الحوار المتمدن - موبايل


خطة مواجهة التطرف في الأردن ... نقد بالبدائل .

حاتم بريكات

2016 / 6 / 27
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


أنهيت ولعدة مرات قراءة الخطة الوطنية لمواجهة التطرف التي أعلنتها الحكومة الأردنية عبر جريدة الغد بعد طول انتظار ،الخطة تحوي مقترحات جيدة ،وبمجرد وضعها فهذا يني أن الدولة تتلمس خطراً ما (!!)،ولكن الخطة -للأسف- لم تخلوا من المصطلحات والعبارات الفضفاضة والعموميات كعبارة "الإسلام الصحيح " و "الشريعة" و "الأصولية" وغيرها .
الخطة أيضاً مشبعة بالفكر المحافظ الذي لا يتجاوز إجراءات التسكين اللحظي وترحيل المشاكل ،فالانشائيات واسترضاء الجميع يطغيان بشكل واضح على نص الخطة .
**سأحاول خلال هذا المقال نقاش دور عدة وزارات ومؤسسات :

* وزارة الأوقاف :
حاولت الخطة إظهار الوزارة بمظهر البريء من التطرف لكنها فشلت أمام تلك المساحة الكبيرة التي احتلتها في ذات الخطة ! ،وفي ذلك أيضاً تأكيد من الدولة على أن "المنظومة الفكرية الإسلامية" المعاصرة التي ترعاها الوزارة تشكل حصة الأسد من مشكلة التطرف .
وعلى عكس المنطق فقد عمدت الخطة إلى تعزيز قدرات الوزارة من خلال اقتراح زيادة عدد الوعاظ والواعظات والأئمة والمؤذنين ودراسة عوامل الإحجام عن التوظيف في الوزارة من قبل الشباب ،في إشارة واضحة إلى نية توسيع عملها بدلاً من تقديم دراسة جذرية لإنتاجية الوزارة ،وطرح سؤال حول المردود الحقيقي المحسوس الذي تقدمه لاقتصاد الدولة وتطورها ، وانجازاتها على صعيد مكافحة التطرف ومراقبة حركة أموال التبرعات التي تمر من خلف ظهرها .
في نفس السياق تظهر دائرة الإفتاء التي تعيد الإجابات على نفس الأسئلة منذ عقود ،وتخرج علينا بإجابات كجواز الاستمطار وجواز الاحتفال بعيد الأم (!!) .
أقصد ما المشكلة الكبيرة التي ستحصل لو تم تحويل الوزارة إلى مجلس أو هيئة على غرار ما حدث لوزارة الإعلام أو الشباب في يوم من الأيام ؟؟ فأنا لم ألمس لغاية اليوم لهذه الوزارة دوراً أو منتجاً يرفد الخزينة أو البنية التحتية أو الكفاءات البشرية بحيث تستحق هذه الإمكانيات الهائلة .
لذلك فإنني أرى أن تحويل الوزارة إلى هيئة أو مجلس ، ثم القيام بما يلي :
أولاً : استخدام إستراتيجية المساجد المركزية قدر الإمكان،لتقليل النفقات وتسهيل عملية الضبط والرقابة بما يكفل حصر المتشددين وإرسالهم إلى مراكز تأهيل فكري .
ثانياً : إيجاد آلية تبليغ سريعة كالخط الساخن أو موقع تواصل اجتماعي أو تطبيق للهواتف الذكية لنقل الشكاوي والاقتراحات الفورية للهيئة أو للمجلس للحد من دعوات التطرف والإرهاب ومراقبة جمع التبرعات .
ثالثا: تضمين مواثيق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وعناوين التنمية البشرية وتطوير الذات وعلم النفس وعلم الاجتماع في خطب الجمعة والدروس ،وذلك قد يساعد في خلق السؤال البحثي لدى المتلقي، بالإضافة إلى إنشاء مكتبات "متنوعة" داخل المساجد .


* الخطة تطرقت أيضاً لدور وزارتي التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي بنفس العقلية المحافظة ، وتحدثت عن تعديل المناهج بحيث تكون قادرة على أن تظهر صورة "الإسلام الوسطي "،والكارثة أن هذا المصطلح فضفاض أيضاً وغير مضبوط علمياً فهل يعني ذلك أن يتم تقديم الإسلام بلا فرض الجهاد مثلاً ؟ أو قبول غير المسلم كشخص مساوي للمسلم وسط صخب مصطلحات الجزية وعقيدة الولاء والبراء وحتمية انتشار الإسلام ؟ أو التنازل عن فكرة الخلافة ؟ ...أسئلة تحتاج إلى إجابة قبل الحديث من قبل من وضع الخطة .

