهرت تنظيمات المجتمع المدني(التنظيمات غير الحكومية)، والتي أشارت لها وثائق الحزب مثل التقرير السياسي المجاز من المؤتمر الخامس: أشار التقرير السياسي الي ضرورة العمل فيها بشفافية وعلي أسس ديمقراطية، والعمل علي تحقيق اهدافها وضمان وصول المساعدات للذين يحتاجونها، والنأي بها عن شبهات الفساد و(الاجندة) الخارجية.
كما ساهم الحزب في اوسع تحالف للقوي السياسية المعارضة والحركات المسلحة في الجنوب والشرق ودارفور، وهو التجمع الوطني الديمقراطي وغير ذلك من اشكال التحالفات التي اشترك فيها الحزب بعد توقيع اتفاقية نيفاشا دفاعا عن الديمقراطية والحل الشامل والعادل لقضية دارفور وارجاع المشردين وتحسين احوال الناس المعيشية التي تدهورت بعد توقيع اتفاقية نيفاشا، وضد خصخصة مشروع الجزيرة وبقية المشاريع والمؤسسات الأخري ومن اجل ديمقراطية التعليم وحرية النشاط الطلابي والنقابي في الجامعات، كل ذلك يوضح ان الحزب راكم تجارب واسعة في أشكال الاتصال بالجماهير والقوي السياسية والاجتماعية الأخري، وهي تجارب واسعة وتحتاج الي تقويم ودراسة كما أشارت وثائق الحزب.
وأخيرا تم عقد المؤتمر الخامس، وصدرت وثائق المؤتمر والتي اكدت ضرورة الارتباط بشكل اعمق بالجماهير، كما أكدت ضرورة التدريب والتأهيل من اجل اتقان العمل وسط الجماهير، وفي هذا الصدد تلعب وثيقة (اصلاح الخطأ) التي نقدمها للمرة الثالثة للقراء دورا مهما وكبيرا في ذلك.
أبريل 2009م

مقدمة الطبعة الثانية
بعد عشرين عاما من الطبعة الأولي، تصدر الطبعة الثانية( اصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير)، كتبها عبد الخالق محجوب في صيف عام 1963م وقدمها لدورة اللجنة المركزية خلال ذلك العام، وقد صدرت وثائق ذات أثر هام وعميق في تطور الحزب بصورة عامة، وفي تأهيل الحزب خلال ظروف العمل السري وارهاب ديكتاتورية عبود العسكرية، ليلعب دوره في الحركة الجماهيرية والتحضير للاضراب السياسي العام، وبالصراع داخل صفوفه ضد الاتجاهات والافكار اليسارية الطفولية وأساليب العزلة والحلقية، فصدرت عن دورة يناير 1963م الوثيقة التي نشرت في مجلة الشيوعي العدد 116 ، وصدرت عن دورة سبتمبر هذه الوثيقة، ووثيقة عن صحافة الحزب، وعن خطة الستة اشهر لبناء الحزب، وفي العام نفسه ناقشت اللجنة المركزية وثيقة الخلافات في الحركة الشيوعية العالمية التي كشفت الانحراف اليساري في افكار ومواقف قيادة الحزب الشيوعي الصيني.
احتلت (وثيقة اصلاح الخطأ) كما نسميها اختصارا، مكانة هامة في ذهن أعضاء الحزب في تلك الفترة، لأنها أولا لخصت تجربة الحزب منذ نشاته بسلبياتها في العمل بين الجماهير، ليس باسلوب رصد السلبيات والايجابيات، لكن بالبحث والمناقشة في جذور المشكلة فكريا وسياسيا، بلا افتعال أو تعسف، الأمر الذي جعل كل مناضل شيوعي يجد حصيلة تجربته الشخصية وتجربة الهيئات الحزبية والجماهيرية التي عمل فيها ملخصة بهذا الشكل أو ذاك في الوثيقة.
اكتسبت الوثيقة أهمية اضافية من توقيت صدورها في فترة اشتد فيها الصراع الفكري داخل الحزب ضد أفكار وممارسات العزلة اليسارية الطفولية حيث جنحت قيادات بعض المناطق – خاصة في مديرية النيل الأزرق والمديرية الشمالية – نحو الاثارة، والشعارات وتواتر اصدار وتوزيع المنشورات والكتابة علي الجدران دون التفات لبناء الحزب، واستقرار قواعد حياته الداخلية، والتعليم الحزبي فسادت حالة الشللية المغلقة علي نفسها بين الشيوعيين، وملئ الفراغ بالثرثرة عن شئون الحزب، والتحليلات الفطيرة الساذجة عن ضعف النظام العسكري، والتعالي علي العمل البسيط اليومي بين الجماهير، حيث توجد الجماهير وتمارس حياتها سواء في نقابة أو نادي وجمعية خيرية، وأصبحت صلة الحزب بالجماهير وحيدة الجانب ومحصورة في المنشورات أو البيانات أو صحيفة اللواء الأحمر، فاذا لم تصدر منشورات أو بيانات، أحس عضو الحزب بالوحشة والفراغ، فلم تكن لفروع الحزب برامج عملها للصلة المتنوعة والدائمة بالجماهير في مجالاتها ، ولم تكن تراقب نشاط الأعضاء بين الجماهير في المجال ، مثل نشاط اعضاء فرع الحي في الجمعيات والأندية والشباب والنساء، ونشاط اعضاء فرع مجال العمل الثقافي وتعاونية المجال وغيرها من مؤسسات الجماهير بما في ذلك العلاقات الاجتماعية التي يمارسها الناس فيما بينهم من الافراح الي الاتراح الي تفقد احوال بعضهم بعضا.
ومن هذه الحالة السلبية عالجت الوثيقة مفهوم الخط الجماهيري بشقيه: فالعضو أو الفرع، الذي تتقلص علاقته بجماهير مجاله في توزيع المنشور أو البيان أو الصحيفة فقط، يعاني من قصور تصوره للخط الجماهيري، واعتبار أن دوره أو دور فرعه أو دور الحزب هو تعليم الجماهير، فاذا لم ينزل بيان أو منشور يعتقد الفرع أو العضو انه ليس هناك وسيلة تربطه بالجماهير ، وليس لديه مايقدمه للجماهير أو ربما لاوجود للحزب نفسه، وفي هذا التصور القاصر الوحيد الجانب، البورجزازي الصغير، تكمن عقلية العزلة المتعالية وممارستها، التي تهمل الشق الآخر من الخط الجماهيري – أي كاننا كأفراد وكحزب نتعلم من الجماهير، ولكيما نعلم الجماهير ونتعلم منها، لابد أن نتواجد ونعيش بينها ونسهم في كافة نواحي حياتها الايجابية النشطة، وأن يتسم تواجدنا ونشاطنا واسهامنا بين الجماهير بالتواضع ونكران الذات، وتلخيصا لمجمل تجاربنا، أشارت الوثيقة لمسألتين: الأولي أن الشيوعيين يعملون في كل منظمة جماهيرية في حدود أهدافها وأغراضها، سواء كانت النقابة كتنظيم للصراع الطبقي من اجل مطالب ومصالح العاملين وأساليب النشاط والصراع الذي تمارسه النقابات كالاضراب والمواكب الخ، او كانت جمعية خيرية يتواصل بها الناس مشايلة لمصاعب الحياة، او ناديا للترفيه أو الرياضة أو الثقافة، فالشيوعيون لايعملون في أي تنظيم جماهيري(للسيطرة عليه واستغلاله لأغراض حزبية) كما يدعي البورجوازيون. الشيوعيون يكسبون ثقة جماهير أي منظمة يعملون فيها بتفانيهم ونكران ذاتهم في خدمة الجماهير . وبهذا تقترب طلائع الجماهير في كل مجال من الحزب الشيوعي والفكر الشيوعي. فنحن لاندعي أننا احسن وأقدر الناس علي حل أي مشكلة وتولي كل مسئولية، نعترف لغيرنا أيضا بقدرات القيادة وحل المشاكل وتولي المسئولية ونتعاون معهم في اطار أهداف واغراض المؤسسة الجماهيرية المعينة ونتعلم منهم، وفي الوقت نفسه، نحن حزب له برنامجه وأفكاره ومواقفه، وله حقه وواجبه الدائم في كسب مؤيدين وأعضاء له، وقد صيغت هذه المسألة بوضوح في لائحة الحزب في بند علاقة الحزب بالنظمات الجماهيرية.
أما المسألة الثانية: مسلك الشيوعي الفرد بين الجماهير، حيث تقول الوثيقة: ( شعبنا لايفصل بين الفكرة والشخص الذي يبشر بها، وفي الحقيقة هل من الممكن أن يعتنق شخص فكرة سامية وهو مبتذل أو سفيه؟ ان جماهير شعبنا تسمع عن الفكرة الشيوعية، ولكنها تحكم عليها بمن تعرف من الشيوعيين السودانيين، لا الشيوعيين السوفيت أو الاندونسيين مثلا. وفي مجتمع مثل مجتمعنا به الرابطة القبلية والقروية، ويطلب من الفرد صفات كريمة كثيرة من نجدة واستقامة وأمانة..الخ، يلعب مسلك الأفراد من الشيوعيين دورا كبيرا في تقريب النظرة الشيوعية الي جماهير الشعب).
عليه يتضح أن الخط الجماهيري الذي يستند الي القاعدة الماركسية العامة(حيث الجماهير من الجماهير واليها، نعلم الجماهير ونتعلم منها) يعالج علاقة وصلة الحزب بالجماهير، وعلاقة وصلة فرع الحزب بالجماهير، وعلاقة وصلة عضو الحزب بالجماهير – ورأي وموقف الجماهير من الحزب والفرع والعضو وبهذا يتضح ان الخط الجماهيري، ليس العمل الجماهيري، فقد يمارس الحزب والفرع والعضو مختلف أشكال العمل بين الجماهير من توزيع منشور وصحيفة، الي نشاط في النقابات والاتحادات والمظاهرات الخ، لكن يبقي الخط الجماهيري مستقلا ومحتاجا لجهد اضافي ليصل الحزب والفرع والعضو الي علاقة وصلة صحيحة سليمة بالجماهير، أي أن يكون رأي وموقف الجماهير ايجابيا ومتجاوبا طوعا واختيارا بوعي من الحزب والفرع والعضو، وان تقترب طلائع الجماهير من الحزب تبعا لذلك.
ولكيما تشرح الوثيقة قضايا الخط الجماهيري اكثر من حصيلة التجربة، طرحت العديد من المواضيع مثل:
أ- فترة الترشيح بوصفها تجسيد لعائد نشاط الحزب بين الجماهير، وبوصفها ترجمة عملية لموقف الحزب وصلته وعلاقته بطلائع الجماهير التي تقترب منه، وبوصف المرشح نفسه شق طريقه نحو عضوية الحزب من مواقع العمل والنشاط الجماهيري ، اي كان نوع النشاط، وليس من مواقع العلاقات الشخصية والشللية. فالمرشح، كواحد من طلائع جماهير المجال المعين، يلعب دورا هاما عندما ينال عضوية الحزب في توسيع صلة ونفوذ الحزب بين جماهير المجال المعين، يلعب دورا هاما عندما ينال عضوية الحزب في توسيع صلة ونفوذ الحزب بين جماهير المجال المعين. لهذا يجب علي فرع الحزب أن يؤدي واجبه تجاه المرشح من فترة الترشيح، كواجب يعبر عن ادراكه لمسئوليته امام جماهير وطلائع المجال، وبحيث يعود المرشح بعد أن نال العضوية أكثر فائدة وفعالية لجماهير المجال . فاذا كانت عضويته في الحزب ستعزله عن جماهير المجال، فلا فائدة منها للحزب أو الجماهير . والمرشح ايضا يدخل الحزب ومعه تجربة جديدة ومعرفة جديدة يجب ان يستفيد منها الحزب ، ولهذا تقترح الوثيقة أن يكتب كل مرشح تجربته ورأيه، بأي اسلوب فصيح أو دارجي ويقدمها لمن معه في حلقة المرشحين وتوجز الوثيقة الموضوع بقولها:-
( فالماركسية ليست نبتا شيطانيا أو نظرية كهنوتية لاعلاقة لها بمعارف الشعب والجماهير، بل هي امتداد ثوري لمعرفة الشعب مبنية علي معارفه الثورية وكل ماهو خير ومنير من هذه المعرفة، فعندما يحس الثوريون وهو يلجون أبواب الحزب أن تجاربهم الثورية جزء من الماركسية المطبقة علي ظروف بلادنا ، لاينعزلون في مسلكهم العملي عن الجماهير، بل يعملون دائما لتعلم من الجماهير وتعليمها ما اكتسبوا من معرفة ماركسية، وهذا هو طريقنا لاغناء النظرية الماركسية بتجارب شعبنا الثورية وبمعارفه السليمة التي اكتنزها عبر التاريخ).
ب- الصراع ضد اسلوب البورجوازية الصغيرة في المعرفة، اذ تقول الوثيقة:- (النظرية الماركسية نظرية صادقة، ولهذا فهي يمكن أن تجذب كل مفكر أمين ومتحرر، وفي بلد كالسودان يتفشي فيه الجهل حتي بين اوساط متعلمة تعطي النظرية الماركسية قوة اقناع وصدق شديدة لمن يلم بها ، ولكن النظرية الشيوعية يجب أن تكون في خدمة جماهير شعبنا، ولهذا لابد لمن يكتسبها من التواضع والا يجعل لنفسه فضلا علي الاخرين. وتقول الوثيقة أيضا( يسلك بعض الرفاق ازاء الجماهير مسلكا نابعا من الأصل البورجوازي الصغير فما ان يلموا ببعض أطراف الماركسية حتي ينطووا علي انفسهم وكأنهم يحملون سرا لاتقوي عليه الجماهير، وحتي يبدأوا في مصادمة كل آراء الناس وتنقية طرق حياتهم، انهم لايتكلمون الا في السياسة الخالصة كانهم وعاظ وماعدا ذلك فيعتبرونه من لغو الحديث، وتشير الوثيقة الي امثلة محددة لهذا السلوك مثل حالة بعض المزارعين في الجزيرة وكيف اصبحوا يتعالون علي أهل القرية ويتحدثون مثل الأفندية ، ومثل عناصر البورجوازية الصغيرة المنشقة عن الحزب في عام 1952م وميلها للاستشهاد بالنصوص الماركسية واعتبار كثرة النصوص دليلا علي الثورية ، ونماذج التباهي بالمعرفة كأنما للمعرفة حدود ، واصدار الأحكام الشخصية والذاتية دون تروي وموضوعية، الميل للقراءة السهلة والتفكير السطحي وعدم الصبر علي مشاق التفكير العميق).
ج – تستخلص الوثيقة مما تقدم ضرورة أن يقوم تعليمنا الحزبي علي (1) تقديم عموميات الماركسية(2) برنامج الحزب ولائحته(3) وملخص أو موجز لتجربة حزبنا العامة (4) أن يكتب كل مرشح تجربته ويعرضها علي من معه في حلقة المرشحين ، وان لاتصبح اجتماعاتنا للتعليم الحزبي كالمدارس البورجوازية يقدم فيها الأساتذة المحاضرة ويحفظ الطلاب ما القي عليهم من دروس.
د – مخاطبة الجماهير أو الدعاية الحزبية، بالكلمة المكتوبة او شفاهة ، تلعب دورا حاسما في تطوير خط الحزب الجماهيري، سواء ما يصدر من الحزب في بيانه أو صحيفة، أو مايقوله ويشرحه هذا الحزب شفاهة للجماهير.
فالحزب يواجه دائما البحث في كيفية كسب جماهير شعبنا العاملة للماركسية، كيف يوصل لها المفاهيم العامة للنظرية بطريقة مفهومة لها في ظروف مجتمعنا بخواصه وتقاليده الفريدة ومؤسساته الاجتماعية الموروثة ؟ كيف تجعل المفاهيم والالفاظ الجديدة التي تحمل الأفكار الجديدة قريبة الي فهم الجماهير العاملة ، وان تتحاشي الالفاظ والتعابير الغريبة مثل : التفاعلات الطبقية، وذيلية بورجوازية متعفنة والاستقطاب الجماهيري، ونضيف اليوم بعد عشرين عاما قاموس الكلمات الغريبة والتعابير الممجوجة التي يستخدمها حكام مايو حتي فقدت الكلمات معناها وشحنتها علي الاثارة والتأثير تقول الوثيقة:-
( اسلوب الوعظ في مخاطبة الناس مسلك سخيف منفر ، ولايؤدي الي افهام الناس شيئا، فبعض الشيوعيين وقد الموا بطرف الماركسية يفرضون انفسهم وعاظا علي اخوانهم، لهم في كل مشكلة رأي ، وفي كل قضية فتوي ، ان جماهير شعبنا تكره المدعين الذين يقودون صدر المجالس وكانهم يحيطون بكل شئ علما، فالعضو المقتصد في حديثه، والذي لايتكلم الا فيما يعلم، يكسب احترام الناس ، ولايعيبه ان يعلن انه لايعرف شيئا في موضوع بعينه).
ه – الكتابة وتلخيص التجربة هي من المصاعب والمشاكل التي تواجه الكادر الشيوعي، والوثيقة تتناول هذه المسألة من زاوية ان الفرع الذي يمارس نشاطه ويلخص تجربته بكتابة التقرير، انما يسهم عمليا وبقدر معين في تطوير معرفة وتجربة الحزب وبالتالي تطوير الماركسية. واذا كانت الوثيقة قد عالجت في اكثر من موقع أهمية الأسلوب البسيط الواضح المفهوم في مخاطبة الجماهير كتابة وشفاهة. وبهذا تسعي الوثيقة الي هدم الحاجز الذي تقيمه البورجوازية الصغيرة بين النظرية والنشاط العملي، بين التجربة وتلخيص التجربة . فالكتابة في حد ذاتها ليست صعبة ، انما الصعوبة في حصر مقومات وعناصر التجربة ووضوح الفكرة ثم تدوين كل ذلك كتابة بأي أسلوب فصيح أو دارج، ويحدث التطور في اللغة من خلال الممارسة.
ومن الصعوبات التي ترهق بها نفسها في الكتابة العربية، محاولة التقيد بأسلوب الكتابة أو آداب الكتابة العربية، كالمقدمات الطويلة، والتضخيم في التعبير كعنوان لعمق الفهم والأفكار، ادعاء الشمول والاحاطة، او محاكاة اسلوب الكتب الماركسية الكلاسيكية واستخدام الاسلوب الخطابي والتعبير الامر الزاجر القاطع الجامع، او مايسمي أسلوب التقعر النظري ، اضافة الي كثرة الاستدراك وفتح القوس وقفل القوس ، والحواشي .الخ، وكلها صعوبات يمكن تفاديها اذا تعاملنا مع تجربتنا تعاملا ماركسيا، بمعني أنها تطبيق وممارسة للفكر الماركسي، وحصرها وتلخيصها وكتابتها بأسلوب مباشر وبلا ميل لاعطاء صورة زاهية، وهذا هو طريقنا لتطوير واثراء الماركسية في السودان بلا زيادة ولا نقصان. وليس صدفة ان وجد كتابا مثل(كيف تصبح شيوعيا جيدا) رواجا حميما بين الشيوعيين السودانيين في الخمسينيات ولا لسبب سوي انه هدم حاجز الوهم البورجوازي الصغير بين التجربة والممارسة العملية وبين كتابتها ببساطة ومباشرة دون تزويق لغوي ومحسنات نظرية ونصوص. ومن امثلة حياتنا اليوم نشير الي تجربة المرشح التي كتبها عن نشاطه بين سكان حيه المنشورة في مجلة (المنظم) العدد السابع كم من مئات وآلاف التجارب الجيدة المماثلة تبقي حبيسة صدور آلاف الشيوعيين وعشرات ومئات الفروع؟.
و- تناولت الوثيقة مشكلة هامة في ريفنا وتحسين دور الشيوعيين وأساليب نشاطهم في الريف بين المزارعين في الريف فتعرضت لتجنيد المزارعين لعضوية الحزب ، ودراسة قضايا الاصلاح الزراعي والمسألة الزراعية ..الخ، وتناولت الوثيقة ظاهرة ومؤسسة ذات أثر خطير من الريف جديرة باهتمامنا ودراستنا اليوم ايضا وفي المستقبل ، وهي مؤسسة (الفقراء) المتاجرين بالدين، والبادي أن دورها في السطح قد تراجع امام دور الأخوان المسلمين والقوي اليمينية في المدينة، خاصة بعد ثورة اكتوبر 1964م، وقد حددت الوثيقة بوضوح احترام الحزب للمتعقدات الدينية، والاضرار التي تلحق الحزب من أي عضو يسئ الي مشاعر الناس الدينية.
