الحوار المتمدن - موبايل


دفاعا عن إسلام البحيري

حسام المنفي

2015 / 10 / 18
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


في يوم 5 يونيو سنة 1926 تقدم شيخ الجامع الأزهر ببلاغ للنائب العام (محمد نور ) يتهم فيه الدكتور طه حسين "الأستاذ بالجامعة المصرية" بأنه ألف كتابا أسماه "في الشعر الجاهلي" تتضمن صفحاته طعنا صريحا في القرءان ، حيث نسب إليه (أي القرءان) الخرافة والكذب على حد قول مقدم البلاغ ، وطلب اتخاذ كامل الإجراءات القانونية ضد المؤلف وتقديمه للمحاكمة(1) ، لا لشيء إلا أنه حاول أن يستخدم أبسط حقوقه "كمفكر" ، له كامل الحق في أن يبحث ويشك وينتقد ويعمل عقله في مجال بحثه . ولكن الأمر لم يكن هينا لأن موضوع الكتاب كان يمس بطريقة أو بأخرى صميم العقائد والموروثات الثابتة و المتجذرة في تربة الفكر العربي والإسلامي . وكان طه حسين يطبق المنهج الديكارتي الذي يبدأ من الشك وينتهي عند اليقين " إن كان ثمة يقين " ومن المعروف أن أول قاعدة من قواعد المنهج الأربعة تنص على : أن لا أتقبل شيأ قط على أنه حق ما لم أتبين بالبداهة أنه كذلك بمعنى أن أتجنب التعجل والسبق إلى الحكم ، وأن لا أدخل في أحكامي إلا ما يعرض لذهني بقدر من الوضوح والتميز لا يدع لي سببا لوضعه موضع الشك(2) ، أي أنني لابد أن أشك مؤقتا في جميع الأفكار والمعتقدات والتصورات التي سبق أن تلقيتها بالتسليم(3) ، وأن أتجرد تماما قبل الشروع في عملية البحث من ميولي وعواطفي وأهوائي وأن تكون قبلتي هي الحقيقة التي أقصدها دائما حتى وإن تعارضت مع ما يؤمن به سواد الناس . وانتهى طه حسين من بحثه هذا إلى نتيجتين ، الأولى : أن الشعر الجاهلي في حقيقة أمره منتحل ، وأن الحياة الدينية والسياسية والعقلية والإقتصادية لا يمكن أن يمثلها الشعر الجاهلي(4) ، ولو اقتصر الأمر على تلك النتيجة ما كانت ثمة مشكلة ، ولكن الأمر الذي أثار ثائرة مؤسسة الأزهر ومن ينتمون إلى التيارات والمذاهب المحافظة دينيا هو انكاره صراحة أن ابراهيم اسماعيل لم يكن لهما وجودا تاريخيا رغم ورود أخبارهما في الكتب المقدسة يقول " للتوراة أن تحدثنا عن ابراهيم واسماعيل وللقرءان أن يحدثنا عنهما أيضا ، ولكن ورود هذين الإسمين في التوراة والقرءان لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلا عن اثبات هذه القصة التي تحدثت بهجرة اسماعيل بن ابراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها ، ونحن مضطرون إلى أن نرى من هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة أخرى(5) .
ونحن هنا لا يعنينا كثيرا ماانتهى إليه د. طه حسين من نتائج . ولكن كل ما نعنيه ونطالب به ونأكده بل ونؤمن به إيمانا راسخا لا يتزعزع ، أن كل فرد حر فيما يفكر وفيما يعتقد ، وحر أيضا في نشر ما جادة به قريحته من أفكار وأراء ، فالإنسان مجلوب على أن يصدح بأفكاره ويبوح بأراءه ، لأن الفكرة ما تزال تؤرق صاحبها ما دامت حبيسة في صدره حتى تجيء الفرصة المناسبة لإعلانها على رؤس الأشهاد ، كالعصفور الذي يتحين الفرصة تلو الأخرى للهروب من محبسه ليحلق عاليا في سماء الحرية.
ولا أخفي عليك سرا أن الدافع الذي دفعني لكتابة هذه السطور واجترار بعض صور الإضطهاد والحجر على حرية الفكر التي كانت وما زالت تمارس وتفرض على مفكرينا في الماضي و الحاحضر . أقول إن الدافع الذي دفعني لكتابة هذه السطور . هو الحكم الذي أصدرته محكمة جنح مصر القديمة بحبس الباحث المصري إسلام البحيري 5 سنوات مع الشغل بتهمة إزدراء الإديان ، وهي أقصى عقوبة تنص عليها المادة 98 من قانون العقوبات(6) . وأنا أتسائل من موقعي هذا هل إسلام البحيري كان يزدري الدين الإسلامي بإي شكل من الأشكال ؟ أو أنه على العكس تماما كان يحاول أن يزكي التراث الديني مما علق به من شوائب و أدران ؟ أو أنكم اعتبرتم أن انتقاد أئمة الإسلام هو انتقاد للدين الإسلامي نفسه ؟ وفي حقيقة الحال كان إسلام البحيري يريد أن يزيل الغشاوة من على أعيننا حتى نرى الأمور من منظور العقل وليس من منظور الوجدان ، أراد أن ينزع القداسة المزيفة التي أضفيناها على تراثنا الديني كي نستطيع أن نميز ونفرق بين الصالح منه والطالح ، الجميل والقبيح ، بين ما هو أخلاقي وما ينافي قواعد ومعايير الأخلاق، أراد أن يخرجنا من كهوفنا التي ما زلنا نقبع داخلها منذ زمن لا نريد أن نبرحها . رغم أن ثمة اشياء كثيرة خارج كهفنا المظلم البارد الكئيب تستحق أن نتأملها ونشاهدها ، ثمة أراض وجبال ووديان ، ثمة كواكب وشموس وأقمار ، ثمة بحار وأنهار . ولكن كان عبثا أن تقنع عباد الإسلاف ممن تشرنقوا في شرنقة الماضي أن يبرحوا كهوفهم ، لأنهم اعتادوا على ظلمة الكهف فأصبحت أعينهم لا تقوى على ملامسة النور . وأخيرا أقول : إن من يزدري الإديان هو من يبث في نفوس الناس البغض والكراهية ، هو يحرض على العنف والقتل وسفك الدماء بإسم الأديان ، هو من يدعوا لزواج القاصرات ، هو من يرى أن المرأة عورة ، هو من يحرم الفنون بإسم السماء ، هو من يزدري العقل ويحط من شأنه .
================================================
(1) خيري شلبي " محاكمة طه حسين ص27 " .
(2) رينيه ديكارت " عن المنهج العلمي ص18 " .
(3) المصدر نفسه ص20 .
(4) خيري شلبي " محاكمة طه حسين ص29 " .
(5) المصدر نفسه ص32 .
(6) موقع اليوم السابع .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ترندينغ: لأول مرة.. رفع الأذان من أعلى جسر برج لندن


.. شاهد: تل أبيب تحت وابل من صواريخ حركة المقاومة الإسلامية الف


.. أفضل القصص... قصة اليهودى الذى برأه القرآن من السرقة




.. اندلاع أعمال عنف في بلدات إسرائيلية يقطنها العرب واليهود وسط


.. إحراق سيارات ومعابد يهودية في مدينة اللد الإسرائيلية