الحوار المتمدن - موبايل


حكم كافكا، هل هو حكم على الليبرالية؟

حلا السويدات

2015 / 11 / 22
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


إذا كان جوهر الليبرالية الحرية، فنحن بصدد الحديث عن مفهوم غير محدد لهذه الحرية، هل حرية التصرف، حرية السلوك، أم حرية الإرادة؟ وإلى أي حدّ يمكن للإنسان أن يكون مريدًا حرًّا إن وعى ذلك فلسفيا وسيرورةً؟! تكمن التحديد الاصطلاحي ضمن الواقع، فالحرّ هو ما يستطيع أن يرسم واقعه كما يشاء، دون الخضوع إلى قيم يفرضها الخارج، الآخر، لأنه يجد فيها قيمًا تناسب الأكثرية، وتحميها، من ناحية الضبط، فتكون بالنسبة له عرابًا، يرسم تلك السيرورة الفضلى، وتكون الصّورة الفردية هنا مسقطة، إذ تستمدّ قيمها وأخلاقها ومبادئها من هذا الكل، ونجوع هذا الفرد من نجوع ما يمكن أن يحصّله منها، انتماءً محافظًا، سياقيًّا واضحًا.
يمكن للإنسان أن يتجرد في مرحلة ما، من كل المثيرات الحسية التي تحيط به، وأن يعمل منفردًا ضمن سياق خاصّ، بلغة خاصّة، وهنا يبدأ تشكيل النقطة العميقة، إن آمنّا بنظرية الدوائر العديدة للذات، بين الخاصّ منها وعامّها، فينطلق سهمُ الأفكار من الباطن للظاهر، وتشكّل الثاني حَسْبَ ما يمكن أن يكون خالصًا فرديًّا، وهنا يكون الانتقال الاتجاهي بين أعمق ونقطة وبين ما يمكن الوصول إليه، فخرًا للذات الحرّة، إن تمّ على أكمل وجه.
لكنّ دهشةً تربك الحرّ، دهشة من التكسّر الذي يحدث في التنقل بين الذات نحو الخارج/ الظاهر، وتجرّه إلى حيث يجهل نفسه، و حيث لم يتأمل من قبل. على أي نحْو يُمكن أن يتصرف حينئذٍ؟ سنرى حركة التحرر تصاب بارتباك، وتتلقى القيود من الخارج، و تصدم بحقيقة الأشياء حولها، حين يتشكل الوعي التامّ يتشكل القرار، وحينما تشكّل قرار جيورج بطل الحكم، أعاد تشكيل الصورة، بما أرادت نفسُه التامّة أن تكون، " لكنّ الصديق لم يكن ليملك أية فكرة عن هذا التغيير" ، لحظة ما انقلب كلّ شيء وشقّ جيورج طريقَه، وبدأ حرًّا بعد الوعي، بالنسبة لعمله، حقيقته العامّة، خطوبته، يستطيع أي مرء عند قراءة هذا الوصف أن يتوقع حالته السابقة. فالأب اعتدى على حرية جيورج لأنه لم يكن يسمع صوته والثاني اعتدى على حرية الأوّل ليسمع صوتَه( رغم أنّ حالة الاعتداء غير ظاهرة إلا أنّ الإقصاء موجود)، وهنا يكمن اختبار الصوت، والأفكار/ الحرّ من يدافع عن سيرورة الأفكار، بالعنف ربّما، ونستطيع أن نعدّ - تبعا لهذا- الثورة نقيضًا للّيبرالية في مرحلة (الميدان) رغم أنّ ركيزتها الحريّة.
إنّ الفردَ باعتباره الآخر حرٌّ أيضًا، ولكن حين يصطدم الفرد بالآخر باعتباره آخر، ضمن سياق كليّ/ اجتماعي/ دينيّ/ هُويّاتي، فإنّه يرتبك فيما يمكن أن ينجو منه من اختزالات لمفاهيمَ عُليا، ومن فوضى تنشأ بين المطروحات والاستجابات، وهنا لن يرضى بتقاطع الذات مع الآخر، بل عليه أن يحافظ على خطّ التوازي، بينهما، وأن يُنشِئَ رغبته التوّاقة، ضمن مدار سليم. وتأتي أهمية وجود الآخر في كونه مرآة الذات، وربّما قيمتها، وفي هذا كان المجتمع؛ للحاجة والخوف الشديد الذي لن يتكرر على غرار ابن طفيل الأندلسي، لكن عندما أتت الأغلبية على الأقلية، والمتفردِ والمبدعِ، نزع نحو التحرر، حينئذ رسم صورته. لكنّ أحدًا مثل جيورج لن يرضى بالصورة الجديدة فقط، بل أن يثبتَ أنه تحوّل من " صديق عادي كليةً، إلى صديق سعيد " وأن يحوّل الصورة القديمة، مقارنة بالصورة الحرة/ الجديدة، صورة واحدةً، وأن تُنسى تبعات ثورته على الصّورة، فمقابل رضاه، كان ثمّة رضا السُلطة/ الأب/ الله، عن صورتين إحداهما محدثة، كيف حدث أن تحوّلت؟ ألم يكن حرًّا حين ثار ليبرأ من الحكم؟