لكن مؤسسة الفقراء أو بيوتات الفرق الصوفية، التي يكن لها المزارعون ولاءا عميقا للاولياء الصالحين، وبعض هؤلاء الأولياء، كانوا لايستغلون مكانتهم في شئون السياسة ، لكن البعض الاخر ظل يتاجر بالدين والشعوذة وجمع المال من كدح المزارعين، ويسهم في تخريب حركة المزارعين الديمقراطية، ويساند المستعمر وحكومات البورجوازية وشبه الاقطاع بعد الاستقلال، وديكتاتورية عبود العسكرية ، وتسلط حكم الفرد في مايو . واستغلت مايو نفوذ هؤلاء في الريف وحبهم للمال والثراء فاشترت (بركاتهم) ومساندتهم لها بالمال وجزيل العطاء والنشاط الرأسمالي التجاري والزراعي وفي الخدمات. وقد اوضحت الوثيقة أن النضال ضد هؤلاء ليس بسبب أنهم رجال دين، بل لأنهم تاجروا بالدين، وهذه قضية هامة حتي يومنا هذا في نشاط الحزب في الريف.
ز – تناولت الوثيقة موضوع دراسة الواقع كواجب عام للحزب وواجب محدد لكل فرع في مجاله، وساقت مثالا لمجال العمل ، واهمية ان يعرف الفرع وكذلك المرشح لعضوية الفرع كل الحقائق عن المجال: رأس المال المستثمر فيه، الادارة، عدد العمال، مشاكل الاجور واالانتاج، اشكال استغلال العمال..الخ، وهذا واجب حزبي، بل لأنه من صميم الفكر الماركسي الذي نستخدمه كنظرية عامة ومرشدة لتجديد وتغيير واقعنا لمصلحة شعبنا، ومن ثم لابد من معرفة هذا الواقع الذي ننشد تغييره. وقد تطور هذا الموضوع واتخذ مفهوم الخط التنظيمي في ادب الحزب.
ح- وتعرضت الوثيقة لمشكلة الاجتماع الناجح لفرع الحزب ولخصت الجانب السلبي في تجربتنا في عقد الاجتماعات سواء في تواترها أو طولها، وكيف أدت الي نتائج سلبية، فأشارت الوثيقة الي أن الاجتماع هو مكان لتبادل الخبرة وتلخيصها وتحديد الواجبات والرقابة عليها ودراسة الماركسية، وهو ايضا مكان للتعبئة حول خط الحزب واتخاذ القرار، وتنتقد الوثيقة الفرع الذي يعقد الاجتماعات الطويلة لملء الفراغ، وان مثل هذا الفرع يعاني من خطل، وكيف هرب عدد من المرشحين والاعضاء من الاجتماعات الكثيرة الطويلة غير المفيدة، وأخيرا تشرح الوثيقة أهمية التحضير الجيّد لعقد اجتماع ناجح لفرع الحزب.
ط- تناولت الوثيقة قضية اشكال تنظيم الجماهير، وضرورة تبادل الرأي والتشاور بين الحزب والجماهير حول أي شكل للتنظيم، بدلا من فرض شكل معين يراه الحزب مناسبا وقد لاتقبله الجماهير، ومن الأمثلة التي ساقتها الوثيقة أشكال تنظيم حركة النساء الديمقراطية وقصور مفاهيم وممارسة المتعلمات والمثقفات من البورجوازية الصغيرة في اوساط النساء، وكيفية تحسين أساليب العمل لتحقيق الهدف الأول وهو تنظيم نساء العمال والمزارعين والعاملات والمزارعات اللائي يشكلن الأغلبية من نسائنا، فهذه هي الكتلة التي علي المتعلمات التقدميات استنهاضها وتنظيمها ، ولكن وسط هذه الكتلة تخيم التقاليد العقيمة وينتشر الخوف من التحرر، ومن هنا نبدأ ، وبالاعتبار الكافي لهذه الحقيقة نشرع في الدعاية والتنظيم، ولهذا يجب ان يكون التنظيم متناسبا مع تلك الظروف وان نختار الاشكال التنظيمية الملائمة، وان نكافح ضد الأمثلة الرديئة(التي تضر بها بعض النساء المتعلمات البورجوازية وأفكارهن السخيفة عن التحرر وتقدم المرأة).
هذه بعض المواضيع والقضايا التي عالجتها الوثيقة. ومنذ كتابة الوثيقة، تغيرت الظروف من حيث الواقع السياسي الاجتماعي الملموس ، واجه الحزب تجارب كبيرة وغنية منذ تلك الفترة، فقد اندلعت ثورة اكتوبر 1964م، وتفتحت خلايا المجتمع السوداني علي قضايا التغيير الاجتماعي ، وتفتح حزبنا ايضا علي متغيرات الحياة ، واكتسب علنية فتعرف علي مجتمعنا وشعبنا وازداد معرفة وصحح الكثير من الأخطاء التي أشارت اليها الوثيقة، كما تعرف شعبنا ايضا علي حزبنا، وتغيرت أشكال النضال بعد ثورة اكتوبر ، وفرضت القوي الرجعية وقوي الردة في حكم الفرد طريق العنف علي تطور الثورة السودانية وما كانت تتمتع به من امكانات التطور الجماهيري الديمقراطي ، واضطر حزبنا للنزول للسرية مرة اخري منذ ردة يوليو 1971م، ولكن ماعالجته الوثيقة من قضايا ومواضيع يدخل في ذخيرة ورصيد تجارب حزبنا، التي نغير منها ونتعلم منها من منطلق واقعنا ومهام نضالنا اليوم. وقد دخلت لصفوف حزبنا طلائع جديدة في السبعينيات، أضافت لحزبنا تجربة ومعرفة جديدة، تواصل وتطور ما طرحته الوثيقة، وستدخل لحزبنا طلائع جديدة في الثمانينيات بما لها من حيوية ومعرفة وتجربة، فالي هذه الطلائع من المرشحين والأعضاء الجدد نقدم هذه الوثيقة.
يناير 1984م


مقدمة الطبعة الأولي
نقدم للاعضاء وثائق اللجنة المركزية في دورتها المنعقدة في سبتمبر 1963م، ننشر هذه الوثيقة في جزئين: الجزء الأول ويشمل تقريرا عن اصلاح الأخطاء في العمل بين الجماهير، ويشمل الجزء الثاني تقريرا عن صحافتنا، وتعليق السكرتارية المركزية علي خطة ال 6 شهور ، ثم ملخص وقرارات اللجنة المركزية.
ولاحاجة بالطبع لتنبيه منظمات الحزب واعضائه الي أهمية هذه الوثائق بالنسبة لبناء الحزب وتطوره في الظروف الراهنة. ان اجتماعات اللجنة المركزية في ظروفنا الراهنة يجب أن تتحول الي معالم بارزة في عملية بناء الحزب.
اننا ندعو كافة منظمات الحزب وفروعه الي مناقشة وثائق ومقررات دورة اللجنة المركزية علي أوسع نطاق، وان تسجل المنظمات والفروع تجاربها حول القضايا التي تثيرها هذه الوثيقة، لاصلاح الأخطاء في العمل بين الجماهير.
عبد الخالق محجوب
اصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير
جاء في تقرير اللجنة المركزية في اجتماعها المنعقد في يناير 1963م مايلي: (يجب أن نهتم بالتكوين اللينيني للأعضاء ونساعد تكوينهم الايديولوجي وخاصة في المسلك ازاء الجماهير: من الجماهير واليها، نعلم الجماهير ونتعلم منها)(الشيوعي العدد 116). وفي الحقيقة ظلت القيادة المركزية لحزبنا منذ فترة بعيدة ، وهي تعالج مشاكل تنمية الحزب وتحسين وسائل عمله، تتحدث عن وجوب تحسين عملنا بين الجماهير وعن اهمية تسجيل (خطنا الجماهيري)، والخط الجماهيري لحزبنا يستند علي القاعدة العامة (حيث الجماهير، من الجماهير واليها، نعلم الجماهير ونتعلم منها)، وهي قاعدة ماركسية عامة لايمكن لحزب شيوعي ان ينجح دون تطبيقها. بالطبع لايعقل ان تصدر هيئاتنا القيادية مرشدا لتحقيق تلك القاعدة، ونعني دليلا به قرارات و(أوامر) يعينها ، ولكن الشئ الممكن والمفيد هو ان نجمع تجاربنا في العمل الجماهيري وتلخصها ، نفصل الحسن منها والمتمشي مع تلك القاعدة الماركسية والردئ منها ومصادره الطبقية. ان تحسين عملنا بين الجماهير يتم من خلال صراع ايديولوجي طويل المدي ضد الأعمال والمفاهيم الخاطئة ، انه صراع بين الايديولوجية البروليتارية وايديولوجية الطبقات من غيرها. من هذه الزاوية نبدأ الحملة لتحسين عملنا بين الجماهير، وذلك بكشف المفاهيم الخاطئة والمسالك الضارة والغريبة علي ايديولوجيا الطبقة العاملة. وهذا الذي تصدره اللجنة المركزية لايهدف الاحاطة بالموضوع كله، بل يهدف الي تنبيه الأذهان وطرح هذه القضية في مستوي جدي بين كل تنظيمات الحزب والاستماع الي رأي الأعضاء والمناضلين من غيرهم وتسجيل كل انتقاداتهم حتي تكتمل التجربة ويشمل النفع.
نبدأ في مهمتنا هذه بالمفاهيم العامة الماركسية التي لاغني عنها اذ نحن كفصيل من حركة الطبقة العاملة العالمية نستند الي تلك المفاهيم ونتسلح بها، فكل حركة ماركسية جادة وفي كل بلاد العالم واجهت هذا السؤال: كيف نستطيع كسب جماهيرنا العاملة الي صف الماركسية اللينينية ؟ كيف يمكن أن نترجم المفاهيم العامة لتلك النظرية بحيث يفهمها شعبنا، خواصه وتقاليده الفريدة ومؤسساته الاجتماعية التي توارثها، وكيف نقرب تلك النظرية اليه؟.
كتب ف. ا. لينين في خطابه الي منظمات شيوعي شعوب الشرق في روسيا: ( انكم مواجهون بمهمة لم تواجه حتي اليوم الشيوعيين في أي ركن من المعمورة: عليكم اعتمادا علي النظرية الشيوعية العامة ومنجزاتها العملية أن تكيفوا انفسكم وفق ظروف خاصة لاوجود لها في البلدان الاوربية وأن تستطيعوا تطبيق تلك النظرية وسط ظروف يشكل فيها الفلاحون الأغلبية وحيث المهمة هي شن النضال لاضد الرأسمالية، بل ضد مخلفات القرون الوسطي. تلك مهمة صعبة وفريدة، ولكنها عملية لأن تلك الجماهير تنجذب الآن نحو النضال وهي التي لم يكن يعنيها من أمره شيئا من قبل، ولأن تنظيم الفصائل الشيوعية في الشرق يتيح لكم الفرصة أيضا لاقامة علائق وشيجة مع الدولية الثالثة.....( ان مهمتكم هي أن تراقبوا باستمرار ان الدعاية الشيوعية تطبق في كل بلد باللغة التي يفهمها الشعب)...( المهمة هي استنهاض الجماهير الكادحة للنشاط الثوري: للعمل المستقل وللتنظيم بغض النظر عن مستواهما، هي أن تترجموا المبدأ الشيوعي الحق والذي كان موجها للشيوعيين في البلدان الأكثر تقدما الي اللغة التي تفهمها الشعوب الأخري، هي أن تنفذوا تلك المهام العملية التي تتطلب سرعة التنفيذ وأن تتمازجوا مع البروليتاريا في البلدان الأخري في صراع مشترك. هذه هي المشاكل التي لن تجدوا لها حلا في أي كتاب شيوعي، بل ستجدونه في النضال المشترك الذي بادرت به روسيا. عليكم ان تعالجوا هذه المشاكل، وان تصلوا الي حل لها استنادا علي خبرتكم المستقلة(التخطيط من المترجم).
بهذا الارشاد القيم المبني علي روح الماركسية، لانصوصها، استطاعت الحركات الشيوعية الجادة في بلدان آسيا ذات الوضع الفريد وخاصة في الصين ان تصل الي قلب جماهيرها العاملة وشعوبها وأن تكسبها الي صف الماركسية وصف الاشتراكية.
واستنادا اليه ايضا، وبالتفكير العميق فيه وبتطبيقه بحزم، يمكن للحزب الشيوعي في بلادنا أن يحقق شعار مؤتمره الثالث( اجعلوا من الحزب الشيوعي السوداني قوة اجتماعية كبري).
ماذا يعلمنا حديث ف.أ. لينين؟... يعلمنا حديث لينين:
- انه لابد لكل حركة ماركسية جادة تستهدف كسب شعبها الي دعوتها وترمي الي تقريب الماركسية اليه وتحببها له ان تدرس في استقلال تام ظروف بلدها وان تبني نشاطها علي نتائج تلك الدراسة المستقلة. ان نقل تجارب بلد بعينه الي بلد آخر في ميادين التطبيق والاشكال التنظيمية والدعاية امر مضر جدا بالحركة الماركسية وهو منهج غير شيوعي. لهذا فلابد بعد ان يدرس الشيوعيون ظروف بلادهم أن يبتدعوا الطرق المناسبة لتقريب الماركسية الي شعبهم، وان يخلقوا الأشكال التنظيمية الملائمة لذلك البلد حتي تنهض الجماهير الشعبية في نضال ثوري ظافر.
- ان الدراسة للكتب الشيوعية المختلفة، وهي تجارب الحركة الثورية عبر التاريخ، لن تصل بالانسان الي علاج كل المشاكل التي تواجه بلاده، ولكنها تفيد في حيز توسيع مدارك الشيوعيين وفي تعليمهم المنهج الذي يستطيعون بتطبيقه علاج قضاياهم، اعتمادا علي تلك التجارب وذلك المنهج يجد الشيوعيون خلال نشاطهم العملي الحلول لمشاكلهم ويستطيعون كسب شعبهم.
- ان الكتب الشيوعية فصيلتان، ولابد لنا أن نتخذ منها الموقف السليم لكي نصل بحركتنا الي النصر، فهناك الفصيلة التي تشمل المبادئ الأساسية للشيوعية والتي وصفها لينين في خطابه سالف الذكر(بالمبدأ الشيوعي الحق)، وهذه الفصيلة تضم الفلسفة الماركسية المشتملة علي النهج الجدلي والمادية التاريخية، وتحدد معالم الاشتراكية بوصفها حكم الطبقة العاملة القائم علي الملكية الجماعية لوسائل الانتاج والاممية البروليتارية..الخ، النظرية الماركسية في الاقتصاد السياسي، هذه الفصيلة تجمع بين كل الشيوعيين قاطبة وهي التي تضع الحد الفاصل بين الشيوعي وغيره من العاملين في المجتمع( ولن يكون المرء شيوعيا علي هديها في نشاطه العملي) والفصيلة الثانية تحتوي علي رصيد التطبيق العملي لتلك المبادئ في البلدان المختلفة سواء التي تسلمت فيها الطبقة العاملة السلطة أو التي تناضل فيها الطبقة العاملة للوصول الي السلطة، وهذه الفصيلة مهمة ايضا، ويجب دراستها واطالة النظر فيها واستيعابها لأنها تفيد في توسيع المدارك، وفي اغناء الخبرة الثورية، ولكن هي التي نهي ف.أ. لينين عن نقلها بالحرف وتطبيق حرفها علي البلاد الأخري. انها تفيدنا في معرفة الطرق والمنهاج الذي تنجح به حركة الطبقة العاملة في نضال بعينه، وهذا أمر ذو اهمية قصوي في تسليحنا ازاء المشاكل التي نواجهها في وطننا. وطالما كان نقلها بالحرف مضرا ومخالفا للمنهج الماركسي فعلينا النظر اليها بعين ناقدة ومقابلتها مع ظروفنا الخاصة، وهي بهذا، بالحرف غير ملزمة ولاتشكل فاصلا بين الشيوعي وغير الشيوعي. (لاتحاكوا تاكتيكاتنا، بل حللوا أسباب المعالم الفريدة لتلك التاكتيكات ونتائجها، لاتطبقوا الحرف طبقوا الروح، طبقوا المضمون، طبقوا دروس تجربة 1917- 1921م)( من رسالة ف. أ. لينين الي الشيوعيين في ازربيجان وجورجيا).
كان وما زال هناك خطران ينجمان عن موقف خاطئ من الماركسية. الخطر الأول ينجم عن موقف خاطئ من الفصيلة الأولي يرمي الي التحلل من المبادئ الأساسية كعلم وهو مايعرف بالاتجاه التحريفي. والخطر الثاني ينجم عن موقف خاطئ ازاء الفصيلة الثانية اذ يعتبر حرفها دون روحها وهو مايسمي بالجمود العقائدي. وفي النضال ضد الخطرين تضع كل حركة ماركسية جادة اقدامها في بداية الطريق وتضع الشروط الأولي لارتباطها بشعبها ولكسبها له في صف الاشتراكية والماركسية. فبدون ان نعرف الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلادنا، لايمكن لنا ان نخطوا الخطوة الثانية، وهي كسب الجماهير الي صفنا. وفي الحقيقة لابد للحزب الشيوعي أن يعرف أولا ماذا يريد لشعبه ثم يطلب منه التأييد ثانيا؟.
نستطيع القول أننا استطعنا أن نحرز الحد الأدني في دراسة ظروف بلادنا مهتدين بالمبادئ العامة للنظرية الماركسية ومستفيدين من خبرة الأحزاب الشيوعية الأخري، وقد استعنا بعد نضال دام سنوات، أي منذ قيام اللحظات الأولي لحزبنا في عام 1946م، أن نجمع هذه الدراسة في برنامجنا (سبيل السودان) الذي أقره المؤتمر الثالث لحزبنا مطلع عام 1956م، بالطبع لايمكن ان يكون ذلك البرنامج خالدا وخلاصة ثابتة لمعرفتنا بوطننا ، فالعمل اليومي والتجارب التي نواجهها تزيد معرفتنا ببلادنا وتغني خبرتنا وينعكس كل ذلك في مانكتب ثم في تعديلات او تغييرات في البرنامج ذاته. وبالفعل نجد اليوم كثيرا من المعارف التي توصلنا اليها منذ عام 1956م حتي الآن لامكان لها في ذلك البرنامج، كما نجد نقاطا أخري ظهرت فيه واتضحت عدم صحتها. ولكن رغم هذا يمكننا القول أن برنامجنا يحوي الحد الدني والمعقول من معرفة ظروف بلادنا.
ماهي النقاط الأساسية لتلك المعرفة؟.
السودان قطر مترامي الأطراف تسكنه قوميات مختلفة وتربطه اكثر من رابطة بمن حوله من الشعوب الافريقية والعربية وانه لابد لكل حركة جادة من اعتبار تعدد قومياته وروابطه تلك.
يوصف السودان اقتصاديا بانه قطر متخلف تعمل اغلبيته في الزراعة البدائية وفي حقل الرعي وتعمل اقلية في المصانع والمكاتب ويعاني بهذا في الداخل من العلاقات القديمة القبلية وشبه الاقطاع، وفي الخارج لايختلف وضعه عن أغلبية البلدان حديثة الاستقلال حيث تحتل الدول الاستعمارية مركزا ممتازا في تجارته الخارجية، بل تكاد تسيطر عليها أنه اقتصاد شبه مستعمر يعاني من التاخر.
بالسودان طبقات اجتماعية حديثة، هناك الجماهير العاملة في المصانع والمكاتب، هناك البورجوازية، هناك اشباه الاقطاعيين من اصحاب المشاريع الزراعية الكبيرة وشيوخ القبائل وهناك المزارعون بأقسامهم المختلفة.