تجنب واضع الخطة في مجال التربية والتعليم أن يكون دقيقاً وصريحاً ولكي لا يقال أن هذا نقد بلا بدائل فإنني أضع ما اعتقد أنه ضروري للشروع في حل التطرف عبر العملية التعليمية وهي كالتالي :
أولا : تعريف جديد جامع للتطرف أكثر جرأة وأكثر قدرة على وصف الواقع بدلاً من التحايلات الموجودة في الخطة
التطرف : هو الحكم على الآخر ومحاولة تصنيفه الدائمة بعيداً عن الكينونة الإنسانية وتحميله مسؤولية اختلافه إما بالإقصاء أو العنف بكامل تدرجاته ،ويأتي ذلك عندما ينقل المتطرف متعلقاته (الدين، القومية القبيلة، اللون، ...الخ) من رتبة "متعلق " إلى رتبة "هوية" يعتبر أي نقد أو نقاش حولها هو هجوم عليها .

ثانياً : الإجابة بصدق على السؤال التالي تربوياً: هل الأديان هي المصدر الحصري والوحيد للأخلاق ؟
باعتقادي أن الإجابة الموضوعية على هذا السؤال ستظهر الحاجة لاستعادة منهاج الفلسفة في وزارة التربية والتعليم ووزارة بالتعليم العالي ، فهذا المنهاج يعتبر الأساس لجميع التفرعات العلمية المختلفة ؛ حيث أن موالفة العقل منذ الطفولة مع البنائية العلمية الفلسفية والتي بدورها تخضع العقل لصرامة العلم ودقته وتجعله قادراً على رفض أي فكرة غير خاضعة للمنطق خصوصاً أن الفكر الظلامي يعتمد غالباً -بمساعدة العاطفة الدينية- على كل ما هو غير منطقي ، ففكرة الإيمان من وجهة نظر المتطرفين تأتي من خارج العنوان المنطقي/الفلسفي وإلا كيف سيقنعون شخصاً بتفجير نفسه أو قتل أمه كما نرى ونسمع كل يوم .
ثالثا : المشكلة ليست في النصوص "سهلة التجيير " لصالح الإرهاب فقط ، بل أن عبارات ونصوص التي تدخل مباشرة في تنشئة الفرد تلعب دوراً أعمق في خلق الشخصية المتطرفة ؛ فنصوص الانتقام التي استخدمت في حرب الإسلام مع معارضيه سابقاً ما زالت موجودة وموشحة بالصلاحية لكل زمان ومكان كوصف غير المسلمين بالأنعام أو الحمير أو المجرمين أو الضالين أو النجاسة..الخ ، كما أن نصوص الغرور بالهوية الدينية مثل "خير أمة أخرجت للناس" أو "عن يد وهم صاغرون" ، أو حتى على صعيد خلق شخصية مرعوبة نتيجة لتسليط الضوء على مصير "الكفار " من خلال التصويرات العنيفة المذكورة في النص .
وفي محور آخر فإن فكرة حصر الأخلاق بدين معين يعني بالضرورة المنطقية أن أتباع أي دين آخر غير مكتملي الخلق ،والحديث هنا عن ما يدركه الطالب /الطفل ولو في اللاوعي عندما يستقبل هذا الطرح .
ولن أتحدث هنا عن نصوص تدعو صراحة إلى قتال غير المسلمين كالآية 29 من سورة التوبة وحديث أمرت أن أقاتل الناس وغيرها .
أكرر وأؤكد أن قضيتي ليس تفسير النص ومناسباته بل ما سيصل فعلياً إلى عقل المتلقي/الطالب/الطفل ، أي أن النتائج أهم من التفاصيل .
رابعاً : الخطة تناست تماماً الحاجة إلى مساقات دراسية جديدة في المدارس قد تساعد في تهذيب مواطنة الفرد وقبوله للآخر ،وأقترح 4 مساقات مختلفة :
1- مساق فلسفة ومنطق .
2- مدخل إلى علم القانون ، لتعزيز ثقافة اللجوء إلى القانون والقضاء
3-مدخل إلى العلوم المالية والمصرفية لتسهيل عملية اندماج الطالب في سوق العمل
4- مساق يتحدث عن حضارات العالم وعاداتهم وتقاليدهم في الوقت الراهن ،وذلك سيعزز مفهوم قبول الاختلاف مع الآخر .

* وزارة الداخلية :
أولاً : إنشاء مراكز إصلاح وتأهيل خاصة لتأوي من أدينوا في قضايا الإرهاب وتزويدهم بالخبرات العملية والمهنية والصناعية ليتمكنوا من الانخراط في المهن والوظائف لاحقاً .
ثانياً : تعتبر المخدرات أحد أهم مصادر تمويل الجماعات الإرهابية في بؤر الصراع المحيطة بالأردن ،وقد لوحظ أن الأردن تحول إلى سوق ولم يعد ممراً كما كان، وذلك رفع من نسب الإدمان والاتجار بشكل ملحوظ، وينظر إلى تخفيض الضرائب على المشروبات الكحولية كخطوة مهمة في هذه الحالة لضبط سوق المكيفات وإخضاعه لرقابة الدولة الأمنية والصحية ، لتفويت الفرصة على الجماعات الإرهابية التي تلجأ لتجارة المخدرات لتغطية التزاماتها العسكرية من خلال إيجاد سوق لها في الأردن ،
ثالثاً : رفع مستوى الرقابة على السلاح ودمج المواطن في مكافحة انتشاره من خلال إيجاد أدوات تواصل مباشرة وسريعة .
* وزارة العدل :
إيجاد آلية لتسريع عملية التقاضي لدى المحاكم ، وذلك من خلال زيادة عدد القضاة وتفعيل الحكومة الالكترونية ،مما سيساعد المواطن في اللجوء إلى القضاء عند تعرضه للعنصرية أو الكراهية بسبب المعتقد والتطرف بجميع أنواعه .





