الحوار المتمدن - موبايل


نظرية - الإرادة الخيرة - عند إيمانويل كانت

حسام المنفي

2016 / 1 / 1
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


. . . حسام المنفي .
==================================
لا شك أن مبدأ الإرادة الخيرة يعد جوهر الفعل الأخلاقي عند " كانت " . فإن الإرادة الخيرة من منظور المذهب الكانتي هي بمثابة الدعامة الأساسية التي يرتكن عليها أي فعل أخلاقي ، فهي الشيء الوحيد الذي يمكن أن نعده خيرا على الإطلاق ، دون أدنى قيد أو شرط(1) . ولكن ما هو مفهوم الإرادة الخيرة عند كانت ؟ الإرادة الخيرة هي "النية الطيبة " التي تسبق أي فعل أخلاقي ، بل هي التي تضفي على الفعل " صفة أخلاقية " ، فبدون الإرادة الخيرة أو "النية" التي تنبع من أعماق وجداننا لأصبح الفعل الأخلاقي خاليا تماما من أي مضمون ، مفتقرا إلى أي معنى . صحيح أننا قد نعد مواهب الطبيعة كالذكاء وأصالة الحكم وقوة الإرادة والشجاعة وما إلى ذلك ، أو نعم الحظ كالمال والجاه والشرف والسلطة وما إلى ذلك ، بمثابة "خيرات" متعددة ، نرغب في الحصول عليها والتمتع بها ، ولكن كل هذه المواهب والنعم لا يمكن أن تكون بمثابة "خيرات في ذاتها" : لأنها قد تستخدم في فعل الخير أو لفعل الشر، فهي جميعا لا تصبح "خيرة" إلا بالنسبة إلى ذلك المقصد الذي ترجوه إرادتنا من وراء استخدامها(2) . فعند امتلاكنا للمال مثلا فإننا قد ننفقه أو نستخدمه لإغراض شريفة وغاياة نبيلة ، أو على النقيض تماما حينما نقوم بتسخير هذا المال للإتيان بأفعال تنافي القيم والمبادئ الأخلاقية ، ولذلك فإن المال لا يعد خيرا في ذاته لأنه يمكن تسخيره لأغراض وغايات مختلفة ، قس على ذلك مواهب وهبات طبيعية أخرى ينعم بها بعض أو كثير من الناس مثل الشجاعة والذكاء ورباطة الجأش . . . إلخ . هذا على عكس الإرادة الخيرة التي تنبع خيريتها من ذاتها ، لأنها غير مفتقرة لعناصر خارجية كي تمنحها خيريتها . ويضرب "كانت" مثلا بفضيلة السيطرة على النفس أو رباطة الجأش فيقول : إن هذه الفضيلة ليست " خيرا في ذاتها " لأنها لو توافرت لدى المجرم لجعلت منه مجرما خطيرا ولأظهرته في عيوننا بصورة المخلوق الكريه الذي ننفر منه ونقسو في الحكم عليه . وأما "الإرادة الخيرة" فهي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يعد " خيرا في ذاته " لأنها لا تستمد خيريتها من المقاصد التي تحققها ، أو الغايات التي تعمل من أجلها ، إلا من باطن ذاتها باعتبارها الشرط الضروري الكافي لكل "أخلاقية" . وعلى حين إذا انعدمت الإرادة الطيبة من أي عمل خلقي فإنه يصبح عندئذ عديم الصبغة الأخلاقية ، نجد أن الإرادة الخيرة - حتى إذا لم تنجح في تحقيق ما تريد - تظل تسطع كجوهرة ثمينة لها قيمتها في ذاتها(3) . هب أنك رأيت إنسانا معرض للموت غرقا في عرض البحر، وهب أنك قمت بإنقاذه من مصيره المحتوم ، فهذا الفعل يعد فعلا أخلاقيا من وجهة نظر المذهب الكانت ؟ وللإجابة على هذا السؤال لابد أولا أن تجاوب على سؤال أخر : هل في لحظة اتخاذك قرار انقاذ الغريق من الموت كنت تهدف إلى غاية أخرى خارجة عن الفعل الأخلاقي نفسه مثل ابتغائك في تقاضي مبلغ من المال ؟ أم أنك قصدت هذا الفعل وأنت مقتنعا تماما بأن هذا العمل هو واجبك نحو أخيك في الإنسانية دون التطلع إلى غاية أخرى تتعدى هذا الفعل ؟ فالمسلك الأول لا يعد مسلكا أخلاقيا على الإطلاق من وجهة النظر الكانتية . أما الموقف الثاني فهو يعد من صميم الأخلاق .ولكن متى تكون الإرادة الخيرة ، خيرة بالفعل ؟ حينما تعمل هذه الإرادة بمقتضى الواجب أي للواجب دون أي اعتبارات أخرى(4) . وبأي علامة تميز العمل الذي من هذا القبيل ؟ إن التمييز سهل بين الأفعال الصادرة عن الواجب والأفعال المطابقة للواجب مطابقة خارجية فقط ويفعلها الفاعل ابتغاء منفعة أو اندفاعا مع رغبة : هذه الطائفة الثانية من الأفعال لا تمت إلى الفضيلة بسبب إذ ليس للمنفعة ولا للرغبة صفة خلقية(5) . ما معنى هذا الكلام ؟ هب أنك تقدم يد العون لوالديك وتساعدهم في التغلب على مصاعب الحياة ، وفي هذه الحالة بالنسبة لك أوعند كثير من الناس يكون الدافع هو عاطفة الحب الذي تكنه لوالديك . وهذا الفعل من وجهة النظر الكانتية يخلو تماما من أي صبغة أخلاقية ، لأن الفعل الأخلاقي لابد أن يكون صوريا أو عقليا خالصا ، أي أنه لابد أن يكون مجردا تماما من أية عاطفة ومن أية منفعة ، وهذه النظرة أراها متطرفة نوعا ما . وأرى أيضا أن وجهة النظر هذه يصعب بل يستحيل تطبيقها واقعيا ، لأن الإنسان ليس عقلا صرفا أو أنه محض إرادة ، بل النفس البشرية هي نتاج عنصرين هما العقل من جهة والإرادة أو العاطفة أو الغريزة من جهة أخرى ، ولذلك فإن المرء عندما يقدم على أي فعل أخلاقي لا نستطيع أن نقول أن هذا الفعل فعلا عقليا خالصا ولا نستطيع أيضا أن نقول أن هذا الفعل صادر الإرادة المحض دون تدخل من جانب العقل ، فالإنسان لا يستطيع أن يتجرد تماما من نوازع الإرادة كما أنه لا يستطيع أن يتجرد تماما من ملكة العقل . يقول د. زكريا إبراهيم " ولهذا يقرر كانت أن صدور الفاعل الأخلاقي عن الشعور بالتعاطف أو الرحمة أو المحبة لا يجعل للفعل أدنى قيمة خلقية ، اللهم إلا إذا كان الفاعل على وعي تام بمبدأ الإرادة الذي ينبغي له أن يصدر عنه في فعله(6) " ويقول كانت كما جاء في الفصل الثالث من كتاب تاريرخ الفلسفة الحديثة للفيلسوف الكبير برتراند راسل : إن جميع التصورات الأخلاقية تحتل مكانها وتستمد أصلها بصفة أولية تماما في العقل . وتوجد القيمة الأخلاقية فقط عندما يفعل شخص عن إحساس بالواجب . فليس يكفي أن يأتي الفعل مطابقا لما يقضي به الواجب . فالتاجر الأمين لأنه يبغي مصلحته الخاصة ، أو الرجل اللطيف بدافع حب الخير ليس فاضلا . إن جوهر الأخلاق يتحتم أن يستخلص من تصور القانون ، ذلك أنه وإن يكن كل شيء في الطبيعة يعمل بمقتضى قوانين ، فإن الكائن العاقل فقط هو الذي يعمل بمقتضى فكرة قانون(7) .
==================
(1) د. زكريا إبراهيم . المشكلة الخلقية ص164 .
(2) نفس المصدر ص164.
(3) المصدر نفسه ص165.
(4) د. يوسف كرم . تاريخ الفلسفة الحديثة ص249 .
(5) نفس المصدر .
(6) د. زكريا إبراهيم . المشكلة الخلقية ص169 .
(7) برتراند راسل . تاريخ الفلسفة الحديثة . المجلد الثالث ص279 . ترجمة محمد فتحي الشنيطي .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ارتفاع حصيلة القصف الإسرائيلي على غزة إلى 140 قتيلا


.. مقتل 17 فلسطينيا معظمهم من الأطفال بغارتين على غزة


.. عامر البياتي : المحافظون طالبوا بايدن بالتوقف عن التفاوض غير




.. إيران/مصادر تستبعد التوصل إلى حل للاتفاق النووي قبل 21 مايو


.. فلسطين وإسرائيل.. التداعيات الإنسانية