استطاعت الثورة السودانية وخاصة خلال تطورها الجماهيري بعد الحرب العالمية الثانية، أن تنجز انتصارا أوليا باحراز الاستقلال مطلع عام 1956م، ولكن مازالت تلك الثورة الوطنية قائمة ولم تنجح في تحقيق أهدافها بعد: من دعم للاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي ، من اشراك للجماهير في توجيه شئون البلاد، من رفع مستوي المعيشة للكادحين ومن احداث ثورة ثقافية – اي التخلص من مخلفات الاستعمار. ولهذا تعتبر الجمهورية السودانية في مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية بما تمليه ظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي في هذا تختلف عن الكثير من البلدان الأخري وخاصة الأوربية، المهمة الرئيسية للشيوعيين السودانيين هي دفع المرحلة الثورية واكمالها وبذلك تهئ الظروف الموضوعية والذاتية لتطور الاشتراكي في الجمهورية.
لانجاز هذا التقدم، لابد من الوحدة الشعبية، وهذه الوحدة تقوم علي التحالف بين الجماهير العاملة والمزارعين في الأساس بوصف اولئك الطليعة الثورية وهؤلاء الأغلبية الساحقة من سكان البلاد وبين كل الطبقات الثورية الأخري من بورجوازية وطنية وبورجوازية صغيرة في المدن. هذه الوحدة تعمل لانجاز التقدم الوطني الديمقراطي في البلاد وتسمي بالاتحاد الوطني الديمقراطي.
يري الشيوعيون السودانيون بدراسة الوضع العالمي وظروف بلادهم انه من الممكن احراز هذا التقدم بالنضال الجماهيري وبالطرق السلمية حتي لاتتعرض بلادنا لهزات، وهم يتحاشون كافة الاستفزازات، ولكنهم في الوقت نفسه يدافعون عن حقوق الشعب الديمقراطية بكل الوسائل ولن يقبلوا أن تقف العناصر الرجعية في وجه التقدم اعتمادا علي تسليحها وارهابها للشعب. ان توفر الحريات الديمقراطية هو الطريق للتقدم وللنمو السلمي للثورة الوطنية في بلادنا.
هذا بشكل عام معارفنا الرئيسية بظروف وطننا كما جاءت في وثيقة(سبيل السودان) عام 1956م، وهي مازالت سليمة الجوهر.
اننا لم نتوصل لهذه المعارف عن طريق قراءة الكتب، لم تجد الحلول للقضايا تلك بين سطورها، ولكن اعتمادا علي المبادئ العامة لماركسية شرعنا في النضال العملي منذ عام 1946م، وجمعنا خبرتنا وناضلنا ضد الاتجاهات الغريبة من تحريف وجمود.
اعتمادا علي نصوص وردت في بعض الكتب الماركسية حول وجوب اشتراك الشيوعيين في حزب ديمقراطي وعدم تكوينهم لحزب شيوعي في بعض البلدان المتخلفة، اصرت كتلة المثقفين التي كانت تسيطر علي الحلقات الأولي لحزبنا عام 1947م علي اعتقال الشيوعية داخل نطاق الأحزاب البورجوازية. لقد كان الشيوعيون الحق يرون العمال في بلادهم، ويرون بداية حركتهم الطبقية في عطبرة، ولهذا لم يكن من الممكن رفض الواقع والتعامي عن الحقائق خوفا من بعض النصوص. ان الصراع الداخلي عام 1947م كان صراعا ضد الجمود في النظرية واليمينية في العمل، وهو بداية للاتجاه السليم في معرفة ظروف بلادنا وفي العمل وفقا لما تمليه تلك الظروف. النتيجة لصراع عام 1947م هي: ان بلادنا بها طبقات ثورية وأن بها كتلة من الشيوعيين يمكن لهم، بل واجبهم أن يكونوا حزبا شيوعيا مستقلا.
وبالرغم من ذلك ظل الصراع حول نشاط حزبنا مستمرا وظل الخط الثوري يظهر في صراعه ضد الاتجاهات الخاطئة والانتهازية المختلفة. ففي عام 1951 – 1952م عاني حزبنا موجة من أفكار التحريف يقودها الانقسامي عوض عبد الرازق تدعو تلك الأفكار الي نبذ العمل بين الجماهير العاملة والي تصفية الحزب الشيوعي كتنظيم مستقل والي اندماجه في احزاب البورجوازية والبورجوازية الصغيرة. ولأن تلك الأفكار تحريفية تتجاهل الواقع وتجافي علم تطور المجتمع فشلت جميع محاولاتها في هدم الحزب الشيوعي رغم الوسائل المتعددة التي سلكتها، فلجات أخيرا الي مستنقع التعاون مع الدوائر الأجنبية والحكومية.
وكذلك واجه حزبنا، وهو يعمل للوصول للحد الأدني لمعرفة ظروف وطننا، أفكارا جامدة متحجرة. لاشك أن حملة تلك الأفكار قرأوا نصا كثيرا مايرد في النظرة الشيوعية عن الطبيعة الطبقية للحزب الشيوعي بوصفه حزب الطبقة العاملة، فتوصلوا الي انه في بلادنا يقنع الحزب بالعمل بين الطبقة العاملة الصناعية وحدها لن العمل بين المزارعين تشتيت للجهود، لقد عمي هؤلاء عن حقيقة الوضع في بلادنا: وهي ان علاقات الانتاج تفرض المزارعين كالأغلبية الثورية في البلاد ، وان حزب الطبقة العاملة السودانية لن يكون جادا في كفاحه الثوري اذا لم يعمل بين الأغلبية الثورية : يضم طلائعها الي الشيوعية ويبني بين جماهيرها الواسعة الحلف الوثيق مع الطبقة العاملة. ايضا واجه الحزب أفكارا يمينية ويسارية خاطئة ازاء المسلك من البورجوازية الوطنية وخاصة عندما جاءت الي الحكم عام 1954م وعندما اشترك القسم اليميني منها في الحكم عام 1956م، كان اليسار يري الكفاح ضد البورجوازية كما تكافح الأحزاب الشيوعية في البلدان الرأسمالية الكبري ولايرون الوضع الخاص بالبوجوازية في بلد مثل السودان حيث علاقات الانتاج تختلف عنها في اوربا. وكان اليمين يري السير من وراءها وعدم النضال بحزم ضد اتجاهاتها الرجعية خوفا من سقوط حكومتها. لانريد أن نطيل ولكنا من كل ذلك نصل الي التالي:-
1- أنه لكي نقترب من الجماهير ونكسبها لصفنا لابد من معرفة ظروف بلادنا ودراستها.
2- الدراسة تعتمد علي النظرية الشيوعية العامة التي ترشدنا في دراسة ظروف بلادنا دراسة مستقلة وفي الوصول الي النتائج الواقعية التي يجب أن نتمسك بها ولانخشي النصوص.
3- الحد الأدني من معارفنا بوطننا موجودة في برنامجنا(سبيل السودان) الذي يجب أن يغتني بكل تجربة نخوضها وأن نعدله ونغيره كلما تجددت معرفتنا ونمت.
4- لتنمية معارفنا القائمة علي الماركسية اللينينية لابد دائما من الكفاح ضد اتجاهين خطرين في دراسة ظروف الثورة السودانية: الاتجاه التحريفي واتجاه الجمود العقيدي.
اذا كان لنا الحد الأدني من المعرفة بظروف بلادنا مسترشدين بالنظرية الماركسية، واذا كنا علي استعداد لتنمية تلك المعارف، فقد وضعنا أقدامنا علي الطريق الذي يوصلنا الي الجماهير والي الارتباط بها، لأننا بذلك الحد الأدني عرفنا ما يمكن أن ينجز في بلادنا ومالايمكن ان ينجز، عرفنا الطبقات الاجتماعية التي نعمل وسطها، والطريق لتحقيق الهدف الذي وضعناه نتيجة دراستنا . أول خطوة هي ان نقرب معارفنا( مجموعة تجاربنا الملخصة وبرنامجنا) الي طلائع الجماهير الشعبية وكسبها لصف الشيوعية لتصبح الصلة الاولي بين حلقة الكادر الثوري وبين الجماهير.
نحن نقدم لطلائع شعبنا برنامجنا (سبيل السودان)ولائحتنا، كما أننا نقرب لهم الماركسية اللينينية في خلاصة تجاربنا وفي مبادئها العامة. هذه هي الأفكار الشيوعية التي نقنع بها تلك الطلائع لكي تنضم الي حزب العاملين. وهذا هو أول تلامس بين حلقة الكادر الحزبي والأقسام المتقدمة من الجماهير الثورية، ومن هنا كان المسلك في هذا الحيز جزءا من المسلك ازاء الجماهير الثورية، وتحسينه جزءا من الحملة لتحسين صلاتنا بالجماهير ودعمها.
ان تعليم الطلائع العاملة النظرية الشيوعية، وهي كما أشرنا المبادئ العامة للشيوعية وبرنامجنا ولائحتنا وخلاصة تجاربنا، هو في الواقع عملية صراع ضد عقليات مختلفة وغريبة. ولايمكن للمرء أن يكون شيوعيا الا اذا اكتشف وتثبت من أنها خاطئة ثم عمل ثانيا للتخلص منها. في الصراع لكي يقنع الانسان بتلك النظرية، ولكي نغير من مسلكه الاجتماعي ونحوله من شخص غير شيوعي الي عضو في الحزب الشيوعي، لابد ان نشن حربا ضد العقلية البورجوازية الصغيرة في المعرفة، ضد عقلية التخلف القبلي، ضد الآثار الضارة لثقافة الغربية، وضد أفكار الجمود الفكري.
فالبورجوازية الصغيرة وخاصة في المدن تسلك سبيل الدراسة المعزولة ونجنح الي الفصل بين النظرية والعمل وموجعها النصوص دائما لا الحياة ومتطلباتها. وتحاول بهذا أن تخضع الحياة للنصوص. لقد عانينا من هذا الاتجاه كثيرا واتخذ شكلا حادا وخاصة في المحاولات لقسم الحزب الشيوعي عام 1951- 1952م. خلال تلك الفوضي التي اجتاحت تنظيم الحزب في مدينة ام درمان نفض الغبار عن المجلدات الشيوعية وأصبح الاحتجاج بالنص هو دليل الثورية والقدرة علي الاقناع. وفي تدريس أعضائنا الماركسية ظللنا سنوات طويلة نعاني من هذا الاتجاه ومازلنا أيضا نعاني منه. يظهر هذا في حصر التثقيف في حدود محاضرات ملخصة من الكتب الماركسية ومنقولة عنها دائما تماما. صحيح انه في المراحل الأولي لتقديم الماركسية في بلادنا أسهمت هذه النظرية في تبسيط المبادي العامة للماركسية وفي تقريبها وخاصة لطلائع العمال والمزارعين. ولكن عندما يفهم التثقيف الماركسي بأنه هذه المحاضرات، وعندما يفهم ان برنامج الحزب ولائحته ليسا وثائق للتعليم الماركسي، وعندما يفهم منجزات الماركسية اللينينية المطبقة علي واقع البلاد خاصة في مجلتي (الشيوعي) و( الوعي) بأنهما ليسا مواد للتثقيف..فان ذلك هو نفس اتجاه البورجوازية الصغيرة في المعرفة، في الثقافة، في القراءة والتعليم والطلائع الثورية للجماهير وهي تنضم للحزب الشيوعي، تلحق بها أضرارا كبري اذا تلقت التعليم بتلك الطريقة، ستنعزل عن الحياة وعن الجماهير التي حولها ولاتحاول أن تتعلم منها بقدر ماتحاول اخضاع تفكيرها للنصوص محفوظة لاحياة فيها. ان بعض كادرنا من العمال وخاصة بين المزارعين عاني اضرار ذلك الاتجاه ففقدوا شعبيتهم التي رشحتهم لعضوية الحزب الشيوعي واصبحوا ثرثارين اكثر منهم عاملين، اصبحوا وعاظا وفلاسفة اكثر منهم مناضلين يستجيبون للحياة ويلحظون كل جديد فيها.
تجنح البورجوازية الصغيرة الي التباهي بالمعرفة وكأن للمعرفة حدودا أو كان هناك مفكرين خلقوا لذلك الغرض ومنفذين لاقدرة لهم علي التفكير. وهذا المسلك ضار في دراستنا النظرية الشيوعية. ان طلائع الجماهير الثورية تنضم الينا وهي متأثرة بهذا التفكير. وعندما تبدأ في معرفة مبادئ الماركسية، وتقارن بين ماأحرزت من معرفة وجهل وخاصة بين المزارعين، تجنح الي استعراض معارفها والتعالي علي البيئة التي تعيش بينها. ان الماركسية اللينينية نظرية صادقة ولهذا فهي يمكن ان تجذب كل مفكر ومتحرر. وفي بلد كالسودان يتفشي فيه الجهل حتي بين اوساط متعلميه تعطي النظرية الماركسية قوة اقناع وصدق شديدة لمن يلم بها. ولكن النظرية الشيوعية يجب ان تكون في خدمة جماهير شعبنا ولهذا لابد لمن يكتسبها من التواضع ولايجعل لنفسه فضلا علي الآخرين. لقد ظهر هذا الاتجاه الخاطئ وسط الرفاق من المزارعين في الجزيرة فأصبح بعضهم يتحدث بازدراء الي اهله واصبح يحاكي (الأفندية) في استعراض معارفه وحتي في اسلوب مخاطبته. والفصل بين النظرية والعمل، وهو كما أشرنا اتجاه بورجوازي صغير موجود في حزبنا، بل هو من اخطر الاتجاهات الموجودة وأعمقها جذورا. فالاتجاه الذي ساد في تقديم الماركسية للطلائع الثورية – وأعني تدريس محاضرات مجردة – ثبت في أذهان من درسوا علي تلك الطريقة ان هناك حلقة أو جماعة في الحزب مالكة للنظرية ولها القدرة علي(فلسفة) كل الظواهر وأنهم وغيرهم من الأعضاء منفذون لتلك النظريات. لقد ظلت مثلا تتواتر الخطابات من مديريات مختلفة ومنها مديريتي كسلا والنيل الأزرق بوجوب دراسة الوضع الزراعي في البلاد. ظللنا نسمع هذا الطلب الغريب سنوات، ولكن ماهي الدراسة؟ اليست التجارب اليومية التجارب اليومية التي تمر بها هاتان المديريتان – هما تضمان أغلبية من المزارعين – هي الدراسة الحقة للوضع الزراعي في بلادنا؟ أليس تلخيص خبرة النضال بين المزارعين اعتمادا علي النظرية الماركسية هو الأساس لبرنامج الحزب في الاصلاح الزراعي. صحيح أن هذا الاتجاه بدأ في التلاشي الي حدود بوجود كادر ذي تفكير مستقل في بعض المديريات، ولكن مازال الفصل بين النظرية والعمل هو السائد طالما ان تجارب الحزب في الفرع وفي الدائرة وفي المديرية وفي المنظمة الشيوعية لاتلخص ولا تكتب. لن هذه التجارب الملخصة هي النظرية الشيوعية، كل رفيق يخوض معركة صغيرة او كبيرة: يوزع مشورا بطريقة ناجحة او يكسب قراء لصحافة الحزب، وينجح في تكوين فرع الحزب في قرية أو مؤسسة عمل أو حي، يقود معركة جماهيرية من أجل مطالب سياسية أو اقتصادية الخ.. كل رفيق يفعل هذا ويعبر عنه ويلخصه ويضعه للنفع العام هو نظري واكثر معرفة بالنظرية من الذي يقبع في مكتب يحفظ النصوص عن ظهر قلب.
واذا كان لابد لنا ان نحارب هذا الاتجاه والمسلك في الدراسة والتعليم، فلابد لنا أن نحسن من مسلكنا في التدريس من الخطوة الأولي لتعليم الماركسية: يجب أن ندرس البرنامج واللائحة والتلخيصات العامة لتجاربنا بجانب المبادئ العامة للماركسية ويجب أن نلخص تجارب من يدرسون وأن نكافح بحزم ضد تلك المسالك والاتجاهات الضارة. في خلال التدريس يطلب من كل عضو مرشح تلخيص تجربته وعرضها علي بقية رفاقه في اي تعبير شاء أو امكن له.
من مظاهر الاتجاه البورجوازي الصغير في تعليم الماركسية توخي كل ماهو سهل وتحاشي وعورة التفكير ومقابلة النظرية بالواقع ومن ثم الهجوم علي التعميم. ان بعض من هم بمراكز القيادة يعانون من هذا الاتجاه، فهم يقرأون بامعان مايكتب أعضاء الحزب ولايديمون النظر في تقاريرهم ودراساتهم، بل ان بعضهم يجهل حتي وجود تلك التقارير والدراسات ويكتفي بالقراءة الخفيفة، ورغم هذا يخرج هؤلاء الرفاق بنظريات عامة وخطيرة، مثلا كان حزبنا ومايزال يري انه من غير الممكن تنمية حركة المزارعين (المستأجرين) في مناطق زراعة القطن بدون العمل علي كسب العمال الزراعيين واستنهاضهم، اجري بعض الرفاق محاولات في هذا الاتجاه وخاصة في مديرية النيل الأزرق قبل عام 1958م ووجدوا صعوبات. فبدأت تخرج نظرية شاذة الي حيز الوجود: العمال الزراعيون متأخرون ولايفهمون الشيوعية. نحن لانريد أن نقول ان هذه النظرية انسياق وراء المصالح الطبقية للمستأجرين – فهذا شئ واضح- ولكنا نريد القول أنه من الخطأ اصدار تعميم مثل هذا نتيجة لتجربة قصيرة الأمد. لايخفي علي أحد ان تلك النظريات ظلت سدا يحول بين حزبنا وبين العمال الزراعيين في هذه المديرية. ان الهجوم علي التعميم واطراح الدراسة الواقعية الملموسة يكون اكثر خطرا عندما يقوم به رفاق ذوو اوضاع قيادية. لهذا يجب أن يكون منهجنا في تقديم الشيوعية وتدريسها الاعتماد دائما علي القضايا الملموسة ودراستها حتي نستطيع تخليص اعضائنا من الطلائع الشعبية من اتجاهات التعميم واطلاق(الحكم) المجردة.
نواجه ايضا الاتجاهات الناجمة عن التخلف القبلي وخاصة في القري وأهم مظاهرها التعصب للقديم دون نقد والاعراض عن المعرفة الجديدة وعدم الثقة فيها. ان اقساما من الذين ينضمون لحزبنا يظلون ممسكين بتلك النظريات العتيقة ويساعدهم في ذلك بعض الرفاق وخاصة من المثقفين الذين ربما راوا أن الارتباط بالشعب معناه قبول مثل تلك الأفكار وتشجيعها . هذا الاتجاه يدعوا للكسل الذهني والي الاكتفاء بالقليل من المعرفة. ويري أن القراءة ضياع وقت وان من المهم هو(العمل) بالطبع عندما يتحدث الانسان عن (العمل) وحده ويرفض المعرفة الشيوعية فهو في الواقع يعيش تحت تأثير معارف أخري وهي في القرية التخلف القبلي، وهذا الاتجاه يضر بقضية الشيوعية وخاصة في القري. لقد نشأت مثلا حركة مزارعي الجزيرة وكان بعض قادتها من قبيلة الحلاوين وأبلوا فعلا في النضال. فبدأ بعض الرفاق من تلك القبيلة يطلقون تعميمات عن ثورية قبائلهم وعن تخاذل القبائل الأخري من ( المقاطيع) و(الململمين). وقد حاولت العناصر المعادية لحركة المزارعين احداث انقسام فيها علي أسس قبلية وهي تجد السند من ذلك الاتجاه الخاطئ. ولاتقتصر عقليات التخلف القبلي علي القرية، بل نراها في المدن ايضا. ان الكثير من الرفاق يتخذون موقف اللامبالاة من هذه النظريات ولايرون خطورتها وفي نفس الوقت لا يكافحون بحزم ضد روح الاعراض عن المعرفة الجديدة وخاصة في القرية.