إنّ الصديق ندٌّ مما لا بدّ فيه، ذلك الطرف الذي يوازى، ضرورة وجود الآخر الذي نثبتُ له دائما أننا قادرون على التحكم بخطّ سير حياتنا، انعكاس قيمة الحرية والتقدير الذي يمكن أن نحظى به، الصديق سيعترف أخيرًا بسعادة جيورج وأنه حظي بما لم يحظَ به، الصديق الشاهد وربما المكوّن الأساس لصورة قديمة.
أزمة حرية، تقتضي إخفاء الحقيقة، والرضا عما ستؤول إليه الأمور، حتمًا، رضا شاهد قديم، نكتب له،( الصديق) ورضا آخر لا نستطيع تجميل ما لم يمكننا أن نجمله( الأب) للحقيقة عارفٌ بها، وحامل لها، والحامل على قلق كأنّ الرّيح تحته، قلق أن يُفشي سهوًا عن عدم نجوع الوعي في تحقيق الثورة برضا تامّ، لا يأتي على حرية الآخر، حيث يسحب سلطته أوّلا، وهل يستطيع العارف للحقيقة، المقيّم لها بوصف مدركا لها، أن يحكم عليها.
عن أيّ حقيقة نتحدث؟ ربّما عن الخطأ في التحوّل، الصورة المجمّلة تنجم عن أخطاء كبرى في بعض الأحيان حيث تسود الرغبة وتحرق القيم التي تنافيها، عليك أن تكسّر كل ما يحيط بك لا أن تحايده، وإن حايدته حفظت قيمة الآخر، وإن كسّرته أثمت، بوصف إثمك رد فعل، وخرقتَ قاعدة كبرى، هي قاعدة ما يريد الآخر فعله.
إذن، ثورة الفرد مقننة أكثر من ثورة الجمع، وأصعب من ناحية سرد القوانين والخضوع لها، لطالما فرض الجمع قوانينَ جديدة، وأيُّ فرد هذا الذي يستطيع أن يجعل الكل يلبي قوانينه واكتشافاته الفذة والمتأخرة عن وقتها، لن يكون نبيًّا، أو ثوريًّا بطلًا، هو في أقل مدار يمكن أن يكون حرًّا فيه يصير آثمًا، لأنّه كسّر / عنّف، ليرضى عن ذاته.
على أي نحو يكون الإثم" لأنها رفعت فساتينها هكذا وهكذا رحتَ تتودد إليها، ولكي تتمكن من إشباع رغباتك دون مضايقة، دنّستَ ذكرى الوالدة، وخنتَ الصديق وألقيت والدك في الفراش" لكلّ أمر عارفٌ به مدركٌ له، لا يحتال عليه السياق، ذلك شاهدٌ كبير، يقيّم الأخطاء، يتناسى الحقّ بالحرية، طالما جيورج لم يتسامح مع حقيقته بعد، حقيقة ذلك التحوّل العظيم.
لا يفتك الحرّ بالآخر، لكن تأخذه العزّة بالتمرد، ويصير غير شرعيّ، ويؤّنب. التاريخ يتركُ له شاهدًا عُنوة، وتكون الحقيقة بذاتها، وليس بما يمكن لنا تغييره، أو التحايل عليه، الحرية ضمن السياق، محضُ ثورة، ولكل ثورة سلطة تجابهها، وتقيّم أحقيّتها. وتطلق أخيرًا الحكم، عليها، (الأب)، شاهدُ التاريخ على (حقيقة ما) ، بطبيعة الحال، التاريخ سلطة، وثأر، وجاء دور أن تطلق حكمها المنصف، " إنني أحكم عليك الآن بالموتِ غرقًا"، وينجو الليبرالي الأصيل، من أحكام كهذه حتمًا، إن تجنب الوقوع بالآثام وكان أكثر تعقلًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مظاهرات في عدة دول عربية ضد القصف الإسرئيلي لغزة ودعما للفلس


.. هل ما يحدث بين الفلسطينيين وإسرائيل أولوية للعرب؟ باحث سياسي


.. المبعوث الأميركي يبحث في تل أبيب سبل التوصل للتهدئة




.. مقتل 10 فلسطينيين من عائلة واحدة في غارة على غزة


.. غارات إسرائيلية تستهدف بنوكا تابعة لحركة حماس