* أما عن دور وزارة الخارجية الأردنية والناطق باسم الحكومة والإعلام الرسمي، فأرى أن عليها المهمات التالية :
أولا :إعادة تعريف الصراع في المنطقة على أنه صراع مصالح وليس صراعاً دينياً ، وتوضيح توازنات القوى وشرح خارطة الصراع بأكبر قدر ممكن من الشفافية ؛ وذلك لسحب ذريعة ( الحرب على الإسلام السني ) التي يستخدمها المتطرفون في تجنيد الشباب .
وفي ذلك إظهار لجدية محاربة التطرف بدلاً من استغلاله في التمكين الدبلوماسي كاستخدامه ذريعة للقمع ،والموافقة على التصريحات الغربية التي تردد دائماً أن الحرب الدينية في المنطقة لا تمثل الإسلام ،والقصد منه تشويه الإسلام ، لما في ذلك من دور السماح لعوام بالتخلي عن مهمة التنوير والتوعية ، بالمناسبة فأنا لا أعلم لغاية اليوم أي فصيل أو جماعة تمثل الإسلام المطلوب فعلاً .

ثانياً : توسيع دور السفارات في الدول التي تتواجد فيها التيارات المتطرفة بحيث تقام اللقاءات الدورية والمناظرات والحوارات مع الجاليات من خلال تأسيس تنظيمات وهيكليات مختصة بمكافحة الإرهاب والتطرف .

* مجلس هيئة النزاهة ومكافحة الفساد :
أولاً : تفعيل قانون الحصول على المعلومة وإلزام مجلس الهيئة بتنفيذه على جميع عملياته ،وإسناد مهمة مراقبة تنفيذه إلى المؤسسات والوزارات الأخرى .
ثانياً : فتح فروع إقليمية أو في كل محافظة للهيئة بما يتماشي مع اللامركزية المتوقع إجراء انتخاباتها في 2017 .
ثالثا: سيساهم كل ما ذكر أعلاه بما يخص مجلس هيئة الشفافية ومكافحة الفساد في سحب ذريعة الفساد من الجماعات المتطرفة والإرهابية والتي تستخدمها في تأليب الشباب ضد الوطن .

يبقى أن أؤكد أن سوء الوضع الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد ،وتكاثر الفساد والبطالة كانت عناوين غير موجودة في الخطة ،وفي ذلك إثبات لعدم شمولية الخطة وتركيزها على الشكليات ،ومحاولتها لتلميع سياسات الحكومة فقط بدلاً من وضع اليد على الجرح مباشرة ، فالاقتصاد الضعيف يعني تكاثر التطرف والجهل .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - اخطات الدولة
ناصر ( 2016 / 6 / 27 - 13:13 )
كلام رائع ومنضبط. انا مثلك قرات الخطة مرتين ووجدت انها في الواقع تعزز الارهاب وتطوره وتضع له اطر جديدة ليكون ارهابا عصريا. كيف يمكن مكافحة الارهاب والدولة تريد تقوية التيار السلفي لمواجهة التطرف؟ اليس التيار السلفي هو قاعدة التطرف ومنطلقها؟ كيف سنمافح التطرف من خلال التوسع في اقامة دور تحفيظ القران وهي البذرة الاولى لنشوء التطرف عند الجيل الجديد؟ يبدو ان الدولة تتخبط وهي كم يريد ان يعالج الخطأ بالخطأ. الدولة تخجل من التراث ومن الاسلام المتطرف وتحاول ان تجد البديل من خلال التراث والاسلام نفسه ولكن لا فائدة. المشكلة في الاساس هي في الدين واستعماله الخطا والتوسع فيه لدرجة تجعل المتدين لا يشبع ويريد المزيد وهذا يقوده الى مزيد من التطرف يصل الى الارهاب استعجالا للوصول الى الجنة. تحياتي

اخر الافلام

.. الباحث والأكاديمي أشرف منصور يوضح تأثير الإسلام السياسي في ث


.. أجراس المشرق | المسيحيون والنهضة والقومية العربية | 2020-10-


.. لماذا رفض العراق اعتبار الإخوان منظمة إرهابية؟




.. عملية طعن سيدتين محجبتين ورسوم كاريكاتورية مسيئة للنبي محمد.


.. ???? الجالية المسلمة في فرنسا تطالب بعدم الخلط بين الإسلام و