لاشك ان للثقافة الغربية أثرها وخاصة في المدارس والمعاهد والجامعات. ولكي نحول الذين يتلقون دراساتهم في هذه المؤسسات أو الذين يدرسون بها الي شيوعيين لابد ان نعي هذه الحقيقة، ولابد أن نضاعف المجهود في النضال ضد المسالك الفكرية الضارة. فالثقافة الغربية في عنفوانها، عندما كانت تعبر عن الرأسمالية الناهضة، كانت ذات طابع حي، تنظر للواقع وتلهم للعمل، ولكنها اليوم تعبر عن أزمة طبقتها عن الحيرة والقلق. ومن هنا يعبر كتابها عن التحلل وعدم التقيد والالتزام بموقف المجتمع. ان مجتمعنا المتطور لايعاني هذه الأزمة ولكن انتقال الثقافة له اثره، وخاصة وان كل فكر تقدمي يكاد يكون مصادرا الان ويطل الطلاب في المدارس والمعاهد والجامعات علي العالم من خلال نافذة الغرب اكثر من أي نافذة أخري. كذلك لاننسي انه يوجد بين المثقفين الذين يجب أن نعمل بينهم من هم متأثرون بالنظرية العربية القديمة في العلم: النصوص والاستشهاد والحواشي والهوامش..الخ. بالطبع يتعرض لهذا الاتجاه الدارسون للغة العربية والعلوم الاسلامية اكثر من غيرهم، بل ويمتد أثر هذا الاتجاه الي القري بين الذين يصيبون حظا من تعليم الخلاوي وهم عناصر مستنيرة لابد من ضمها لحركة المزارعين. ان الاتجاه الدراسي لهؤلاء خطا وجامد وقد عانينا منه فترة خاصة خلال: 1951 – 1952م تحت تأثير بعض العناصر في تنظيم الحزب بام درمان.
في النضال ضد هذه العقليات في دراستنا للنظرية الشيوعية وفي تدريسنا نخلق كادرا من طليعة العاملين والشعب يستطيع ان يتخذ مسلكا سليما امام الجماهير ويجب دعوة حزبنا بينهم.
هناك ايضا عيوب في توصيل النظرية الماركسية(نعني تدريسها) في حيز هذا المستوي، مستوي الطلائع التي ترغب في الانضمام للحزب أو تنضم اليه. من أهم هذه القضايا التي تحتاج الي اصلاح قضية المرشحين والتدرج بهم الي العضوية الكاملة. بالطبع ينجذب المرشحون لحزبنا لأسباب عدة ومختلفة. فالعناصر العاملة والمزارعون يرون نضال أفراد حزبنا ويعجبون باخلاصهم للقضايا الحيوية التي تمس تلك الجماهير الثورية فيرغبون في الانضمام الي صفوفهم، وعناصر البورجوازية الصغيرة من المثقفين ربما اعجبوا بالنضال السياسي لحزبنا واقتنعوا بجدواه أو ربما تأثروا بالفكر الماركسي في الميادين الثقافية التي تهمهم. ثم هناك منجزات المعسكر الاشتراكي التي لم تعد تقوي الحواجز المصطنعة علي حجبها ..الخ. وعلي قدرتنا في اتقان العمل بين هذه العناصر في فترة الترشيح، وعلي قدرتنا في جعلها فترة الهام غنية بالمعرفة غنية بالمعرفة الثورية يعتمد استمرار المرشحين وارتقاؤهم الي مستويات أعلي من الثورية. اننا نلاحظ أن عشرات بل مئات من المرشحين يفتر حماسهم في تلك الفترة ويبتعدون عن الحزب لا لتقاعس منهم بل لعجزنا عن اتقان العمل في هذه الفترة وعن سوء تقديرنا لأهميتها. وفي الحقيقة اذا كنا نهمل هذه الفترة ولانعمل لتحسينها فما هو املنا في توسيع علاقاتنا بالجماهير وفي تحويل الحزب الشيوعي الي قوة اجتماعية كبري؟ علينا: -
أولا: أن نقدر تقديرا سليما مرحلة الترشيح باعتبارها مسئولية لا امام الحزب وحده بل امام الجماهير وانها مرحلة حاسمة في ارتباطنا بالجماهير وتقريب الماركسية اليهم.
ثانيا: ان نترجم النظرية الشيوعية، واعني مرة اخري المبادئ العامة للماركسية، وبرنامج حزبنا ولائحته وتلخيص تجاربه بلغة مفهومة لديهم وقريبة الي مستوي وعيهم.
ثالثا: أن نحترم ثورية تلك العناصر الطليعية وان نتناول معهم بالدراسة والبحث كل المواضيع الحيوية والجوهرية والا نعتبر أن هناك مواضيع في النظرية الشيوعية لا يستطيعون فهمها. المشكلة ليست الموضوع اذ أن النظرية الشيوعية هي نظرية الجماهير المناضلةفي بلادنا فهي اصلا قريبة الي فهمهم، ولكن المشكلة هي في تبسيطها وتقريبها اليهم.
رابعا: أن نلحظ الاصول الطبقية للمرشحين وان نهتم في تدريسنا لهم بما يقابلون من مشاكل. صحيح أن هناك دراسات عامة تجمع بينهم، ولكن من المهم ان نتوسع في مواضيع بعينها بين أقسام منهم مثلا عناصر المثقفين يجب ان نهتم معهم بالجوانب الفلسفية والاقتصادية...الخ.
بعد تلقي أسس النظرية الشيوعية في مرحلة الترشيح يبدأ الانسان في وضع أقدامه في الطريق ليصبح شيوعيا. أننا نعاني خطأ في هذا الموضوع. فالكثير من الرفاق القياديين ينسون ان العناصر التي تنضم للحزب وتمر بفترة الترشيح مازالت تحتفظ بالكثير من نظراتها الخاطئة المنبعثة من اصولها الطبقية ومن حياتها اليومية ومن مصادر ثقافتها. فالدراسة الشيوعية في تلك الفترة الوجيزة لايمكن أن تخلق من المناضل شيوعيا ناضجا. ان التكوين الشيوعي يتم داخل الحزب وخلال صراع طويل ضد كافة الايديولوجيات الغريبة، ومن خلال النضال العملي وفي تجارب العمل اليومي من الأخطاء وتقويمها. ولهذا فلا مكان في حزبنا اذا أراد بالفعل أن يرتبط بالجماهير لاتجاه البورجوازية الصغيرة اليساري الذي يضيق ذرعا بالصراع الصبور من أجل تخليص الأعضاء من تأثيرات الأفكار غير العمالية، بل هناك مكان وكل مكان للموقف الثوري القائم علي الصبر وعلي تعليم الأعضاء بالتدرج وبالصراع الفكري وخلال العمل وبالتعلم من الأخطاء. هناك عشرات التجارب في حزبنا في هذا المضمار. وفي انتخابات المجالس الأخيرة اتخذت اللجنة المركزية قرارا ثوريا مبنيا علي الماركسية اللينينية وعلي الدراسة الجادة لظروف بلادنا وقررت الدخول في المعركة الانتخابية وأصبح الواجب الأول هو تعبئة الأعضاء لفهم ذلك القرار لتنفيذه. ماذا نعني بتعبئة الأعضاء؟ نعني في الواقع النضال ضد الأفكار المنافية للخط الثوري ، المنافية للماركسية اللينينية. وبالفعل استطاعت اللجنة المركزية تخليص أغلبية الأعضاء من أفكار البورجوازيين حول المقاطعة، ولكن تبين في نفس الوقت ان هناك أعضاء وخاصة في رابطة الطلبة الشيوعيين وغيرهم، ظلوا متأثرين بتفكير غير ثوري. ولكن التجربة والمعركة التي خاضها الحزب تبرهن لكل ثوري صحة موقف اللجنة المركزية، ومن هذا يتعلم هؤلاء الرفاق من تجربتهم. ان عدم الصبر واللجوء الي القرارات التنظيمية العاجلة كما يفعل اليساريون من البورجوازية الصغيرة كان من الممكن أن ينزل اضرارا بهذا القسم من الأعضاء. المهم هو ان يلخص القادة المخلصون لتلك المنظمات هذه التجربة وان يهزموا الأفكار غير الثورية النابعة من احلام البورجوازيين وتقاعسهم عن مواجهة الواقع بجرأة وثبات. ان الحزب ذو ارادة واحدة تخضع أقليته لأغلبيته رغم عدم موافقتها لقرارات الغلبية. هذا مبدأ جوهري من مبادئ تنظيمنا لايمكن التفريط فيه او التغاضي عنه. ولكن يجب ايضا ان نعتبر ان الصراع من اجل جلب الأقلية الي مواقع الغلبية عملية طويلة، وان الخط الثوري ينبع في النضال ضد الخط غير الثوري، وان هذا الصراع مستمر يستهدف التكوين اللينيني.
عدم اعتبار هذه الحقائق جيدا يؤدي الي دخول العشرات الي الحزب ثم التخلي عنه (لعيوبهم)، وكان من الممكن ان تخلق فترة الترشيح شيوعيا ناضجا، او كانما الحركة الجماهيرية يمكن ان تنقل الوعي الشيوعي للمناضلين تلقائيا. واذا كان الناس وهم يلجون أبواب الحزب، تتطهر اذيالهم فجاة وتكتمل ثوريتهم فما القيمة لوجود حزبنا ومادوره في الحياة؟.
في تدريسنا في فترة الترشيح يجب ان نسلك المبدأ الماركسي للعمل بين الجماهير (من الجماهير). فالمرشحون وهم طلائع الجماهير الثورية يمكن ان يعلموا حزبنا الكثير في هذه الفترة – وهم خارجون من المعارك ويحملون كل ماهو ايجابي بين الجماهير. يجب أن نحارب المسلك الذي يعتبر فصول المرشحين كالمدارس البورجوازية يلقي فيها الأساتذة المحاضرات ويستذكر الطلبة مايلقي عليهم، بل هي مدارس لتبادل الخبرة. نحن نعطيهم النظرية الشيوعية ونسجل تجاربهم وأفكارهم، مثل هذا النوع من الدراسة التي يغتني منها الحزب الشيوعي لن يتوفر الا اذا كان التدريس يشتمل علي قضايا ملموسة. فمثلا بالاضافة الي ماأشرنا اليه من قبل لنا مرشحون من عمال النقل الميكانيكي، يجب ان تشتمل دراستنا أول ما تشتمل علي البحث في هذه المؤسسة: تكوينها، التقسيمات بين العمال،االأجور، العمل الاضافي، تاريخ الانتهازية وسطها..الخ. بهذه الدراسة يجد المرشحون انفسهم متفاعلين مع مدرسهم ولهم القدرة علي تعليمه، وبالتالي لوضع خبرتهم في صالح فرع الحزب في تلك المؤسسة وفي صالح الحزب الشيوعي بأسره.
وعندما تتفتح أذهان المرشحين لمثل هذا النوع من الدراسة الماركسية في قضايا ملموسة يقتربون من الماركسية. ويتخذون المنهج السليم في دراساتهم الذاتية وفي تدريسهم لغيرهم في المستقبل. انهم يدركون بهذا أن الدراسة الماركسية مسئولة امام الجماهير التي تطالب بالمعرفة حول قضايا ملموسة لامجرد الحديث العام. وفي الحقيقة أي نوع من المناضل الشيوعي ذلك الذي يجهل المؤسسة التي يعمل فيها: رأس مالها، أشكال الاستغلال، شروط العمل...الخ؟، وأي فائدة تجني الجماهير من الاتصال به اذا لم يكن يمتلك هذه المعارف ويسخرها بأطراف اصابعه؟.
و(من الجماهير) في فترة الترشيح وتقريب الماركسية الي طلائع الثورة موقف سليم من المعرفة. فالماركسية ليست نبتا شيطانيا او نظرية كهنوتية لاعلاقة لها بمعارف الشعب والجماهير، بل هي امتداد ثوري لمعرفة الشعب مبنية علي معارفه الثورية وكل ماهو خير ومنير من هذه المعارف. فعندما يحس الثوريون وهم يلجون أبواب الحزب ان تجاربهم الثورية جزء من الماركسية المطبقة علي ظروف بلادنا لاينعزلون في مسلكهم العملي من الجماهيربل يعملون دائما (للتعلم) من الجماهير وتعليمها ما اكتسبوا من معرفة ماركسية. وهذا هو طريقنا لاغناء الماركسية بتجارب شعبنا الثورية وبمعارفه السليمة التي اكتنزها عبر التاريخ. ان عدم تطبيق( من الجماهير) و(التعلم من الجماهير) في الفترة التي تلامس فيها المعرفة الماركسية طلائع الشعب يؤدي الي تكوين هذه الطلائع تكوينا خاطئا ويعلمهم العزلة واحتقار تجارب الشعب ويجعلهم وكانهم يبشرون لدعوة لاجذور لها بين شعبنا ولا مكان لها بين تجاربه ومعارفه. نورد مثلا ان عناصر ديمقراطية من العمال النقابيين أسهمت في الاقتراح علي حزبنا بعد قيام الانقلاب الرجعي الراهن طريقة التعاون في تلك الظروف لانتزاع حق التنظيم النقابي مرة أخري، وقد اثمرت تلك الطريقة. ان المعرفة الماركسية هي تطور لكل معرفة ثورية وتقليد أصيل في بلادنا: ثبات علي المبدأ وشجاعة ومساعدة الآخرين والتعاون فيما بين الناس الخ.
نخطو الخطوة الثانية في الاتصال بالجماهير وقد اقتربت الماركسية من طلائعهم واتخذوا مسلكا سليما منها في فترة الترشيح ووضعوا بذلك اقدامهم علي بداية السبيل الذي يؤدي الي العلاقة الوثيقة بالجماهير. كيف نترجم الشيوعية كما يقول ف.أ. لينين الي لغة يفهمها شعبنا؟
ان شعبنا لايفصل بين الفكرة وبين الشخص الذي يبشر لها وفي الحقيقة هل من الممكن ان يعتنق شخص فكرة سامية هو مبتذل أوسفيه؟ ان جماهير شعبنا تسمع عن الفكرة الشيوعية ولكنها تحكم عليها بمن تعرف من الشيوعيين السودانيين لاالشيوعيين السوفيت أو الاندونسيين مثلا، وفي مجتمع مثل مجتمعنا به الروابط القبلية والقروية ويطلب من الفرد صفات كريمة كثيرة ونجدة واستقامة وأمانة الخ. يلعب مسلك الأفراد من الشيوعيين دورا كبيرا في تقريب النظرية الشيوعية الي جماهير الشعب. علي هذا المسلك تتوقف الخطوة الأولي في الاتصال بالجماهير: ان تقبل الجماهير الاستماع في احترام الراي الشخصي ولما يدعو اليه بغض النظر عن تقبلهم لدعوته او كرههم لها. واذا كان الناس كارهين شيوعي لمسلكه الردئ فكيف يمكنهم الاستماع اليه؟. وفي تاريخ حزبنا شواهد تؤكد أن الكثير من المناضلين من أبناء الشعب وضعوا بين انفسهم والحزب حاجزا لرداءة المسلك الفردي لبعض الشيوعيين الذين يعملون بينهم، منهم من كان يكّره الناس بالثرثرة وبعضهم باحتقار تقاليد الناس وتحدي مشاعرهم الدينية، وآخرون بالسكر والعربدة. لهذا علينا أن نهتم أكثر بالمسلك الفردي لعضو الحزب وان نساعده في التخلص من كل مسلك ينفر الناس.
الخطر الأول في هذا الموضوع ناجم عن العزلة. ففي المرحلة الأولي لبناء الحزب، ومع قلة الكادر التي كنا نعانيها، ومازلنا بالطبع نعاني منها بدرجة اقل مما مضي، تحمل أعضاء الحزب أعمالا جساما وخاصة في العمل الداخلي وقد ادي هذا الي انعزال الكثير منهم عن الدائرة الاجتماعية التي يعيش بينها. وهذا بالطبع يخلق شعورا من النفور لدي الجماهير. وبالتالي فان العضو الذي تبعده بعض العوامل من بيئته يصبح عرضة للافكار المعزولة والسلوك الخاطئ فتزداد منه الجماهير نفورا. لقد دخل حزبنا في تلك المراحل الكثير من العناصر الطليعية في مجالها: مثقفون مبرزون، ورياضيون ومصلحون في احيائهم...الخ. ولكن ضغط الظروف باعد بينهم وبين مجالاتهم، وقد خسر الحزب كثيرا من ذلك لأن الأسباب التي رشحتهم للدخول للحزب قد تقطعت بفضل تلك العزلة ولفقدانهم بالتدريج المسلك السليم الذي كانوا يسلكونه قبل انضمامهم للحزب بين الجماهير التي كانوا يعيشون بينها. صحيح أن هذه الظاهرة بدأت تنحسر ولكنها مازالت موجودة ويجب علينا ان نكافح بحزم ضدها. ان المثقف الطليعي، العامل البارز، والمصلح في حيه، والرياضي المحترم في ناديه يجب ان يبقوا هناك وأن يسخروا النظرية الماركسية في خدمة من حولهم وفي تقوية مراكزهم القيادية المحترمة، وهذا المسلك المهم والماركسي هو مانسميه (حيث الجماهير) ، اي ان نبقي في كل مؤسسة جماهيرية مهما صغر شأنها وان نجعل من الذين ينضمون في تلك المؤسسات منارات تزيدها الماركسية سطوعا وصدقا وتفانيا في خدمة جماهيرهم، نذكر علي سبيل المثال أن اماما بارزا في قرية وماحولها من قري، تركن اليه الجماهير وتستشيره في شئونها، انضم الي حزبنا فبدأ ينفر من عمله وبدأ يبعد من الناس فلم ينفع الحزب ولم ينفع الجماهير التي كانت تحبه، ولو كان مسلك ذلك العضو سليما لاستطاع ان ينمي الاحترام الذي يتمتع به ببقائه في مركزه، وبابتداع طريقة ملائمة لتقريب الجماهير من الوعي الثوري وبالتدريج وبربطهم بالحزب الشيوعي ونضاله خطو خطوة.
يسلك بعض الرفاق ازاء الجماهير مسلكا نابعا من الأصل البورجوازي الصغير، فما ان يلموا ببعض اطراف الماركسية حتي ينظروا علي انفسهم وكأنهم يحملون سرا لاتقوي عليه الجماهير، وحتي يبداوا في مصادمة كل آراء الناس وتنقية طرق حياتهم. انهم لايتكلمون الا في السياسة الخالصة وكانهم وعاظ ماعدا ذلك فيعتبرونه من لغو الحديث. لقد اشرنا آنفا الي ان الماركسية في بلادنا هي تطور ثوري لكل ماهو خيّر ومتقدم بين جماهير شعبنا من معارف وتقاليد ومؤسسات اجتماعية، صحيح اننا لسنا قوميين متعصبين نقدس كل ما يصدر في بلادنا اذ ان فيه الصالح والطالح – المهم ان نضع حدا بينهما وان نناضل في صبر واناة ضد المعارف الخاطئة والتقاليد الرديئة والمؤسسات الضارة، كما علينا أيضا ان ننمي المعارف الصحيحة الثورية والتقاليد الحسنة والمؤسسات النافعة للشعب في حياته اليومية. فمثلا اذا قارنا بين بلادنا وبين أوربا الرأسمالية نجد انه في الأخيرة قد حسمت العلاقات القبلية ونمت الفردية الي حدود ربما لايعرف الرجل جاره الذي يسكن في نفس العمارة وهذا شئ سلبي، ولكن مازالت في بلادنا تقوم الروابط بيم سكان الحي في المدينة وهي اقوي بين سكان القرية، مازالت الجماهير العاملة في المصانع والمكاتب لها روابط خارج مؤسسات العمل، ومازالت الروابط القبلية بين اقسام المزارعين شديدة وبعيدة الجذور رغم تفكك النظام القبلي. ان هذه الروابط بها جانب ايجابي: بها روح الجماعة والتكاتف ان دعوتنا الشيوعية ترمي الي تكسير الحواجز بين الناس والي تضامنهم الطبقي والوطني ولهذا فنحن مع روح الجماعة والتكاتف ونعمل علي ترقيتها وتنميتها علي أسس حديثة: اسس التنظيم الطبقي في مؤسساته الاقتصادية والتعاونية والسياسية، والتنظيم الوطني في نطاق الوحدة الوطنية الديمقراطية.
لهذا لابد ان نشترك في العمل في كل ماهو ايجابي في هذا الاتجاه ونرقيه. فالناس يجتمعون في الأفراح والأتراح وينشئون الصناديق الخيرية ويجتمعون في المنازل ونحن يمكننا أن ننمي هذه العناصر الايجابية بقيام اندية ثقافية في الحي تسهم في الأفراح والأتراح، بتحويل الصناديق الخيرية التي تبقي فيها النقود دون تنمية الي جمعيات تعاونية استهلاكية تعود بالنفع العام، بتنظيم عمل التيم (النفير) في القري وضمه الي حركة المزارعين..الخ. ولن يتم لنا ترقية هذه العناصر الايجابية والصعود بها الي مستوي التنظيمات الحديثة بدون الاشتراك فيها وعدم النفور منها اولا وقبل كل شئ.
