الحوار المتمدن - موبايل


يعني إيه كلمة وطن ؟

محمد دوير

2016 / 5 / 18
المجتمع المدني


لا يمكن فهم مصطلح دون توافر شرطين ، الأول ، نشأته وتشكله المعرفي عبر سياقات التاريخ . والثاني ، علاقته بالمصطلحات المجاورة له لبيان أوجه التشابه والتمايز. ومصطلح الوطن يستدعي مصطلحات مجاورة كالمواطنة والدولة والقومية والهوية والانتماء ..إلخ، ولكن يبقي مصطلح المواطنة هي الأقرب في تناولنا لموضوع الوطن، فالمواطنة هي أصل الوطن ونواة تشكله، حيث أنها مصدر للفعل " واطن " علي وزن " فاعل " أي شارك في المكان،والمواطنة صفة المواطن وتعني مجموعة الحقوق والواجبات، وكلمة مواطن تساوي حقوق وواجبات، فلا يوجد مواطن لمجرد مولده علي أرض الوطن وإنما هو يكتسب تلك الصفة لأنه حصل علي مجموعة صفات مشتركة للجماعة التي يحيا في كنفها، فيمتلك الجنسية وربما الديانة – وهي ليست شرطا للمواطنة – واعتراف الدولة به الذي يتبدي في صورة قيد ميلاده بوصفة وطني أي من أهل هذه الدولة أو المقاطعة ..وقد تزيد أو تنقص الصفات المكتسبة جراء الحصول علي المواطنة .
وفي دائرة المعارف البريطانية تعني علاقة بين فرد ودولة ، يحدد كنه تلك العلاقة دستور الدولة وتضمن مستوي معين من الحرية والحقوق السياسية ، ويصاحب تلك الحقوق عدد من المسئوليات كدفع الضرائب والإلتزام القانوني والدفاع عن الدولة. وقد اختلفت بعض المصادر في الفكر السياسي حول علاقة المواطنة بالجنسية ، فهناك من يضعها في ترادف لفظي ، وهناك من يعلو بالجنسية فوق المواطنة من حيث الحقوق المكتسبة مثل حق الفرد في دفاع دولته عنه وهو مقيم في الخارج .
والسياق التاريخي لمصطلح المواطنة يتنوع بتنوع الثقافات الحاضنة له، فقد لامست حضارات الشرق قيم المواطنة كالعدل والمساواة وحقوق الافراد ووجباتهم تجاه الدولة، فقد فهمت الحضارة اليونانية وخاصة في دولة المدينة المواطنة بطريقة محددة انحازت للتركيبة الاقتصادية الاجتماعية الاقطاعية آنذاك، فالمواطن هو الرجل ، الحر، الإغريقي، وليس العبد أو المرأة أو البربري ، وهذا الرجل المواطن هو من له حق الانتخاب والترشح وتمثيل الدولة. ولم تخرج الثقافة الرومانية عن هذا الفهم. وفي العصور الوسطي صارت المواطنة الكاملة هي لأبناء يسوع الرب المخلصين فاتخذت شكلا دينيا صرفا.
وبدأت ملامح المواطنة في صورتها المدنية مع نشأة الدولة الحديثة في أوربا ابتداء من القرن السادس عشر ( حيث الدولة وطن ، وليس الامبراطورية أو الدين أو العرق ) وقدم فلاسفة السياسة الغربيين أمثال هيوم ولوك وفولتير ومنتيسكيو وروسو وفيكو ... ابداعات غير مسبوقة في ترسيخ قيم الفردانية والنزعة الانسانية ومنظومة الحقوق الطبيعية وتأطير علاقة الفرد بالقانون والسلطة والدولة..علي عكس العصور الوسطي التي انشغلت بتنظيم علاقة الفرد بالكنسية والإله.. وبالتالي كانت هذه الافكار المدنية هي مرشد علم السياسة الحديث في القرون الأربعة التالية وتأسست وتبلورت بناء عليها مفاهيم المواطنة بوصفها حق الفرد في التمتع القانوني بخيرات بلده وكافة الحقوق الانسانية المكتسبة في مقابل تنازل طوعي مثل دفع جزء من حريته لصالح المجتمع وجزء من ماله في صورة ضرائب وجزء من عمره في مرحلة الدفاع عن الوطن ...الخ