من السلوك الذي اضر بنا وخاصة في القري وفي الأحياء ذات الروابط الوثيقة مايقوم به بعض الرفاق من أفعال ازاء الطاعنين في السن وينجم ذلك من ان هذا القسم من الجماهير أقل وعيا من غيره واكثر تعصبا ضد أفكار التحرر والاشتراكية اذا ماقورنوا بالشباب الذي نال حظا من المعرفة. ان تقاليد مجتمعنا توقر الكبير وهي سنة حميدة لأن في توقير الكبير احترما للحياة وتمجيدا للعمل. ماكل كبير خير، هذا صحيح، ولكن علينا في سلوكنا دائما ان نضع عامل السن وأن نسلك مع شيوخنا سلوكا سلوكا لينا طابعه الصبر، فمنهم من يمكن ان يقنع بدعوتنا بالنقاش الهادئ مع توقيره ومنهم من لايقنعه النقاش بل يقنعه مسلك الشيوعيين وتصرفاتهم الفردية، ان بعض هؤلاء يصلون الي درجة تناقض فيها أفكارهم المتعصبة ضد الشيوعية مع مايشهدون من مسلك حميد، ومن تفان في خدمة الشعب من جانب من يحتكون بهم من شيوعيين ويعبرون عن ذلك بقولهم: (فلان رجل طيب ومخلص لولا انه شيوعي). وهذا القول، خطوة في سبيل المعرفة ونرحب به ويمكن ان ينتقل الي مرحلة اعلي.
اضر بوضع أفراد حزبنا – بدرجات متفاوتة وفي مراحل مختلفة – سلوكهم ازاء معتقدات الجماهير الدينية، أننا شيوعيون نؤمن بالعلم، ونؤمن بالمنهج الجدلي وبالمادية التاريخية، لاجدال في هذا. ولكن لكي يصل الناس الي موقع العلم في اوربا حيث تخلصت جماهير واسعة من الفلسفة المثالية غيره في بلاد مثل بلادنا. ان الاستعماريين الرجعيين والعناصر الحاقدة علينا حاولت مرارا ومازالت تحاول صرف الجماهير عنا اعتمادا علي اثارة العواطف الدينية. ولهذا لابد ان نضع هذه الحقيقة امامنا دائما وبطريقة جدية وان نكافح بحزم وصرامة ضد التصرفات الفوضوية من جانب بعض الشيوعيين والذين يساعدون الدوائر المعادية لنا بتلك التصرفات.
اننا ندعو الجماهير الثورية، بغض النظر عن معتقداتها وبدون تدخلنا في تلك المعتقدات للنضال من اجل تحرير نفسها وسعادتها: من اجل الاشتراكية، وخير الاشتراكية لن يعود علي الذين ينهجون المنهج العلمي، بل سيعود علي كل مواطن مهما كانت معتقداته.
ان الاستجابة لاستفزاز بعض العناصر ومناقشة معتقدات الناس لن يؤدي الي نشر المنهج العلمي، بل يؤدي علي العكس الي عزل الطلائع الثورية عن الشعب، ان المنهج العلمي ينشر بمكافحة الأمية والجهل وباقتناع الجماهير بمنطق الحياة.
في القري نواجه مشكلة أخري وهي استغلال الجهل لدي المزارعين بواسطة حفنة من (الفقراء) الدجالين حتي يغتنوا وتكتنز بطونهم من اموال الكادحين. لقد شجع الاستعماريون هذا النوع من الدجالين ليعينوهم علي حكم البلاد وقد استغلوهم ضد الحركة الوطنية في عام 1924م وبعد الحرب العالمية الثانية، وقد أصبح هؤلاء الدجالين نخاسين عندما انحسرت السلطة الاستعمارية وقام نظام برلماني فحشدوا المزارعين لتأييد بعض الأحزاب الرجعية وحاولا تخريب حركة المزارعين، وهم يقفون في الغالب اليوم مع النظام العسكري ويؤيدون المشايخ والنظار الذين يسومون المزارعين الخسف، ان علينا أن نكافح ضد هذه العناصر التي تقف حائلا دون التقدم والتي تشكل جزءا من العلاقات المتخلفة والطبقات المستغلة في القرية.
اننا نحاربهم لأنهم يدعون حماية الدين لأنهم يسخرون المزارعين ويسرقون أقواتهم يعينون المتسلطين عليهم. ان نضالنا لفتح مدرسة في القرية، أو شفخانة أو ناد رياضي أو ثقافي، وقيامنا بالعمل لمحو الأمية ، هذه ضربات قاصمة لتلك الفئة المتاجرة باسم الدين، ان هذه الحملة ضد المتاجرين باسم الدين والاتيان بالاعمال المفيدة لا اللجاج والثرثرة أمر مفيد لتنمية حركة المزارعين في بلادنا. أضر ومازال ينزل الضرر بنا سلوك بعض الرفاق من المؤسسات التي يعملون فيها أو يشتركون فيها واهمالهم للواجبات التي يلقيها عليهم وجودهم في تلك المؤسسات التي يعملون فيها او يشتركون فيها واهمالهم للواجبات التي يلقيها عليهم وجودهم في تلك المؤسسات بحجة انشغالهم بأعمال أخري: بحجة انشغالهم بالنضال الثوري. وقد جد نتيجة لهذا المسلك وجود تفكير بين أقسام من الجماهير يري أن الشيوعيين لايخلصون لتلك المؤسسات وانهم يعملون فقط لاستغلال تلك المؤسسات ذات الصفة الاجتماعية لأغراضهم الحزبية. علينا في هذا الحيز ان نعتبر حقيقتين: الحقيقة الأولي هي اننا يجب ان نكون مخلصين لهداف المؤسسة الاجتماعية التي نشترك فيها، فاذا كنا منضمين لناد رياضي أو لجمعية خيرية او تعاونية او لناد ثقافي فعلينا ان نركز الجهود في اطار اهداف تلك المؤسسات، علي ترقيتها وعلي قيامها بواجبها بأسلم الطرق وأجداها. هذه المؤسسات ليست منظمات سياسية مباشرة، بل هي مؤسسات ذات اغراض اخري تحتاج اليها الجماهير الكادحة في تحسين أحوالها، وفي تخفيف أعباء الحياة عن كواهلها. ولهذا فهي مفيدة ومساعدة للنضال السياسي بطريق غير مباشر. ان عملنا السياسي هنا غير مباشر وذلك:
1- بان نخلق كادرا محترما مبرزا في أعمال تلك المؤسسات وقادرا علي خدمة اغراضها، والمشتركون في هذه المؤسسات سيرون فيه بعمله مثلا يجتذب ويعجبون بخدمته وبقدرته علي ذلك.
2- ان الناس المشتركون في هذه المؤسسة لابد ان يتساءلوا وبتجاربهم عن السر الذي يجعل هذه الفرق من الناس تخدم بقدرة وكفاية أهداف تلك المؤسسات دون سواها.
وبهذا يفتح الباب أمام الوعي الثوري لدي تلك الجماهير ويقتربون من مواقع الحزب الشيوعي والماركسية اللينينية.
الحقيقة الثالثة تشتمل علي موقفنا من العمل – من مؤسسات العمل التي توجد فيها:- المصنع، المزرعة، المدرسة، المكتب، المستشفي..الخ. ان المسلك من هذه القضية يدخل في حيز المسلك الفردي الذي يؤثر علي الجماهير اما اقترابا من الشيوعيين او نفورا منهم. لاشك أن العامل الشيوعي المبرز في مهنته، والمزارع الشيوعي المتفوق في زراعته اهتماما وانتاجا، والطالب النابه ذو القدرة الأكاديمية العالية، والطبيب الخادم للشعب الحاذق لعمله، والزوجة الصالحة..الخ، هؤلاء يمتلكون قوة مغنطيسية جاذبة نحو الحزب الشيوعي. ان الكثير من القادة الشيوعيين العمال الذي أسسوا الحركة العمالية في عطبرة كانوا يجدون الاحترام بين زملاءهم لقدرتهم في العمل، وفي خلال الصراع الطبقي تصبح هذه القدرة سلاحا في يد المناضل امام المخدمين. لانريد ان نفصل في هذا الموضوع، بل نكتفي بايراد بعض الأمثلة. لقد عانت رابطة الطلبة الشيوعيين من سوء التقدير لهذه القضية في كثير من الأحيان ووقع بعض أعضائها في اتجاهات من العزلة لاتخدم قضية الماركسية بين الطلبة. في كثير من الأحيان يرسب قادة الطلبة في امتحاناتهم لالقصور مداركهم ولا لعجز في قدرتهم علي استيعاب العلم، بل لأنهم يتخذون من الدراسة في معاهدهم مسلكا خاطئا. أنهم وقد الموا ببعض الماركسية يحتقرون الدراسة وخاصة في الكليات النظرية، انهم يحتجون بانهماكهم في العمل الثوري؟!، النتيجة هي هبوط في نفوذ رابطة الطلبة الشيوعيين وربما فقدان لهؤلاء الأعضاء. ان الطالب الشيوعي الحق هو من يستطيع تقدم زملائه في المعهد والمدرسة والعمل الثوري في نفس الوقت. وليس ذلك مستحيل، بل كانت ومازالت لدينا أمثلة يضربها رفاق ثوريون حقا.
ان مصدر هذا النوع من المسلك المنفر هو الأفكار الفوضوية للبورجوازية الصغيرة التي لاتري الثورية في العمل السياسي (الخالص)، (المطلق)، (المجرد)، من كل شئ آخر.
هل نحن ننتقد هذا المسلك الخاطئ من العمل لأننا نريد أن نجمع مؤيدين لحزبنا بوجود عناصر شيوعية مبرزة في عملها؟... بالطبع نحن في هذه المرحلة يجب ان نلبي احتياجات الثورة السودانية وعلي رأسها تنمية الحزب الشيوعي بين الجماهير الأمر الذي لن يتم الا بوجود أعضاء له في كل مؤسسة لهم المسلك الحميد والفضائل مايحببهم الي نفوس الناس. هذا حق وليس استغلالا ولاتضليلا للجماهير. وفي الوقت نفسه فنحن نلبي ايضا احتياجات شعبنا العاجلة، فشعبنا الذي نال استقلاله حديثا يتعرض لهجمات الاستعمار الحديث في حاجة الي كادر حاذق من العمال والمزارعين والمثقفين لتشييد بناء جمهوريتنا. اننا نعلم أن الكادر الماركسي اللينيني لن يجد الحرية لذلك البناء الا في ظل النظام الاشتراكي، لكن النظام الاشتراكي الذي سيشرق حتما في بلادنا سيضع قواعد كادرنا الراهن الذي نبنيه حاذقا ومتفوقا في ميادين تخصصه. والي أن تدخل بلادنا في مرحلة الاشتراكية، فان الكادر الشيوعي في المهن المختلفة يناضل بحزم ضد الفساد والاستهتار بالعمل والاحتقار للمسئولية ازاء مصالح الشعب، ولهذا فالكادر الشيوعي المبرز في ميدان عمله، يمكن ان يلعب دورا الآن في بلادنا، وفي جذب الجماهير نحو الحزب الشيوعي، وبالتالي في تقريب التطور الاشتراكي، وسيكون الرصيد للبناء الاشتراكي في المستقبل.
هناك الوانا اخري من السلوك تضر أيضا بقضية علاقتنا بالجماهير، يقوم هذا السلوك علي تفكير يقول عمليا: (من ليس معنا فهو ضدنا، ومن اختلف معنا مرة فهو ليس منا). وهذا تفكير مثالي خاطئ، اذ انه في بلد مثل بلدنا رغم الجهل والأمية يعد الذين لهم مصلحة حقيقية ضد الاشتراكية علي الاصابع وهم قلة من اصدقاء المستعمرين والرجعيين.
صحيح أن الكثير يحمل افكارا سخيفة ويعادي الحزب الشيوعي السوداني دون سبب. هناك كثير من المثقفين يتأثرون بالأفكار الغريبة المنحدرة المعادية للشيوعية دون تفكير وروح ناقدن هناك الكثير من الجهل يقف حاجزا بين دعوتنا والجماهير خاصة في القري الخ، ولكن صحيح أيضا اننا بالشرح والصبر ومن تجارب الناس نستطيع اقناعهمن نتج عن هذا المسلك الخاطئ المتميز بالعجلة ان أصبح بعض الرفاق يطلقون الصفات علي الناس دون مبرر، فهذا انتهازي وذلك جاسوس. بالطبع هناك الانتهازي وهناك الجاسوس ولكن الانتهازية مسلك مستمر وموقف طبقي والجاسوسية أمر لابد من الحذر والدقة والاقتصاد في الحكم عليها. لقد اخطأ كثير من المناضلين من الجماهير في مواقف مختلفة، بل هاجم بعضهم الحزب الشيوعي، ولكونهم مناضلين بدأ تتكشف لهم الحقائق فنظروا في أفكارهم وانضموا الي صفوف الحزب الشيوعي عن اقتناع ومنهم اليوم مناضلون ثوريون. وهذه الأحكام العاجلة المبتسرة تصبح اخطر أثرا عندما تصدر من قادة حزبنا، وهناك بعض الرفاق في فصائل القيادة يسلكون هذا المسلك غير المسئول ازاء الجماهير بل في بعض الأحيان ازاء الأعضاء (فيستثقلون) دم شخص دون ذنب جناه، ويذمون آخر ويجرحونه دون مراعاة لمراكزهم ومسئولياتهم.. مثل هؤلاء الرفاق يخربون علاقات حزبنا بالجماهير ويهدمون مابني غيرهم في وجه صعوبات جمة، ويستجيبون لفردية البورجوازي الصغير الذي يعيش أسيرا لتعصبه ويبني احكامه علي النزوة الطائشة والعواطف الفجة.
اذا سلكنا سبلا سليمة واتخذنا مواقف ماركسية حقة، فاننا نستطيع ان نجعل من المرشحين أعضاء في الحزب وبهذا نكسب حلقة ثابتة في الاتصال بالجماهير. ولكن ماكل من يجتاز فترة الترشيح يبقي في الحزب، بل نحن نلاحظ في الكثير من تنظيمات حزبنا عدم استقرار في العضوية. لاشك ان هناك عوامل كثيرة لهذه الظاهرة، منها الاختيار الردئ للمرشحين، وصعوبة النضال الشيوعي في بلادنا، والتغيير الذي يطرأ علي بعض العناصر نتيجة تغير معيشتها..الخ. ولكن ايضا هناك أنواع من السلوك المنافي للماركسية اللينينية من قبل التنظيمات الحزبية تساعد علي تفاقم تلك الظاهرة. فالحياة الداخلية في بعض منظمات الحزب لاتسير علي اسس سليمة وخاصة في موضوع المركزية الديمقراطية اذ أن بعض الرفاق يدوسون علي هذا المبدأ الذي لن يستقيم الحزب الشيوعي بدون تطبيقه. انهم يضعون السلطة التنظيمية محل الصراع الفكري والاقناع، انهم لايحترمون رأي الأقلية، انهم لايناقشون سياسة الحزب بقدرما يصدرون الأوامر العسكرية. ساعد علي نمو هذا الاتجاه انعدام الديمقراطية في بلادنا وظروف الضغط والاضطهاد التي يعيش فيها الحزب الشيوعي. لكن هذا الاتجاه خطير جدا وهو صادر عن عقلية فوضوية، عقلية مغامرة لاعلاقة لها بالعقل الماركسي. والاضرار الجمة تلحق بالحزب نتيجة لهذا الجو الخانق كما حدث بالفعل في مديرية الخرطوم نتيجة مسلك سكرتيرها التنظيمي الزميل جبارة. لقد انعزل الحزب في دوائر هامة بهذه المديرية وتساقطت عضويته وانفض الروح الثوري عند بعض الذين بقوا في صفوفه. ان أساليب الزميل جبارة في القيادة وازاء الأعضاء خير مثال للأساليب الضارة: فالرقابة علي القرارات تعني التحقيقات المستمرة، وتعبئة الأعضاء حول خط بعينه تعني التبليغات العسكرية، والاختلاف في الرأي يعني العداوة والاحقاد والطرد من العضوية. فاذا كان هذا هو المسلك من الأعضاء فما املنا في خلق صلات بالجماهير؟.
لقد حاولنا ومازال علينا ان نحارب باستمرار الروح العائلي في عملنا الذي تغذيه دائما الروابط القبلية والاجتماعية في بلادنا، لن ذلك الروح يمنع النقد ولايكشف الأخطاء وبهذا يحول دون تطور الحزب ونمو علاقاته بالجماهير. ولكن بعض الرفاق يفسرون عداءنا للروح العائلي تفسيرا يذهب به الي حد العزلة بل الجفوة بين الأعضاء عدم قيام علاقة بينهم الا في الاجتماعات الحزبية.
هذا خطأ وقد برهنت العلاقات الكفاحية خارج الاجتماعات والاتصالات لتبادل التجارب خلال العمل اليومي والمعايشة في فرع الحزب، كما يفعل بعض الرفاق في حي الثورة بأم درمان، علي جدواها وفائدتها في الرقابة اليومية علي العمل واصلاح الخطأ قبل استفحاله. ان وحدة العضوية في افكارهم امر مهم لارتفاع مستوي ثوريتها ولبقائها في صفوف الحزب مناضلة متقدمة، هذه الوحدة لاتتم في الاجتماعات وحدها، بل تتم في العمل المشترك بين أعضاء الفرع( الوحدة التنظيمية) ومساندتهم لبعضهم وتلخيصهم لتجاربهم وهم يقومون بتنفيذ مهمة بعينها بين جماهير مجالهم.
من السلوك المنفر لللاعضاء تواتر الاجتماعات الحزبية وطولها واوقاتها غير المناسبة، فتواتر الاجتماعات لايدل علي ثورية الفرع او التنظيم لأن الاجتماعات هي مكان لتبادل الخبرة وتلخيصها وتحديد الواجبات والرقابة عليها وللدراسة الماركسية. والاجتماع مسخر لخدمة العمل بين الجماهير، ولهذا فلا فائدة لاجتماعات تعكس نشاطا بعينه بين الجماهير. فاذا كان الأعضاء بعد الانتهاء من ساعات عملهم المعيشي يقضون معظم أيامهم في الاجتماعات الداخلية فماذا يفيدون الحزب في توثيق علاقاته بالجماهير في تنفيذ خطوطه؟.. ان تواتر الاجتماعات ظاهرة تدل علي العزلة عن الجماهير ومحاولة لسد الفراغ بأي ثمن وبأي شكل هذا أمر يؤدي الي الهبوط بثورية الأعضاء ولانعزلهم عن مجالاتهم.
وطول الاجتماعات دون مبرر هو تعذيب لللأعضاء، صحيح اننا ننجز ماهو مطروح من اعمال في اجتماعاتنا، ولكن فرع الحزب الذي يجتمع بالساعات الطوال لابد ان يكون مرتكبا لخطأ ما. فلو ان الاجتماع حضر له بعناية واهتمام ومسئولية، حضر جدول اعماله وورزع علي الأعضاء قبل وقت مناسب، وسجل من يريد الكلام اسمه عند سكرتير الفرع، ووزعت التقارير قبل الاجتماع، فان ذلك الاجتماع سيكون مريحا ومثمرا. ان الكثير من العناصر المناضلة وخاصة من العمال يحومون حول الحزب خوفا من تواتر الاجتماعات وطولها الذي يسل الروح من الجسد، كما ان الكثير من العناصر الثورية التي انضمت الينا فرت بجلدها بعد ان جربت تلك الاجتماعات، ان الاهتمام بالاجتماع الحزبي والتحضير الدقيق له مسئولية امام الأعضاء، ومسئولية امام الحزب للاحتفاظ باعضائه ولرفع ثوريتهم وهو بذلك مسئولية فيما يختص بصلة الحزب الشيوعي بالجماهير.
بالطبع تخضع مواقيت الاجتماعات الحزبية في ظروفنا الراهنة لظروف الأمان وغيرها من الظروف الصعبة التي نواجهها، لكن اذا أردنا ان نعقد اجتماعا مناسبا، فلابد من اختيار الميقات المناسب الذي تكون فيه القرائح مشحوذة العقول ولايداعب النوم الأجفان.
نود ان نشير هنا الي نقطة لها صلة بموضوعنا الذي نحن بصدده وهي خاصة بمسلكنا ازاء التكوين الشيوعي للاعضاء. لقد راعت ذلك لائحتنا – وهي صادقة في ذلك – في مرحلة الترشيح اذ فرقت بين الجماهير الثورية فجعلت للعمال والمزارعين بوصفهم اكثر الطبقات ثورية فترة ترشيح اقصر من المثقفين رغم ان الأخيرين يتمتعون بمستوي للمعرفة اكبر من اولئك، وبالتالي فهم في وضع يمكنهم من تفهم النظرية الماركسية. ان اللائحة راعت الأصل الطبقي والثورية وثبات العمال والمزارعين في نضالهم مع تعرض الفئات الخري لضغط الأفكار غير الثورية. ان الحزب الشيوعي السوداني تحكمه لائحة واحدة وقواعد تنظيمية واحدة تطبق علي كل اعضائه بغض النظر عن أصولهم الطبقية، ولكننا في التكوين الشيوعي يجب ان نتخذ اسلوبا يقرب ولاينفر وان نعرف الأفكار التي يعاني منها بعض الأعضاء وتقف حائلا دون تنمية ثوريتهم وتحول بينهم وبين التكوين الشيوعي. وفي هذا المضمار نريد ان نشير الي قضية المثقفين. ان المثقفين في مثل بلدنا لهم دورهم ثوري كبير وهم يلجون صفوف حزبنا بالنضال الصبور ضد العوامل السلبية التي يعيشون تحت وطاتها. والمسلك في حياة الحزب الداخلية ازاءهم ركن اساسي من هذا العمل.
لقد كانت أوساط المثقفين الولي التي وصلت اليها النظرية الماركسية في بلادنا وظل الحزب الشيوعي يعمل بينهم منذ تكوينه فأين وصلنا بينهم؟.. لقد توصلنا الي شئ ايجابي مهم وهو اننا تمكنا من ايجاد كادر من صفوفهم ثابتا بين حلقة الكادر القيادية قدموا خدمات مشكورة لقضية الشعب والجماهير العاملة السودانية. ولكن هذه الحلقة بالمقارنة مع المئات الذين تمتعوا في وقت او آخر بعضوية الحزب الشيوعي قليلة جدا، ولا مكان لها عند المقارنة. لاشك اننا نعاني ازمة في هذا الميدان ونعني الاحتفاظ بعضوية المثقفين وتنمية قدراتهم الثورية. لقد تطرقنا الي هذه الأزمة مرارا وخاصة بعد عام 1954م(فترة الحكم الذاتي) ووجدنا ظروفا موضوعية تساعد علي تفاقم تلك الأزمة وعلي رأسها انحسار السلطة الاستعمارية من بلادنا وتفتح فرص جديدة للمثقفين في اجهزة الدولة مما ادي الي تحول كبيرفي وضعهم الاجتماعي والي انحسار اقسام منهم باكملها من صفوف الثوريين وأصبحوا يشكلون جزء من بيروقراطية الدولة ومن البورجوازية الوطنية. هذه الحقيقة وحقيقة ايضا اننا مانظرنا في جانب من جوانب النشاط في بلادنا، الا وجدنا شيوعيين سابقين او اعضاء في الجبهة الديمقراطية قليل منهم اختلف مع الحزب وتبدلت وجهة نظره للحياة وكثير منهم لاخلاف بينه وبين الحزب. واذا كنا نهتم بصلتنا بالجماهير، فعلينا ان نعالج كل مسلك يؤدي الي هذه النتيجة خاصة في حياة الحزب الداخلية.
يجب أن تعالج هذه القضية في المدارس والمعاهد والجامعات: في رابطة الطلبة الشيوعيين، لقد كان تنظيم الطلبة في رابطتهم عام 1949م خطوة ايجابية لها نتائجها التي لامكان لسردها الآن، ولكن هناك جانبا سلبيا للرابطة وهي أنها لاتعطي الفرصة للعناصر الصلبة المتقدمة من الطلبة لكي يكونوا تكوينا شيوعيا بين الجماهير العاملة والكادحة. فهم رغم نضالهم الثوري المجيد، رغم قدرتهم علي تفهم الماركسية يحتفظون بكثير من عادات البورجوازية الصغيرة ولايتحولون الي خادمين للعمال والكادحين، وهذه العادات السلبية يتفاقم خطرها عندما يخلفون عهد الدراسة وتبدأ علاقاتهم بالانتاج. اننا يجب أن نعالج هذه القضية وذلك بابتداع الوسائل الكفيلة بتربية كادر الطلبة والمبشرين منهم بين صفوف العاملين – في فروع الحزب وهيئاته ذات التكوين الشعبي. وهذا أمر صعب ولكنه ممكن التحقيق، بل هو ضرورة ملحة. كذلك علي الحزب أن يساعد الرابطة في ميدان الصراع الفكري اذ أن الطلبة في معاهدهم يواجهون كافة النظريات الرجعية والتي لاعلاقة لها بالتقدم ولهذا فالعمل الفكري يتخذ طابعا جديا هنا وفي مستوي أعلي: في مستوي الفلسفة والمناهج الفكرية، في الكتابة والأدب بفروعه المختلفة..الخ.
اذا استطعنا علاج هذه القضية بهذا المستوي وفي تلك المرحلة(مرحلة تلقي العلم) فاننا سنخرج بفصيلتين من المثقفين: اولاهما فصيلة ذات مستوي معقول من الشعبية وتخلصت من الكثير من عادات البورجوازية الصغيرة، وهذه الطليعة التي تلعب دورا كبيرا في صفوف الحزب والحركة الجماهيرية، ثانيهما: فصيلة غالبة ذات مفاهيم ماركسية، ولكنهم محافظون بدرجة أكبر علي أصلهم الطبقي ويتعرضون للتحول نتيجة للتغير في معيشتهم، ومسلكنا نحو هذه الفصيلة يجب ان يكون واقعيا وثوريا، وان نحارب كل مسلك فوضوي يرمي الي اصدار أحكام بالجملة عليهم: (فلان اصبحت له عربة)..الخ.
اننا نقف في أرض صلبة في نضالنا لاستمرار هذه الفصيلة كجزء من حزبنا لأن الطبقة العاملة في بلادنا أقوي فكريا وتنظيميا حتي في ظل النظام الرجعي الراهن، المنجزات الاشتراكية الثقافية والعلمية ترتقي كل يوم في مدارج التقدم ولهذا فقطاعاتنا قوية وقدرتنا علي المحافظة علي تلك الفصيلة من المثقفين الشيوعيين أقوي من الطبقات الأخري. أننا نبدأ من الممكن، هؤلاء الرفاق يعملون في المؤسسات المختلفة ومعظمهم يعمل باستقامة ونزاهة ونحن يهمنا أن يكونوا كذلك لبناء وطننا وهنا نلتقي في أكثر من نقطة، اننا نحتاج معهم الي التنظيم المرن الذي يلائمهم، نحتاج الي رفع قدرة الحزب الفكرية ليساعدهم ويستفيدوا من العلاقة به في تنمية مداركهم، ان المسلك اليساري وعدم المبالاة هو أخطر شئ، مثل لهذا ان احد الرفاق الذين تخرجوا في الجامعة اصبح لايدعي للاجتماعات، وكان سكرتير الدائرة يقول: هذا اصبح موظفا كبيرا فماله ومالنا؟. واليوم حينما نلتفت نجد الرفيق الذي اختير موظفا كبيرا يخدم شعبه والجماهير العاملة بينما تراجع سكرتير الدائرة وأصبح يجري وراء حل مشاكله الشخصية. ان المبدأ الذي نرتكز عليه مع هؤلاء المثقفين هو: من كان مستعدا لخدمة الشعب والجماهير العاملة فنحن نساعده ليخدم أكثر، ومن قعد دون ذلك فيكن محايدا او مستقيما.
وهكذا اذا استطعنا أن نحارب العقليات الغريبة في دراسة الماركسية وتدريسها أن نتخلص منها، واذا استطعنا ان نربط كادر حزبنا باولي حلقات الجماهير ونعني طلائعهم من المرشحين وتمكنا من الهجوم علي كل مسلك ينفر هؤلاء المرشحين من حولنا، وعانقنا كل مسلك يحبههم فيه ويرفع من ثوريتهم ويحافظ علي بقائهم معنا، واذا استطعنا أن نحرر أنفسنا من السلوك الذي ينفر الجماهير عنا ويجعل بيننا وبينها ستارا سميكا، فاننا نكون قد حقفنا أول خطوة ناجحة في وصل حركتنا بالجماهير الشعبية الثورية: امكننا أن نجعل الناس يقبلون علي الاستماع الي دعوتنا بغض النظر عن قبولهم لها أو رفضهم اياها.
نخطو بعد هذه الخطوة الثانية وهي افهام الناس مانريد وما ندعو له بالوسيلتين المعروفتين: اللسان والرمز(الكتابة علي رأسه) وذلك مايعرف بالدعاية. علينا اذن النظر في هاتين الوسيلتين وان نكشف عيوبنا فيها ونكافح للتخلص من تلك العيوب حتي يستطيع الناس ان ان يفهموا افكارنا ودعوتنا الشيوعية وان يقتنعوا بها.
لاشك أن اللسان أهم وسيلة لنا في الدعاية وذلك لأن الأغلبية الساحقة في بلادنا أمية وبهذا فان كل مايصدر من مكتوب في حزبنا ويصل الي فرع الحزب حيث تلامس الجماهير لابد من ترجمته مرة اخري باللسان الي الجماهير وخاصة في القرية، ومن هنا تنبع اهمية الكلام ، يجب ان نحسن مخاطبتنا للناس وان نختار اللغة التي يتكلمون بها، وطالما كان قصدنا الافهام والاقناع فعلينا ان نستعمل لغة بسيطة يسيرة واصحة المعاني: اللغة التي تتحدث بها الجماهير وتقضي بها حوائجها اليومية، صحيح اننا نحمل رسالة جديدة للجماهير بها أفكار جديدة ولا أفكار جديدة الا اذا كانت تحملها الفاظ ولكن علينا ماوسعنا الأمر أن ننقل أفكارنا الجديدة بوساطة مايلائمها من لفظ متداول وان نقرب الالفاظ الجديدة الي الناس، علينا ان نتحاشي غريب اللغة وخاصة المنقول منها من تراجم لبعض الكتب الماركسية – ذلك الأسلوب الذي كان يصوره خير تصوير. الزميل ثابت والذي يصل الي مستوي الغراب والغموض: التفاعلات الطبقية، و(الاستقطاب الجماهيري)، و(ذيلية بورجوازية متعفنة) الي ىخر تلك الالفاظ التي لاشبيه لها الا عند جماعات حزب البعث.ان مصدر هذا الاسلوب في مخاطبة الجماهير يرجع الي غرور البورجوازي الصغير الذي يريد ان يتظاهر بالمعرفة وهو لايلم الا بقشورها، الذي يهدف الي ادهاش الناس وانتزاع الاعجاب منهم لاافهامهم واقناعهم، ان الجماهير نفسها انتقدت كثيرا هذا الاسلوب في المخاطبة بل ان كثيرا منهم، وهم غير اعداء حقيقيين لنا، جعلوا ذلك الاسلوب سخرية وهزأ مما يساعدنا اليوم علي تقريب بعض الألفاظ العلمية الي الجماهير أنها طرحت بوساطة اجهزة الدعاية في مصر وهي تتحدث عن الاشتراكية فاقتربت بعض الألفاظ الي اذهان جماهير شعبنا: بالاشتراكية والرأسمالية والاستغلال والرجعية الفاظ واسعة الانتشار الان، ولكن مهما كان الأمرن علينا ان نقتصد كثيرا في استعمال اللفظ الغريب علي الجماهير، الا اذا لم يكن هناك مفر من ذلك، وفي هذه الحالة نشرحه جيدا.
ان اسلوب الوعظ في مخاطبة الناس مسلك سخيف ومنفر، لايؤدي الي افهام الجماهير شيئا، فبعض الشيوعيين وقد الموا باطراف الماركسية يفرضون انفسهم وعاظا علي اخوانهم، لهم في كل مشكلة رأي وفي كل قضية فتوي، ان جماهير شعبنا تكره المدعين والذين يتولون صدور المجالس وكانهم يحيطون بكل شئ علما، ونذكر ان رفيقا روي تجربته مع عضو جاء ليضمه للحزب فرأي بين يديه ديوانا لشاعر عربي معروف فما كان منه الا ان بدأ يهاجم يهاجم ذلك الشاعر ويصفه(بانه بورجوازي تافه) لاجدوي من قراءته وهو الذي ربما سمع به لأول مرة في تلك المقابلة. ماذا يعود علينا هذا السلوك بغير الضرر؟ فالعضو المقتصد في حديثه، الذي لايتكلم الا فيما يعلم، يكسب احترام الناس ولايعيبه ان يعلن انه لايعرف شيئا عن موضوع بعينه.
علينا في مخاطبة الناس ان نتمسك بالديمقراطية ونرعاها دائما. يجب الاستماع الي أراء الناس مهما اختلفنا معهم ومهما كانت خاطئة وان يتسع صدرنا لذلك، ان فكارنا ودعوتنا ونظريتنا لاترضي بالكبت ولا بالثرثرة واللجاجة واسكات صوت الاخرين، بل بالمناقشة الهادئة وبالاستماع الي أراء الاخرين وبمحاولة اكتشاف النقاط التي تتفق معهم فيها وكشف ما نختلف في امره، كل ذلك عن هدوء ودون اثارة. ان التغاضي عن الديمقراطية خلال مخاطبة الناس تفكير خاطئ يفرض الصواب في رأينا الخطأ كل الخطأ في رأي غيرنا، انه لايحتمل وجود الخلاف في الراي.
وكما تقول العرب (لكل مقام مقال) في بعض الأزمان يتجمع الناس في مناسبات وامكنة لايودون فيها الحديث في السياسة، يجب علينا الانفرض مواضيع الحديث فرضا علي الناس فنظريتنا ودعوتنا وأفكارنا تتناول بالبحث مناحي شتي من الحياة : الثقافية والعلم والفن..الخ. والحديث كما يقال ذو شجون فربما بدانا بالفن وخلق جو مناسب للحديث في قضية سياسية أخري. وهكذا يجب الا نتعجل في فرض المواضيع وان نراعي المقام، مثلا في بيوت الأفراح يود الناس دائما الاستمتاع بذلك النوع من المناسبات وتختلف حلقاتهم، فمنهم من يود الحديث في موضوع دون الآخر. ولكن بعض الرفاق، ومنهم قادة في الحزب، يفرضون مواضيع لأحاديث تدعو للشقاق في تلك المناسبات وتثير الخواطر وتفسد المناسبة علي الداعين، مثل هذا المسلك وماشابهه منفر ولايدعو للاحترام. انه يتخذ مظهر الثورية ولكنها في الواقع ثورية الفوضي والبورجوازية الصغيرة. فالحديث في هذا الموضوع دون ذاك يمكن ان يتاجل اذا لم يتهيأ المقام، فالحياة لاتتوقف ويحل يوم جديد وأيام لاحصر لها وسيجد الشيوعي وغير الشيوعي الفرصة للحديث في المقام المناسب.
الوسيلة الثانية لافهام الناس نظريتنا ودعوتنا هي الرموز ونكتفي هنا بالحديث عن الكلمة المكتوبة كفرع من فروع الرمز. الكلمة المكتوبة في حزبنا تنحصر الان في الصحافة بشقيها الداخلية منها أو الجماهيرية، وفي المنشورات والكتيبات، والشعارات علي الحيطان.
نلاحظ بشكل عام وفي الصحافة علي وجه التخصيص أن هناك فصلا بين مانكتب للاعضاء ومانكتب للجماهير بدليل وجود نوعين من الصحافة عندنا في المركز والمديريات. ماهي الجذور التاريخية لهذا الفصل؟.. لقد بدأ حزبنا بحلقة قليلة العدد تحاول أن تكسب لها مؤيدين: ان تكسب أعضاء يؤمنون بالنظرية الشيوعية وشرعت في محاولة لشرح الأسس العامة للماركسية وكان ذلك امرا جديدا، واجهنا الفاظا جديدة عربناها وأفكارا جديدة لم يكن في قدرتنا في تلك الفترة ان نبسطها أو نطبقها او نقربها بالمثل والعمل الي الأعضاء الحديثين. لهذا وجد ذلك النوع من الكتابة الموجه للاعضاء والذين استطاعوا معرفة التعابير الجديدة وألموا بالمعاني والأفكار الجديدة ايضا. ثم ان تقييد الديمقراطية في بلادنا في مراحل الحكم الاستعماري ومابعده اوجد بطريقة غير مباشرة تفكيرا بيننا بأن هناك أشياء محرم ان نخوض فيها امام الجماهير (حتي لانكشف تنظيمنا) أمام الأعداء. صحيح ان كل حزب سري يجب ان يحافظ علي امانة: عضويته وعددها ونوعها..الخ. حتي يحافظ علي بقائه أمام الهجمات المتواترة من اعدائه، ولكن من الخطأ اعتبار وجود قضايا سياسية وفكرية من معرفتنا والاحاطة بها. وصحيح كذلك ان هنالك – بعض القضايا التي تهم الأعضاء كثيرا من مشاكل فنية وتربية للكادر لاتستهوي الجماهير بقدرما تستهويها القضايا السياسة والفكرية والثقافية. ولهذا لابد من اعتبار كل هذه العوامل والا ننظر لهذه القضية من زاوية واحدة.
لقد أدي وجود صحافة داخلية الي نتائج ايجابية أولاها تكوين كادر شيوعي يلم بخبرات العمل الحزبي بوساطة تلك الصحافة، بل ان هذه الصحافة كانت ومازالت في أقسام مهمة من حزبنا الرابطة التنظيمية والفكرية الأولي بين اعضاء الحزب. وهذا جانب ايجابي نقدره حق قدره، ولكن هذا الوضع ادي ايضا الي عزلة في أساليب دعايتنا المكتوبة(الصحافة) بين الجماهير وذلك بنقل الأسلوب واللغة التي نكتب بها في الصحافة الداخلية الي حيز الصحافة الجماهيرية، ولكي تستطيع صحافتنا افهام الجماهير دعوتنا، لابد لنا من علاج هذا التناقض.
اولا: ننظر بعين الاعتبار الكافي الي ان هناك حاجة للصحافة الداخلية، ولكن لابد من تحديد لدورها وان تحصر نفسها في تلخيص تجارب بناء الحزب وفي التكوين اللينيني لللاعضاء بالصراع ضد كل مسلك خاطئ في حياة الحزب الداخلية وبين الجماهير، أي النضال ضد الايديولوجيات غير العمالية. وفي هذا الحيز علينا ان نرعي بساطتها وأسلوبها السهل المشوق حتي يفهمها فرع الحزب دون عناء وان نتحاشي التعقيد وغريب اللغة، وهذه خطوة في توحيد صحافتنا. واذا كان هذا دور الصحافة الداخلية، وذلك هو الحيز التي تعمل فيه، فان ذلك يستوجب اصدارها في اوقات مناسبة تستطيع فيها اداء رسالتها علي وجه كامل والا يكون الدافع الي اصدارها مجرد الصدور حتي ولو كانت لاتحمل شيئا ذا بال. لهذا نقترح ان تصدر الشيوعي شهرية لأنها تستطيع أن تؤدي رسالة كل شهر بما يتجمع من تجارب المنظمات المختلفة في حزبنا، وان تصدر المجلات الداخلية للمنظمات الحزبية الأخري في فترات متباعدة موسمية – أربع مرات في العام. هذا سيفيد منظمات الحزب كثيرا لأنها تستطيع في تلك الفترات جمع تجاربها وتلخيصها وبهذا يرتفع مستوي الصحافة الداخلية موضوعا وشكلا وتوزيعا، وفي نفس الوقت يدعم هذا مركز الشيوعي بين منظمات الحزب الداخلية، وهذا امر هام لتوحيد حزبنا وترابطه.
ربما تجنح بعض المنظمات وخاصة ذات العلاقات الضعيفة بالجماهير بان ذلك سيؤدي الي حدوث فراغ في الحياة الداخلية فيها وهذا غير صحيح، وخاصة اذا نفذ بحزم قرار اصدار مجلة الشيوعي شهرية وارتفعت المقدرة التنظيمية علي توزيعها حال صدورها، وهذا غير صحيح ايضا اذا عالجنا عيوب الشق الاخر من صحافتنا ونعني الصحافة الجماهيرية.