بينما الوطنية فإنها تشير الي تلك المشاعر الإيجابية تجاة الموطن، فنقول فلان وطني أي أن احاسيسه تميل تجاه الوطن عشقا وفيه قال الشعراء كلاما كثيرا. وقد نشأت الوطنية في العصر الحديث كبديل للدينية في العصور الوسطي ، كان الولاء في العصور الوسطي للدين والمذهب السياسي ، ثم تبدل وصار للدولة والدستور القانون العام . فالوطنية هي دين العصر الحديث ، كما كان الدين هو وطن العصور الوسطي. وهذا يفسر لنا تهكم الاسلاميين علي مفهوم الوطنالمعاصر باعتباره حفنة تراب عفن ، فيما تصدرت مقولة أن الاسلام وطن آراء كثير من زعماء الاسلام السياسي.
بينما الوطن كفكرة فلسفية فهو اختيار طوعي لمجموعة من البشر في العيش سويا وفق منظومة استنبطت عبر أفكار وفلسفات وديانات وخبرات سابقة ، الهدف المباشر من هذا الاختيار الطوعي هو العيش المشترك من حيث تقسيم خيرات الأرض والزود المشترك عن الحدود والحقوق الجماعية للحفاظ علي سلامة الفرد والجماعة التي أصبحت فيما بعد سلامة الوطن التي تعد الإناء الحاوي لمصالح من يحيا فيه. فكأن الحفاظ علي الحياة هو الشرط الأولي لوجود الوطن، حيث شعر الانسان مبكرا أنه بمفرده لا يستطيع توفير مستلزماته والحفاظ عليها ، فرأي أن وجوده في جماعة قد يستلزم تقديم بعض التضحيات ولكنه علي المدي البعيد أكثر فائدة لبقاء حياته أكثر أمنا. وليس من شك أن التحول من الحياة الفردية الي الجماعية أو الاجتماع البشري جعل الحياة أكثر تعقيدا وتشابكا مما احتاج الأمر الي مزيد من تنظيم العمل في العلاقات البينية بين أفراد المجتمع الذي يحيا علي مساحة من الأرض، وكذا تنظيم العلاقة بين الانسان والطبيعة. ومع استمرار الحياة وربما ندرت الموراد أو وفرتها دخلت الجماعات في حروب ودفاع مضاد من أجل الغاية الأسمي وهي الحفاظ علي النوع عبر تأمين مصادر الرزق. كان الموطن هو حدود الانسان الطبيعية في الدفاع ، وكانت ندرة الغذاء هي حدود الانسان المحارب أو المحتل في الهجوم، وكانت الأوطان من حيث هي مقر المولد ومصدر الأمن هي أرض الميدان التي تحدد المهزوم والمنتصر ، العبد والسيد ، الضعيف والقوي.
أي أنه مع الحداثة الأوربية تحديدا وبادية ظهور الدولة القومية ظهر الفرد بوصفه مواطنا وتبلورت مفاهيم الوطنية والوطن وصارت أكثر تحديدا فلسفيا وسياسيا وجغرافيا . ويمكن القول أننا إزاء تطور لمفهوم العمران البشري وصارت المنظومة الأخلاقية التي تحدد معايير الحكم وتضبط العلاقات بين الأفراد أكثر ميلا للتعبير عن تطور التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية التي كانت تتخلص تدريجيا من ثقافة العصور الوسطي، فالفرد صار شخصا مدنيا بحكم عقد اجتماعي تضعه الجماعة البشرية وتطبقه الجماعات النوعية بحسب قدرتها علي ذلك، فالفرنسيون اختلفوا عن الانجليز والألمان والروس في فهمهم لحدود الفرد وعلاقاته بالمؤسسات. ويمكن القول اجمالا أنه بحلول القرن السابع عشر صارت كلمة الفرد تعني المواطن ، والمواطن