ثانيا: ان صحافتنا الجماهيرية تعاني عيوبا كثيرة تجعل اقبال الجماهير عليها ضعيفا، بل اقبال أعضاء الحزب ايضا. تتناول هذه الصحافة بشكل عام قضايا النشاط العملي بطريقة اثارية ولاتعالج المواضيع الكبري بطريقة وافية ومستقصاة. لهذا فأعضاء الحزب وهم حلقة لللاتصال بالجماهير الثورية لاينتظرون من ورائها حلا للقضايا التي يفكرون فيها من قضايا فكرية وجماهيرية وتنظيمية ودعائية ...الخ. بل ينتظرون ذلك من مجلتي(الشيوعي) و( الوعي) ومن مجلاتهم الداخلية، ومن البيانات المنفصلة التي تصدرها الهيئات المركزية والمحلية. ان الكثير من الأعضاء لذلك لايقرأون صحافتنا الجماهيرية ويعتبرون انفسهم مجرد موزعين لها، وعندما يوزعونها لايرون فيها مايستحق الشرح والمناقشة مع الجماهير. اذا أردنا ان تكون صحافتنا الجماهيرية وسيلة مجدية لنقل للجماهير فعلينا اولا الارتقاء بمستوي المواضيع التي تتناولها. يجب ان تتناول تلك الصحافة كل القضايا السياسية والفكرية والثقافية. مثلا عالجت اللجنة المركزية في اجتماعها في يناير مشاكل الاشتراكية العلمية وزيف الأفكار الاشتراكية الأخري: هذا موضوع يهم الجماهير التي تقرأ تلك الأفكار الغريبة علي الاشتراكية وتتأثر باجهزة الاعلام الخري... وهذا موضوع يجب ان نعالجه في صحافتنا بطريقة سهلة ومحببة. ان ارتقاءنا بمستوي الموضوع في صحافتنا قائم علي احترام الجماهير وانها يمكن ان تفهم كل قضايا الحياة العلمية والسياسية والاجتماعية، وبهذا لن تكون صحافتنا مجرد مثيرة سياسية بل داعية ومعلمة للشيوعية ومدرسة لتثقيف اعضاء حزبنا ولتربية كادر من بين الجماهير يعمل في الحركة الثورية وفي صفوف حزبنا. نقترح في هذا المضمار اصدار مجلة(الوعي) – وهي المجلة النظرية للجنة المركزية لحزبنا شهرية وان توزع علي الجماهير. وكذلك نقترح ان تصدر اراء حزبنا في مركزه وفي قياداته المحلية في الصحافة الجماهيرية قدر الامكان وان كان هناك مايدعو للعجلة فتصدر كملاحق لتلك الصحافة، وبهذا ستجد العناية من الأعضاء ولايعودون ينتظرون راي الحزب في القضايا المختلفة غير صحافته الجماهيرية.
كذلك علي صحافتنا الجماهيرية أن تحترم مبدأ( من الجماهير) في ما تتناول من مواضيع وذلك بان تكون لها عين ثاقبة واذن صاغية لما يدور بين الجماهير من قضايا وماتواجه من مشاكل. فمواضيع الدعاية بين الناس لاتفرض من جانبنا والا ستكون مجرد مقالات اكاديمية يقرأها الانسان ثم يطرحها جانبا بل تفرضها الحياة – ودورنا هنا ان نعرف تلك المشاكل ونحيط بتلك القضايا فنشرحها ونرتفع بمستواها حتي يتعلم الناس من تجاربهم ويقارنوا قولنا بالواقع ويقتربوا بهذا من مواقعنا. نذكر علي سبيل المثال ان العاصمة ظلت اياما وهي تعاني من قلة في اللحم فكاد ان يصل الي العدم بسبب اضراب العمال في مذابح ام درمان ولكن رغم هذا لم تشر اللواء الحمر أو صحافة مديرية الخرطوم الي ذلك الا بعد انفراج الأزمة. نعم كانت هناك ازمة في الطباعة ولكن أي نوع من الصحافة التي تسعي لتحتل مركزا بين الجماهير لاتكون لديها الوسائل لمعرفة هذا اللون من المشاكل ومعالجته في حينه ان لم يكن في عدد من الجريدة ففي ملحق لها سريع؟.
واخيرا ونحن بصدد المواضيع في صحافتنا الجماهيرية لابد ان نشير الي موضوع الأشخاص. علينا ان لانتناول مواضيع الأشخاص الا بمقدار ماتؤدي اعمالهم الي عرقلة تطور بلادنا ولانلجأ الي المهاترة، او الألفاظ النابية او الي معالجة قضاياهم في ابتذال واسفاف اننا نناضل في سبيل دعوة سامية ونعرف دور الأفراد في التاريخ ولهذا فيجب الا نعطيهم جانبا اكبر مما يستحقون في صحافتنا وأن نتعفف عن الخوض في المسائل الفاضحة مستمدين هذا من سمو مثلنا الشيوعية ومن اخلاق شعبنا. اننا لسنا كالصحافة البورجوازية التي انحطت في بلادنا ولم يعد لها من حديث غير اخبار الجريمة والاغتصاب والسرقات..الخ. بل نحن نسعي الي تنمية الخلاق الثورية لشعبنا وتقاليده الحميدة رغم المحن التي يواجهها تحت ظل النظام الراهن الي نشر الانحلال في اذاعته ووسائل اعلامه ومسرحه وصحافته. ان شعبنا يعرف الكثير من المخازي التي يرتكبها المسئولون ولكن القضية تحل بالنضال من اجل الديمقراطية لا بالثرثرة والاستمتاع بنقل الفضائح.
هذا من ناحية ما تتناول صحافتنا من موضوع ونوعه.
نتعرض الان لمشكلة اللغة والاسلوب. القاعدة الجوهرية هي ان تقترب اللغة التي نكتب بها من اللغة التي تتكلم بها الجماهير. ان هناك العديد من المشاكل التي تواجهنا في ميدان اللغة أولاها أن ببلادنا لغات متعددة(لهجات) من نوبة وبجة ولهجات عديدة بين الجنوبيين وذلك لأن بلادنا متعددة القوميات. وثانيهما ونحن نكتب بالعربية في معظم صحافتنا مشكلة الانفصال بين لغة الكتابة ولغة التخاطب الشعبي.
ان المشكلة الأولي ليست يسيرة الحل فنحن نري أن من المهم لتنمية الثقافة في بلادنا وتعدد مصادرها واغتنائها أن نكتب لغات القوميات وان يجري التعليم بوساطتها، ونحن نكافح من اجل هذا وستجد هذه القوميات والقبائل كل احترام للغاتهم في ظل الحكم الوطني الديمقراطي والاشتراكية. نحن الان لانملك الامكانيات لهذا العمل ولكن من الممكن بل من الواجب ان نصدر صحافتنا في هذه المناطق بلغة اهلها وان ندرس هذا الموضوع، فقد جرت محاولات من قبل للكتابة بلهجات الجنوبيين والبجا مثل مجلة(سكناب).
والي ان يتم هذا فعلينا ان نعتمد وخاصة في شمال السودان علي طلائع هذه القوميات وهم يعرفون العربية ويمكنهم ترجمة صحافتنا شفاهة الي جماهيرهم. اما في السودان والي أن ندرس قضية اللغات واللهجات المحلية كما أشرنا اليها سالفا، والي ان ندرس ايضا نتائج تعليم العربية الذي يجري في مدارس الجنوب فنستمر في اصدار (الجنوبي) باللغة الانجليزية.
اما في ناحية الفصل الواقع بين مكتوب العربية ولغة التخاطب الشعبية فعلينا أن نقترب من لغة التخاطب الشعبية ونحسنها لكي تكون مستقيمة ومعبرة وخاصة الصحافة التي توزع بين جماهير المزارعين. ان اللغة العربية مرنة ويمكن ان تحقق ذلك وهي محافظة علي نقائها. كل ذلك يجب ان يكتب باسلوب سهل وواضح في التعبير ويعتمد علي الاتجاه الرشيد لا الاثارة والتهيج. فاسلوب الدعاية يتطلب المنطق واختيار الألفاظ الدقيقة والهدوء والتعقل.
أما المنشور فهو وسيلتنا لمخاطبة الناس حول قضية عاجلة وبهدف اثارتهم للعمل ومن هنا يجب ان يكون المنشور قصيرا، مقتصدا في عباراته، فالشرح والاسهاب لايقعان في ميدان الاثارة التي يحملها المنشور بل في ميدان الدعاية التي تحملها صحافتنا وملاحقها. ان الجماهير تقبل علي منشوراتنا وتحترمها وقد تزايد هذا الاحترام في العهد العسكري الراهن لأنها كانت المنابر الحرة الوحيدة للكشف والاثارة، ولما يبديه رفاقنا من شجاعة فائقة في توزيعها. ولكن مما ينزل بقيمة منشوراتنا في اعين الجماهير ان بعض منظمات الحزب وهذا امر ضار للغاية ويلحق الضرر بشكل من أشكال الدعاية بنينا له الثقة بين الجماهير عبر سنوات طويلة وبتضحيات جمة، فكم من رفيق سجن وشرد وهو يقوم بتوزيع المنشورات.
وبالرغم من ان دور المنشور هو الاثارة، فيجب الا يجنح الاسلوب الذي نكتبه به الي المبالغة والتهيج، كما يجب الا نعيد المواضيع ونكررها مما يحدث الملل ويدخل السام الي النفوس. فمثلا نلاحظ ان منشوراتنا ابان مظاهرات اهالي حلفا جنحت للمبالغة في الاسلوب فتتحدث عن (المعركة الحاسمة) ، (واقتراب سقوط الديكتاتورية) في وقت لم تتهيأ فيه الأزمة الثورية لذلك مثل هذه المبالغة تدخل اليأس في نفوس الجماهير كما انها تقلل من اهتمامهم بمنشوراتنا كالاكثار من( عاش كذا وسقط كذا). نعم نحن نريد ان نمجد في المنشور عملا ما ونريد ان نحقر آخر ولكن في اقتصاد ودون حشد او تكرار. واخيرا فان المنشور الناجح هو الذي يحدد واجبا واضحا للجماهير ويدعوهم للنضال من اجله لامجرد الذي يثير خواطرهم من غير دعوة واضحة للكفاح.
الكتيبات وسيلة أخري للاتصال بالجماهير بدأنا فيها مؤخرا بوضوح ويهمنا من امرها أن تصبح ثابتة في المركز وفي الهيئات المحلية كي يصير نفعها أعم ونقترح ان تشكل لجنة لدار نشر تشرف علي تأليف وطبع كتيب مرة علي الأقل في الشهر يشرف عليها مسئول الدعاية في الحزب. بالطبع كل ما ينسحب علي تحسين الأسلوب واللغة في صحافتنا ومنشوراتنا يشمل ايضا ما ننشره في هذه الكتيبات.
وأخيرا نتطرق في حيز الكلمة المكتوبة الي الشعارات التي تكتب علي الحيطان. لاشك ان هذه وسيلة من وسائل الاثارة وخاصة في المدن وعليها تنسحب كل المحسنات في العمل الاثاري التي ذكرناها سابقا. ولكن علينا الانكثر من استعمال هذه الطريقة لأنها بكثرتها لاتعود لافتة للانظار ولن بعض المواطنين يتبرمون بها ولهذا فعلينا دائما اختيار المكنة المناسبة للكتابة وفي المناسبات الهامة والاحداث الكبيرة.
لانريد ان نتعرض لطريق توصيل مانكتب الي الجماهير فهذا يدخل في دائرة اختصاص العمل التنظيمي. المهم هو ان نبتدع من الوسائل ما يوصل كافة مطبوعاتنا لجماهير الشعب والايكون مقياسنا لنمو عملنا الدعائي هو مقدار مانوزع من صحف او منشورات بقدر ما هو العدد الذي يقرأها والذي نقرأ له هذه الوثائق خاصة في بلدنا الذي تركبه الأمية.
المقياس اذن حلقات القراء للصحافة، والذين يقرأون في الحي أو مكان العمل المنشور ..الخ. يهمنا في هذا المضمار – مضمار تحسين وسائل اتصالنا بالجماهير – ان نتابع ونتقصي أثر مانكتب علي الجماهير وآرائهم في مانكتب لن هذا هو معني (التعلم من الجماهير). ان الناس لهم رأي فيما نكتب وبعضهم قادر علي التعبير عن رأيه فيجب أن نستمع اليهم باهتمام وان نسجل آراءهم، وبعضهم يستطيع ان يكتب لنا رأيه وهؤلاء يجب أن نشجعهم علي ذلك ونوضح لهم فيما بعد اثر آرائهم في كتاباتنا – والأغلبية محرومة من وسائل الكتابة وتحجم عن التعبير ولكن يجب علينا أن نقنعهم ونصر علي ان يعبروا عن رأيهم بغض النظر ان كان في صالحنا او غير ذلك. ان فرع الحزب الذي يوزع منشورا أو يوزع اعضاءه صحافة الحزب يجب أن يخصص جزءا من اجتماعاته لعرض آراء الناس الذين تسلموا المنشور او الصحيفة أو الكتيب في ما قرأوا او استمعوا الي شرحه من اعضائنا. وهذا يجب ان يكون تقليدا ثابتا لن وسائل الدعاية بين الجماهير ليست ملكا لنا بل هي ملك للجماهير ولهم الحق في توجيهها وفي اقتراح المواضيع لنا فعلينا ان نطالب العضاء بايراد أفكار الجماهير في اجتماعاتنا – ناخذ منها مايصلح ونرد علي الأفكار غير الصالحة حتي( تتعلم) الجماهير ايضا من حزبنا.
وأخيرا فان احترام الجماهير يستوجب في هذا الميدان تحسين وسائل دعايتنا المكتوبة من ناحية الشكل – يجب ان يكون الورق صالحا، الكتابة واضحة ونظيفة. صحيح ان ظروف الكبت التي نعيش فيها وضعف ماليتنا عوامل تحول دون تحقيق كل مانريد ولكن من الممكن والواجب ان ندخل دائما التحسينات في وسائل طباعتنا وفي تبويب صحافتنا لتصبح مقروءة وجذابة ولتدخل بعض البهجة في النفوس. وهذا امر يجعل الجماهير تثق في قدراتنا ويدعم من صلاتنا بها.
ها وقد اعددنا اعضاءنا، وهاهم يسلكون سبيلا يجعل الجماهير تقبل الاستماع الي دعوتنا وأفكارنا ونظريتنا الشيوعية، وهاهي وسائلنا للتخاطب من كلمة مكتوبة وحديث شفاهة تصل الي الجماهير- وكل هذا يجب في النهاية ان يوصلنا الي النقطة التي ننظم فيها الجماهير للنضال الثوري السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ان مهمتنا ليست تفسير الأحداث وحسب بل تغييرها ولن يتم ذلك الا بتنظيم الجماهير ومن ثم فالسلوك السليم في تنظيم الجماهير بمكافحة كل مسلك ضار وغريب علي الماركسية مهمة ثورية من الدرجة الأولي يتوقف عليها نمو الثورة السودانية وتطورها.
لقد عملنا بين الجماهير وجربنا تنظيمها منذ خروج حزبنا من سيطرة العناصر اليمينية عام 1947م، وبهذا كونا رصيدا لابأس به من الخبرة الثورية – من المواقف والمسالك التي تساعد علي تنظيم الجماهير وعن بعض أشكال ذلك التنظيم، وبدأنا في تطبيق هذه المفاهيم، فأخطأنا كثيرا وأصبنا احيانا وحاولنا جهدنا التعلم من اخطائنا. لقد توصلنا من تلك التجارب الي اشكال من التنظيم ممكنة بين الجماهير الشعبية في بلادنا ومناسبة لهم والي السلوك السليم لاقناعهم بتلك الأشكال من التنظيم.
تعلمنا انه من المستحيل فرض أشكال تنظيمية علي جماهير بلادنا الثورية منقولة من الكتب، واذا فرضت مثل هذه التنظيمات فسرعان ما تركبها العزلة ويذهب شانها، والذي يبقي من تنظيم هو ماترتضيه الجماهير، ماينفعها في نضالها السياسي وفي حياتها اليومية، مايتناسب مع الظروف الموضوعية ويتلاءم مع الاستعداد الذاتي بين الجماهير.
ان الحياة تسخر من كل تنظيم معزول، ففي العام 1949م قرأ الزميل السابق خميس شيئا عن السوفيتات فشرع في تنظيمها في بورتسودان، فما بقيت أياما وأضرت بعلاقة حزبنا بالجماهير العاملة في تلك المدينة لفترة طويلة. هذا هو النقل الأعمي لاشكال التنظيم وهذا هو التفكير المبني علي الرغبات الذاتية ومسلك البورجوازي الصغير من المعرفة والدراسة. ولو كان خميس يتخذ مسلكا ثوريا لدرس بدقة ذلك الشكل التنظيمي ونعرف انه خرج من بين صفوف العمال الروس عام 1905م وان البلاشفة درسوه جيدا لقدرتهم علي التقاط المعارف الثورية من بين الجماهير ولوصل الي نتيجة مهمة:الثورية في التنظيم هي القدرة علي معرفة مايناسب الجماهير منها، هي القدرة علي الارتباط بالجماهير، هي المعرفة العميقة بأن الحياة غنية وان الجماهير يمكن ان تقترح أشكالا والوانا من التنظيمات تتلاءم معها. وهذا هو تطبيق الحكمة الماركسية في تنظيم الجماهير(من الجماهير). علينا اذن ان نكافح ضد العجلة في اصدار القرارات حول أشكال تنظيم بعينها، وعدم التردد في تطبيقها. يجب أن ندرس بعناية الظروف الموضوعية والذاتية للجماهير. ان العجلة في هذا الموضوع تجعلنا نقدم كل يوم شكلا تنظيميا ثم نسحبه مما يصيب الجماهير بالحيرة ويشل قدراتها النضالية.
اننا نعمل لتنظيم الطبقات الثورية وهي في بلادنا الجماهير العاملة(عمال الصناعة والعمال الزراعيون والمثقفون وغيرهم) والبورجوازية الوطنية ذات الطابع المعادي للاستعمار.
لكل طبقة وفئات داخل تلك الطبقة ظروفها الذاتية والموضوعية ومن ثم لها مستوي من القدرة علي الانتظام. وهذه حقيقة يجب ان توضع في اعتبارنا والا سنطبق اشكالا من التنظيم لاتصلح لها، صحيح ان هذه الطبقات الثورية تعيش مع بعضها وتختلط، وهذه ايضا حقيقة تخلقها ظروف موضوعية تفرض شكلا خاصا من أشكال التنظيم يجمع بين هذه الطبقات الثورية الان. فالجماهير العاملة وخاصة عمال الصناعة هم أشد الطبقات قدرة علي التنظيم واكثر الطبقات تجربة حوله في بلادنا. فالجماهير العاملة جربت أشكالا متنوعة من التنظيم: جربت النقابات، جربت لجان العمال الوطنية، جربت تنظيم حركة انصار السلم..الخ. ، وجربت القانوني من ذلك التنظيم وغير القانوني وأستطاعت ان تناضل بهذه التنظيمات في كل الظروف: ظروف الحكم الاستعماري المطبقن ظروف انحساره ثم الاستقلال في عهد النظام البرلماني وتحت ظل الديكتاتورية العسكرية الراهنة، صحيح أن التنظيم النقابي والدعوة لتنظيم التعاونيات ومنظمات الضمان الاجتماعي – هذه أشكال من التنظيم جربتها الحركة العمالية. ولكن الطبقة العاملة السودانية من تجاربها قدمت اشكالا فريدة افادتها كثيرا وكان لها اثر علي تطور حركتها: مثلا الأندية العمالية كشكل من التنظيم سبق قيام الحركة النقابية، وجود تيار يميل لليسار ويتعاون معه في الحركة السياسية والنقابية عرف باسم(الديمقراطيين) واستطاع حزبنا أن يرفعه من حيز التجربة العملية الي حيز النظرية فأصبح من الممكن تحويل ذلك التيار الي تنظيم لحلقات المصانع الثورية. وهذه التجارب ترد علي العناصر الجامدة التي حاولت من مكتب النقابات التابع للجنة المركزية، وعلي رأسها الزميل صديق أن تعوق نمو قدرة حزبنا علي الاستماع للجماهير في مايختص بتنظيمها تحت شعار أنه لاتنظيم الان غير النقابات وفرع الحزب الشيوعي. ان تجربة التنظيم الجماهيري – وأغناها كما أشرنا تجارب الجماهير العاملة – هي ان الجماهير لها راي مبدع في تنظيم نفسها فعلينا الاستماع اليه وتبني الصالح منه، ان أشكال التنظيم متعددة وغنية وانه ليست هناك أشكال محرمة لن الكتب الشيوعية لم تذكرهان ان الشكل التنظيمي الناجح هو ماكان متمشيا مع الظروف الموضوعية ومع القدرات الذاتية للطبقات الثورية.
الوقوف بثبات الي جانب مبدأ الديمقراطية الواسعة في تنظيم الجماهير حتي ولو كانت المنظمات غير قانونية ( مع اعتبار لذلك الوضع الشاذ) ان هذا يعني قدرة الشيوعيين علي التعاون مع العناصر التي لاتنتمي للحزب الشيوعي وربما لاتقبله وترفض ايديولوجيته. لقد احرزنا قدرا لابأس به في هذا الحيز وخاصة في العمل النقابي ولكن مازالت هناك مسالك يسارية قائمة علي فرض ارائنا في بعض الأحوال لاستغلال المناصب التنظيمية في بعض المؤسسات لسيادة آرائنا ولغير أغراض تلك المؤسسات. وهذا مايجب ان نكافح ضده. ان بعض الرفاق الذين يتصلون بالجماهير ويعملون علي تنظيمها وترفعهم هذه الجماهير الي مناصب مسئولة يصابون بداء الزعامة البورجوازية قيتعالون علي من رفعوا من شانهم. هؤلاء الرفاق لايستطيعون المجاهرة بتلك الآراء المظلمة ولكن سلوكهم العملي يكشف الداء الذي يعانون منه. انهم يهملون الاتصال باعضاء تلك المنظمات، ولا يعيشون بينهم بل يختارون لأنفسهم حلقة يعيشون بينها ويهملون الاخرين الا في وقت الانتخابات بالطبع.. يحدث هذا في كثير من الأحيان تحت ستار ضغط العمل وبحجة( انني أؤدي عملي في ذلك التنظيم فماذا يطلب مني اكثر من ذلك؟) وكان الرجل يعيش في مجتمع غربي. ان شعبنا يقدر من يهتم بهم، من يسأل عن احوالهم، من يتفقدهم في السراء والضراء وهذا التقدير ينتقل الي داخل التنظيمات الجماهيرية. وهو امر ايجابي لأنه يفرض التعاون والروح الجماعي.. وهناك دائما الوقت الكافي لقادة المنظمات الجماهيرية لكي يعيشوا بين رفاقهم واعوانهم.
وهناك سلوك يميني في العمل بين تنظيمات الجماهير عانينا منه وجمعنا منه تجارب لابأس بها. فجماهير المؤسسة تنتخب الرجل وهي تعرف انه شيوعي وتضعه في مركز مسئول فيبدأ في التعالي علي الحزب وينسي دوره كرجل ثوري وعليه التأثير في من حوله، عليه الدفاع بثبات عن رأي الحزب الشيوعين ويتحول الي مجرد موظف في تلك المؤسسة. وهكذا ظللنا نعاني من مثل هذا الاتجاه اليميني بين التقابات بزعامة علي محمد بشير حينما كان عضوا في الحزب الشيوعي، ونناضل ضده حتي برز كاتجاه يميني واضح هدفه عزل الحزب الشيوعي عن الحركة النقابية العمالية، هدفه منع نمو الأفكار الماركسية بين جماهير العمال وتحويل حركة النقابات العمالية الي سند للطبقات البورجوازية. مثل هذا الاتجاه اليميني يجب أن يكشف في مهده ويفضح وان نحاول جهدنا اصلاح من يعانون منه من رفاقنا وتطهير صفوفنا من الذين لاامل في علاجهم. لقد دلت التجارب ان هذا النوع من الاتجاه يظهر في مواقف صغيرة ومتفرقة وان اهمال النظر فيه ومعالجته امر يؤدي الي تفاقمه ونموه كاتجاه. مثلا: بعض الرفاق يعملون في لجنة مؤسسة جماهيرية ويشكلون أقلية فيها فاذا طرأ موضوع معين احجموا عن اظهار وجهة نظر الحزب الشيوعي خوف(العزلة) كما يدعون وتكرر هذا الحادثة فيصبح هناك اتجاه يميني في العمل، اتجاه يعزل الحزب الشيوعي عن الجماهير. فمثلا بين الطلبة كانت هناك تجربة عبد الماجد الأحمدي الذي خشي قيادة الموقف الثوري في الجامعة ابان ازمة الحدود في حلايب وسار وراء مظاهرة قومية متعصبة كادت ان تفتح الباب امام التدخل الاستعماري – كل هذا خوف العزلة. ولكن الشيوعيين الذين يسلكون مسلكا ثوريا اعلنوا رأي الحزب في المنظمات الجماهيرية ووقفوا ضد الهياج القومي ومؤامرات المستعمرين وقد اثبت التاريخ صحة موقفهم القائم علي محاربة الاستعمار واذنابه.
علينا عندما نريد اقتراح شكل بعينه لتنظيم الجماهير أن نطبق بثبات وحزم مبدأ (من الجماهير) نفترح التنظيم وندرسه جيدا ونستمع الي أراء هيئاتنا فيه ثم نطرحه كاقتراح بين الجماهير ونستمع لرأيها فاذا وجد قبولا نتعاون مع كل العناصر المناضلة من اجل تنفيذه ونعطيهم فرصة كافية ومحترمة للمشاركة معنا في هذا العمل. واذا لم يجد اقتراحنا قبولا رغم صدقه وصحته فعلينا ان نتذرع بالصبر وندعو له في اناة ونستفيد من كل تجربة تمر بها الجماهير لاقناعها بجدواه حتي يكلل عملنا بالنصر متباعدين دائما من مسلك الفرد والاملاء علي الجماهير. امامنا الآن مثلا اقتراح تنظيم الجبهة الديمقراطية وقد وضعنا مشروعا لبرنامجها فعلينا ان ندعو لهذا البرنامج ونستمع لرأي الناس في المصنع وفي القرية وفي الحي..الخ. فيه وفي ماذهب اليه وان ندخل التعديلات الصحيحة عليه، علينا ان نتشاور معهم في وجوب قيام اتحاد ديمقراطي بينهم ونستعرض معهم التجارب ولانقدم علي التنظيم الا عندما تقتنع اقسام منهم بجدواه ويكون له جذور جماهيرية، أما مجرد قيام لجان باسم الجبهة الديمقراطية فمسلك سئ يضر بقضية تنظيمها في المستقبل، وهذا يجب ان نتحاشاه دائما – وحتي بعد ان تقبل الجماهير شكلا بعينه من التنظيم علينا متابعة مبدأ (من الجماهير) لابتكار الوسائل لاستفتاء الجماهير عن هذا التنظيم والاستماع باهتمام الي تعديلاتهم وآرائهم وان يصبح ذلك سنة ثابتة لنا بين المنظمات الجماهيرية.
هناك اتجاه خاطئ يقع فيع بعض اعضاء حزبنا ومن بينهم رفاق قياديون هو اتخاذ موقف عدم الاكتراث بتنظيم من حولهم: في الحزب، او من ناحية الاهتمام بالمنظمات الجماهيرية التي ينتمون اليها بحكم عملهم أو سكنهم. مصدر هذا الاتجاه هو روح التحلل(الليبرالي) الذي يشع من طبقة البورجوازية الصغيرة التي تحقر من شأن التنظيم ولاتقبله مثل هؤلاء يظلون سنين لايضمون عضوا للحزب ولايشاركون مشاركة فعّالة في التنظيمات الجماهيرية. انهم يقيمون علاقاتهم وكانهم لاينتمون للحزب الشيوعي ويتوهمون في بعض الأحيان ان مايكنه البعض لهم من احترام ناتج من صفات خاصة بهم لا لكونهم شيوعيين. وهذا هو التعالي علي الحزب ووضع مصالح الفرد فوق مصالح الجماعة. ان هذا الخطأ يجب الكفاح ضده وذلك بارتباط هؤلاء الرفاق بعمل ملموس وبرقابة نشاطهم في المنظمات الجماهيرية. وقد اضر هذا الاتجاه كثيرا بحزبنا اذ ظلت عناصر ثورية لها علاقات ببعض الأعضاء محجوبة عن الحزب ولاتلاقي مساعدة من قبل هؤلاء الرفاق للارتقاء بثوريتهم ولاشتراكهم في التنظيم الثوري بدرجات مختلفة. يبدوا ان هذا النوع من الرفاق يقبل الامتيازات الشعبية التي يوفرها له كفاح الحزب الشيوعي ولكنه لايرد الجميل. ان عدم الاهتمام بتحويل العلاقات الشعبية الي علاقات جادة، واهمال المؤسسات الجماهيرية هو موقف من تطور النضال الثوري يضعه ولايساعده، يقعد به ولاينميه.
علينا كما ذكرنا من قبل رعاية الأساليب والاشكال التنظيمية بين كل طبقة ثورية والأخري. فنحن مثلا نحاول تقديم تنظيمات حديثة مثل الاتحادات والتعاونيات واللجان الثورية والأندية..الخ بين جماهير المزارعين في بلادنا، وهم الذين يعانون من الامية والتأخر والاهمال عبر أجيال طويلة، انهم مازالوا متأثرين بالروابط القبلية رغم تفكك القبيلة كؤسسة اجتماعية وعلي الرغم من وجود ادارة مركزية موحدة في بلادنا. علينا أن تعتبر بجد هذا التناقض. اننا لانشجع المؤسسات والتقاليد الرجعية ولكننا ونحن ننظم جماهير المزارعين يجب أن ننطلق من العلاقات والمؤسسات الايجابية بينهم ثم نرقيها الي شكل حديث من أشكال التنظيم. فمثلا النفير بين القبائل تقليد مفيد يمكن ان يعطي طابعا حديثا يفيد الحركة التعاونية بينهم، الروح الجماعي القبلي يمكن ان يتحول الي روح جماعي لدعم التنظيم الحديث. محاولاتهم التعلم بالطرق القديمة يمكن ان يكون أساسا لنشر الأندية الثقافية وهكذا. وفي ناحية التنظيم أيضا ورغم اننا لانشجع الروابط القبلية والتعصب لها علينا ان نراعي الناحية القبلية وان يكون هناك تمثيل قبلي في التنظيمات حتي يثقوا بها وحتي يقتنعوا بالتدريج ومن خلال نضالهم بالوحدة الطبقية بينهم، وقد حدث هذا بالفعل في المناطق الزراعية المتقدمة.
ان المزارعين تحت تأثير التاخر كثيروا الشكوك في اهل المدن وهذا بالطبع ناتج عن التناقض الفعلي بين القرية والمدينة وأن القرية مازالت هي المنتجة الأولي في بلادنا وعماد اقتصادنا بينما يعيش أهل المدينة في حالة أحسن من سكان القرية. هذه حقيقة يجب ان نواجهها وان يسلك كادرنا الذي عمل بين المزارعين، والكثير منهم من المدن نهجا يحارب تلك الشكوك ويجعل الثقة تحل محلها. لهذا علي كادر المدينة العامل في الريف أن يعيش كما يعيش المزارعون البسطاء وان يتعلم الحديث بلغتهم ويمتزج معهم، ويمكننا القول أننا عندنا مثل هذا الكادر في مديرية النيل الأزرق. ان هذا عمل صعب وهو يتطلب صراعا ضد عادات المدينة وطرق المعيشة فيها. كذلك علينا لمحاربة هذه الشكوك ان نهدف دائما الي خلق قادة للحزب وللجماهير من بين المزارعين انفسهم يحافظون علي كل تقليد تقدمي وثوري مناسب لتقاليد المزارعين وهذا هو الضمان الأول لاستمرار نمو حركة المزارعين وتنظيماتها. ان كادر المدينة العامل في الريف هو الذي يقوم بهذه المهمة فعليه ان يصبر كثيرا وان ياخذ كادر المزارعين كما هو – بكل ما هو ايجابي فيه وبكل سلبي فيه – وان يعمل بالتدريج لمكافحة نقائصه ولتحويله الي مزارع شيوعي قائد. ان الطريق الأسهل هو أن يجعل من هذا الكادر مسخا لا الي المدينة انتمي ولا في القرية بقي. ياخذ من المدينة قشور العادات ويصبح فيلسوفا يحب (الأفندية) وقد حدث هذا بالفعل قبل عام 1958م في مشروع الجزيرة حيث انعزل بعض الشيوعيين المزارعين واصبحوا يحاكون كادر المدينة ويحبون( الأفندية). اذا سلك كادرنا الخارج من المدينة الي القرية طريق التحرر من عادات المدينة وطرق العيش فيها، واذا وحه همه نحو تكوين كادر شيوعي اصوله ضاربة في اعماق القرية فننا سنقفز بتنظيم المزارعين كثيرا.
مثل أخير حول المسلك الذي يضر بقضية تنظيم الجماهير ولايراعي الفوارق بين الطبقات والفئة الاجتماعية. بين الحركة لتنظيم النساء تحتل النساء المتعلمات(البورجوازيات) مركزا كبيرا هن ينظرن للمرأة الغربية كمثل اعلي ويتأثرون مباشرة بالمسخ الذي يسمي بالحركة النسائية في مصر وبعض البلدان العربية القريبة. هذا يحدث بحكم اوضاعهن ومصادر ثقافتهن. بهذا المسلك يصطدم هذا الفريق من النساء مباشرة بتقاليد بلادنا ويحاولن خلق أشكال من التنظيم وأساليبه لاتتلاءم مع ظروف نسائنا. اننا نعلم طبيعة تلك التقاليد ونعلم مزولتها واصولها الاجتماعية ولكن من الخطأ ان نسلك مسلك البورجوازية الصغيرة – منها بمصادمتها مباشرة وككل وبدون مراعاة لجماهير النساء من الوعي. ان المقياس لتقدم المراة في بلادنا ليس هو استعمال الأصبغة ولا الذهاب الي الحلاق ولكن اشراك المراة في الانتاج وفي العمل الاجتماعي وفي النضال في سبيل التقدم وبتربية أبنائها تربية شريفة صالحة. ان الهدف الأول لتنظيم الحركة النسائية ونساء العمال والمزارعين اللائي يشكلن الأغلبية من نسائنا، وهذه هي الكتلة التي علي المتعلمات التقدميات استنهاضها وتنظيمها. ولكن وسط هذه الكتلة تخيم التقاليد العقيمة وينشر التخوف من التحرر اجنحته. ومن هنا نبدأ، وبالاعتبار الكافي لهذه الحقيقة نشرع في الدعاية والتنظيم، ولهذا يجب أن يكون التنظيم متناسبا مع تلك الظروف وان نختار الأشكال التنظيمية الملائمة، وان نكافح ضد الأمثلة الرديئة التي تضربها بعض المتعلمات البورجوازيات وأفكارهن السخيفة عن التحرر والمراة.
أشارت اللجنة المركزية في دورة يناير(ان خطنا الان بين الجماهير هو ان نراكم ونجمع القوي الثورية اي ان نجمع قوي الحزب الشيوعي وذلك بتحقيق شعار الكسب النهائي لطلائع الطبقة العاملة، ونبني الحلف بين جماهير العاملين والأقسام المتقدمة من المزارعين ونقنع الطبقات الثورية من تجربتها بانه لابد من تغيير النظام الراهن – وبهذا تقترب الأزمة الثورية وتشرع الطبقات الثورية في الهجوم المباشر في كل الجبهات والدخول في الاضراب السياسي) (الشيوعي 116 صفحة 97).
هذا الخط مفهوم ولكن من المهم ان نعرف جيدا ان تقدير الأزمة الثورية التي تشير اليها اللجنة المركزية والتي تشكل الشرط الول لنجاح الاضراب السياسي يتم بدراسة دقيقة وعلي النطاق الوطني للظروف المحلية وغيرها، لظروف الطبقات واتجاهاتها، للحالة الاقتصادية، لظروف التضامن الدولي..الخ، من الخطأ تقييم الأزمة الثورية من زاوية واحدة وبظروف تخص منطقة واحدة او مديرية واحدة في بلادنا. هذا خطأ يمكن ان تقع فيه منظمات الحزب ويجعل خطواتها للنضال مغامرة وقد وقع هذا التقييم الخاطئ للاضراب السياسي بين مديرية النيل الأزرق.
يتطلب مراكمة القوي الثورية الا نسلك مسلكا يساريا من الجماهير المؤمنة بالتنظيمات الحزبية القديمة التي قعدت عن النضال، وهذا المسلك اليساري يتمثل في الاستفزاز وفي اصدار أحكام تسئ الي قادة هذه الجماهير. ان هذه الجماهير في صفنا وهي مؤمنة بالديمقراطية وبوجوب النضال من اجل الحصول عليها ولكن قادتها متقاعسون وفي نفس الوقت مازالت هذه الجماهير مؤمنة بهم. يجب ان نقترب من هذه الجماهير ونعرض عليها برنامجنا الديمقراطي ونطلب التعاون معها علي هديه. اما اتخاذ موقف من الجماهير لأن قادتها تراجعوا او رجعوا عن النضال من اجل الديمقراطية فتفكير يساري خاطئ، وكل مسلك او عبارات نتفوه بها تؤدي الي اقامة حاجز بيننا وبين الجماهير، أمر خاطئ.
ان شعار تجميع القوي الثورية لايتم تلقائيا بل بالعمل اليومي وبرصد نتائج هذا العمل في كل مستويات الحزب من فرعه الي لجنته المركزية، فالقوي الثورية لن تتجمع آليا بل حزبنا الذي سيجمعها ومن هنا لابد من محاربة الغموض في هذا الشعار الذي ربما اتخذه البعض تكئة للسلبية ولعدم وضع البرامج المحددة في العمل من اجل تجميع القوي الثورية. هذا المسلك اليميني من تنفيذ خط الحزب الجماهيري: ترك الحبل علي الغارب وانتظار لحظة الأزمة الثورية. كذلك علينا محاربة الاتجاه البساري القائم علي العزل والتعجل والتبرم من وجود النظام العسكري. اننا دون غيرنا من الحركات السياسية في بلادنا تعرف سر بقاء هذا النظام حتي الان ولنا طريقتنا للتخلص منه ولتطور بلادنا في سلم الديمقراطية: لنا الخط الجماهيري الذي يحدد واجبنا الان في تجميع القوي الثورية وفي تحديد زمن الهجوم: الزمة الثورية وفي الوسيلة لتحقيق الديمقراطية في بلادنا: الاضراب السياسي . ولهذا فنحن لسنا قلقين ولكنا نعمل في ثبات وحكمة وجراة حتي النصر – حتي قيام نظام ديمقراطي يفتح طريق التطور الاشتراكي والسعادة لشعبنا. ولهذا قالت اللجنة المركزية في دورة يناير: ( بناء علي هذا ينبغي علينا أن نعلم أننا نناضل وسنناضل من اجل الديمقراطية تحت هذا النظام العسكري حتي تتهيأ الأزمة الثورية التي تؤدي الي تغييره)(نفس المصدر – 97). وهذا يعني الكفاح ضد المغامرات والعزلة والتبرم.
هذه بعض الملاحظات العامة حول عملنا بين الجماهير نرجو ان تجد مناقشة تستحقها. انها ليست مرشدا جامدا كما اشرنا ولامنشورا جامعا، بل هي بداية لاهتمامنا بهذه القضية التي يتوقف عليها مصير التطور في بلادنا، مصير شعار المؤتمر الثالث( اجعلوا من الحزب الشيوعي السوداني قوة اجتماعية كبري)، مصير خطنا الجماهيري المباشر: تجميع القوي الثورية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد: اشتباكات في تونس العاصمة بين متظاهرين وعناصر الشرطة …


.. اشتباكات بين الأمن ومتظاهرين وسط العاصمة التونسية | #رادار


.. اشتباكات بين الأمن ومتظاهرين وسط العاصمة التونسية




.. نشرة 8 غرينيتش | تأكيدات بغياب الثقة مع إيران في المفاوضات..


.. يحدث في العراق 18/2021