هو من يسكن المدينة أي يدخل في نمط جديد من علاقات الانتاج غير الاقطاعية. ثم كان القرن الثامن عشر تحت تأثير الثورة الفرنسية يفهم معني كلمة " الفرد " بوصفه شخصا مستقلا مدنيا يحيا في ظل نظام دولة لها طبيعة حكم منصوص عليها ويخضع فيها هذا الحكم لحق الاعتراض. ومن ثم أمكننا القول أننا صرنا أمام حالة حداثية ثلاثية الابعاد ( المواطن – الوطن – الوطنية ) سمي هذا الثالوث مثلث الانتماء الوطني .
ما يعني أن الوطـــن ليس مصطلحا ميتافيزيقيا مفارقا استهلمناه معني وتعريفا من الإلياذه أو الأوديسه أوبرديات الفراعنة ... إنه قيمة معرفية تكونت عبر تطور الحضارة الإنسانية من نواة وحيدة وواحدة هي مفهوم " المواطن " .. فمن الواقع الحي نشأ المعني .. ولأجله يعمل ..فلاوجود له دون وجود مركبة الأولي ..فكل انتقاص من قيم المواطنه هو تهديد لركائز الوطن .. وكل إعلاء يعني بالضرورة رفع مفاهيم العقل الجمعي لدي الفرد علي مفاهيم العقل الجزئي أو الفردي- إن صح التعبير هنا - .. بيد أن انسحاق العقل الفردي لصالح العقل الجمعي لا يخدم فكرة " الوطن " بل يحمل المعني الي دلالة أسطورية تخدم كل استبداد وتدعم كل ثيوقراطية محتملة ..فشرط من شروط ارتقاء الجمعي علي الفردي هو أن يكون الفردي هذا رافعة للجمعي..ذلك أن العقل الجمعي ليس كلا منفصلا عن الأفراد وإن كان مستقلا علي صعيد السمات بحكم أن جوهره ينتج شكله، فالانفصال قائم ولكن الاستقلال مشروط ، ذلك أن العقول الفردية هي من يشكل ويفعّل ويحقق وجود العقل الجمعي ..والوطن يحمل معنيين أولهما متصل بالعقل الفردي وفيه يقولون أن الوطن هو مكان إقامة الانسان ومقره وإليه انتماؤه سواء ولد فيه أو لم يولد..وثانيهما متصل بالعقل الجمعي حينما ينشأ حد مشترك أدني بين جماعة بشرية حول قيمة شيء ما عرف غالبا بأنه موقع ولدت ونشأت فيه الجماعة.. غالبا ما يكون الموقع هذا محددا بمعالم جغرافية حدودية..( حدود قبيلة أو اقطاعية أو دولة ).. كانت الحروب تقوم بين قبائل في المنطقة العربية.. وبين مدن في الحروب اليونانية ابان القرن الثامن قبل الميلاد وبين مقاطعات في العصر الحديث ما قبل نشأة الدولة بالمعني المعاصر..وبين دول في القرون الثلاثة الأخيرة ....الخ.. وربما اتخذت اشكالا متنوعة الأن لاسباب عرقية أو اثنية أو اقتصادية..في النهاية كان الوطن بمعناه القاموسي ( الموطن والمنشا ) هو المحرك والدافع والمقدس الذي يستحق الموت في سبيله..ذلك أن وجود الانسان بوصفه جزء من عقل جمعي هو ما يغذي تلك الحالة الجماعية بوجود الوطن.
وهناك من يري أن الوطن هو ذلك " المكان " الذي أشعر فيه الآمان من جمي النواحي ، أو من يراه " المكان الذي يكون فيه معاشي وتحفظ فيه كرامتي " وفي المعجم المعاني الجامع نجد أصله اللغوي " مربض البقر والغنم الذي تأوي إليه، ومنه أخذت كلمة " التوطين " أي التسكين ، ومنها " وطَن " أي هيأ الشخص لفعل شيء ما. . إذن فوجود مكان محدد علي الصعيد الفيزيقي للانسان، وشعور ما بالأمن والكرامة والأمان علي الصعيد السيكولوجي لإنسان هما شرط وجود الوطن. ولكن كيف يشعر الانسان باستقرار المكان وأمنه ، وما الأمن هنا ؟ الأمن هو ضمان لحقوق كاملة مثل العيش والعقيدة والحرية والعدالة والمساواة ... الخ ، أما المكان فهو الحدود الجغرافية العامة للمكان ( قبيلة – اقطاعية – دولة ) وقديما قال أنصار المذهب الفيزيوقراطي أنه لا يحكم الدولة سوي الملاك العقاريين ذلك لأنهم وحدهم الذين يملكون وطنا ، أي أرض مزروعة لها حدود وملامح أو عقارات ذات وجود علي الأرض. أما التجار فيما يري أنصار هذا المذهب فهم قوم بلا وطن وغرباء علي المدينة ولا انتماء لهم سوي المال ، كسبه وجمعه .في تقديرهم هذا يصبح التجار ضيوف علي الوطن ومن ثم ليسوا مؤهلين لإدارة شئون الدولة فهم غير مؤتمنين علي ما ليسوا ملاك له. وفي العصر الحديث تكون الدولة هي الوسيط بين الوطن والمواطن ، هي المسئول عن ضمان الحدود الجغرافية والحقوق السياسية ومتابعة الواجبات. ولكن كون الدولة وسيطا هل يترتب عليه أنها صارت جزءا من مفهوم الوطن ؟ فالدولة هي مجموع السلطات التي تقوم فيها العلاقة بينها وبين الفرد علي الالتزام القانوني، فيما أن الوطن هو مجموع القيم التي تتولد لدي الانسان في سياق تطوره الذاتي والعلاقة بينه وبين المواطن تقوم علي مباديء الولاء والتشكل الهوياتيو والانتماء ، فكما يقول إريك فروم أن الانسان بحاجة ضرورية للانتماء لكي يقهر به عزلته وغربته ووحدته . والانتماء يؤكد علي الهوية ، والهوية تثبت الانتماء وتكشف عنه و تدل علي وجوده. وعندما يكون الانتماء بعيدا عن الهوية يصبح مزيفا أو مشوها للهوية. وتسعي بعض النظم السياسية خاصة المستبدة الي الربط بينهما وبين الوطن لكي يتحول الانتماء للوطن الي انتماء لها بوصفها هي الوطن أو المعبر عنه , هنا يحدث تبديل زائف في الهوية ويتحول الفرد غير الواعي تدريجيا من الولاء والانتماء للوطن بوصفه حالة فوقية الي الانتماء للنظام السياسي باعتبره الوصي علي الوطن.
وخلاصة القول .. أن الوطن هو " أنا " حينما تتحول بفعل الاجتماع البشري الي نحن ، هو " الذات " حينما تصبح بفعل العمل الإنساني " موضوع " ، فأنت حينما تقول أنني أدعم الوطن..فإنك تعني في الحقيقة أنك تدعم ذاتك بوصفها تعمل لأجل ذاتيتها بشروط موضوعها ..أي بوصفك مواطن.. أي بوصفك جزء من جماعة بشرية تسعي لأن تكون جماعة إنسانية وفقا لمتطلبات التطور الحضاري الراهن.أتمني راجيا أن يفطن الباحثين العرب الي ضرورة الفصل والتمييز بين الوطن والدولة والنظام ،والوصل والربط بين الوطن والمواطنة الانتماء ، فالتداخل الصطلاحي بين هاتين المجموعتين من المفاهيم يحدث خللا معرفيا قد يكلفنا مائة عام من العزلة في وقت نحتاج فيه الي مائة معني صادق نعرف به من نكون.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إصابات واعتقالات في حي الشيخ جراح بالقدس جراء اعتداء قوات ال


.. منظمات حقوق الإنسان العالمية تنتقد الأردن أمام الكونجرس.


.. موسكو: مباحثات فيينا لم تتطرق لموضوع المعتقلين




.. رفع الحد الأقصى لعدد اللاجئين المسموح دخولهم البلاد


.. لاجئون سوريون: أهلي هربوا من الدنمارك كما هربت من سوريا