الحوار المتمدن - موبايل


في الفلسفة البرجماتية pragmatism .

حسام المنفي

2016 / 8 / 4
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


=========
عن المصطلح .
=========بداية فإن مصطلح البرجماتية يرجع إلى اللفظ الإغريقي pragma بمعنى العمل ، وبذلك يكون معناها المذهب العملي أو الوسيلي أو الأداتي الذي يجعل المعرفة الإنسانية أداة للسلوك ، فالفكرة تكون بمثابة خطة يمكن الإهتداء بها في القيام بعمل ، والفكرة التي لا تهدي إلى عمل تصبح فكرة زائفة لا طائل من ورائها(1) وفي ذلك يقول اتشارلزبيرس وهو من أوائل من دعوا لهذا المذهب " إن تصورنا لموضوع ما ، هو تصورنا لما ينتج عنه من أثار عملية " ويقول جون ديوى " إن الحقيقة في صميم التجربة الإنسانية وإن صدق قضية ما هو في كونها مفيدة وذات أثار عملية "(2) ، ويقول إميل بوترو في كتابه العلم والدين في الفلسفة المعاصرة : ويذهب البرجماتيون إلى أن العلم لا يفترض فقط مددا مستمرا للعقل الفعال الذي يواجه الأشياء من وجهة نظره ، ويخلق رموزا تلائم ما يستخدمه ، ولكنه يميل إلى الفعل ، وليس له غرض أخر إلا خدمة الفعل . فالقضية التي لا يتولد عنها نتائج عملية فليس لها معنى . وليس الخلاف بين قضيتين إلا لفظيا ، إذا لم ينتهيا إلى خلاف في طريقة العمل(3) . وفي ضوء هذا أنكر دعاة هذا الإتجاه الأفكار المطلقة كالجوهر والعلية والمطلق وغيرها لأنها ليست لها أثار نافعة في الحياة . ومن الركائز المهمة في تصورهم للمعرفة والأخلاق إليك ما يلي :
1- الحواس هي مصدر المعرفة .
2- رفض المعرفة الحدسية .
3- التسليم بنسبية القيم .
4- الأخلاق أساسها العادات " أي أن القيم الأخلاقية مستقاه أساسا من التجربة والخبرة الإنسانية وليست لها صفة التعالي أو المفارقة " .
5- الخبرة أساس تعديل السلوك .
======
الأصول .
====== إذا تتبعنا أصول الثقافة الأمريكية سنجدها متجسدة في الأفكار والمذاهب الفلسفية التي انتشرت في أوروبا في القرن الثامن عشر ، أي عصر التنوير . ففي ذلك الوقت كان العقل الأمريكي يبحث عن هويته وشخصيته التي تعبر عنه هو ، لأن الثقافة الأمريكية في ذلك الوقت كانت ثقافة وليدة لم يكتمل نموها بعد , وكان بدهيا أن تأخذ عن غيرها من الحضارات والثقافات والشعوب الأخرى ، وهذا حال الأمم والشعوب في طور التعلم . يقول الدكتور زكي نجيب محمود : جاء المهاجرون إلى العالم الجديد من شتى الأمم في الدنيا ، فجاءوا مزيجا من ثقافات مختلفة ، ولبثوا أمدا طويل على اتصال وثيق بأصولهم الأولى ، حتى لقد ظلت تيارات الفكر الأوروبي المختلفة تنساب إلى العالم الجديد غداة ظهورها ، فكل صوت يرتفع في أوروبا كان له صداه في أمريكا ، ولم يرى الأمريكيون في ذلك أول الأمر غضاضة ، لأنه إن كانت مقتضيات العقيدة الدينية قد حملتهم على الهجرة عن بلادهم الأولى ، وان كانت مصالح الإقتصاد بعد ذلك قد أوجبت أن تحدد الهجرة وأن تقام الحواجر في عالم التجارة ، فماذا يمنع أن تشترك الفروع مع أصولها في الفكر وأن تتبادل معها الرأي والنظر ؟ لهذا ظلت أبواب العالم الجديد مفتوحة على مصاريعها ، تتقبل من ألوان التفكير كل ما تهتز به أوروبا ، على اختلاف مصادره وتعدد مذاهبه(4) . وكان أكثر من تأثرت به الثقافة الأمريكية في ذلك الوقت هو الفيلسوف الإنجليزي الكبير جون لوك ( 1632 - 1704 ) ، حيث كانت نظريته عن الحقوق الطبيعية بمثابة الدستور الضمني التي سارت على هديه الثورة الأمريكية التي نادت بأفكار قد نادى بها جون لوك من قبل . يرى فيلسوفنا أن الإنسان كان يحيا وفق منطق الطبيعة حيث لم تكن مجتمعات ولا حكومات ، وكان الفرد يتمتع بحرية مطلقة طالما أنه لم يعتدي على حرية الأخرين ولم يسطوا على ممتلكاتهم أو يشكل خطرا على حياتهم ، وللحفاظ على تلك الإمتيازات والحقوق الطبيعية التي كان الفرد يتمتع بها وهو يحيا حياة الطبيعة " الحرية ، الحياة ، الملكية الخاصة " ارتضى أن يكون عضوا ضمن كيان ضخم وكبير وهو المجتمع ، وأن ينضوي تحت جسد سياسي ينظم شئونه ويرعى مصالحه ويفصل في منازعاته دون المساس مطلقا بتلك الحقوق الطبيعية السالفة الذكر . ولما كانت الغاية من تكوين المجتمعات وإقامة الحكومات هي الحفاظ على الحقوق الطبيعية للفرد ، أي الحفاظ على الحياة والحرية والملكية الخاصة فإن الفرد يجب عليه أن يثور على الحاكم ومن ثم عزله وتغييره إذا ما حاول المساس بتلك الحقوق الطبيعية . ولكي نفهم القوة السياسية فهما صحيحا ونستمدها من أصولها ، يجب أن نفكر فيما هي الحالة التي عليها الناس بالطبيعة ، وهذا يعني ، حالة الحرية الكاملة في تنظيم أفعالهم والتصرف في ممتلكاتهم وأشخاصهم كما يتراءى لهم ، في حدود قانون الطبيعة ، دون استئذان أو الإعتماد على إرادة أي شخص أخر(5) يقول جون لوك : لما كان الإنسان قد ولد ، كما أثبتنا من قبل ، له حق كامل في الحرية وفي التمتع بلا قيود بجميع حقوق ومزايا قانون الطبيعة ، في مساواة مع أي شخص أخر أو أي عدد من الأشخاص في العالم ، فإن له بالطبيعة الحق ، ليس في المحافظة على ما يملكه ، أي حياته وحريته وممتلكاته ، ضد اعتداء الأخرين أو محاولتهم الإعتدائية فحسب ، بل أيضا في أن يحاكم الأخرين على خرقهم هذا القانون ومعاقبتهم بما يعتقد أن جريمتهم تستحقه من عقاب ، حتى بالموت نفسه عندما عندما تتطلب بشاعة الوقائع ذلك في نظره . ولكن لأن المجتمع السياسي لا يمكن أن يقوم أو يقيض له البقاء إلا إذا كان لديه في ذاته سلطة المحافظة على الملكية ، ولتحقيق هذا الغرض تكون لديه سلطة عقاب الجرائم التي يرتكبها أي فرد في المجتمع : فهنا - وهنا فقط - يوجد المجتمع السياسي ، حيث تنازل كل فرد فيه عن سلطة الطبيعة وسلمها إلى المجتمع في جميع الحالات التي لا ينكر عليه فيها حق الإلتجاء إلى القانون الذي يضعه المجتمع لحمايته(6) . وإذا نظرنا على سبيل المثال إلى إعلان الإستقلال الذي جاء في اليوم الرابع من شهر يوليو سنة 1776 سنجد يدعوا إلى تلك الإفكار والمبادىء التى صاغ منها جون لوك نظريته عن الحقوق الطبيعية وإليك بضع شذرات من إعلان الإستقلال . " إننا نؤمن بأن هذه الحقائق واضحة بذاتها ، وهي أن الناس خلقوا سواسية ، وأن خالقهم قد حباهم بحقوق معينة هي جزء من طبائعهم لا يتجزأ ، منها ( الحياة ) و ( الحرية ) والتماس ( السعادة ) ، وأنه لكي يظفر الناس بهذه الحقوق ، أقيمت فيهم الحكومات ، تستمد سلطاتها العادلة من رضى المحكومين ، وأن الحكومة كائنة ما كانت صورتها ، إذا ما انقلبت هادمة لتلك الغايات ، فمن حق الشعب أن يغيرها أو يزيلها(7) ".
========
تشارلز بيرس .
========ثمة كلمات أو عبارات لا حصر لها تجري على ألسنتنا في حياتنا اليومية ، ويمكننا تصنيف هذه الكلمات إلى صنفين ، الصنف الأول ما يكون له دلالة في الحياة الواقعية مثل شجرة ، وردة ، فرس ، منزل ، ورقة ، قلم . . . إلخ والصنف الثاني لا يشير مطلقا أو يدل على أية ظاهرة طبيعية أو تجريبية أو واقعية مثل قولي ، شبح ، ملاك ، شيطان ، أرواح شريرة ، قوى غيبية ، عناية إلهية . . . إلخ وإذا كانت القائمة الأولى التي تتضمن كائنات موجودة بالفعل في حياتنا الواقيه ونستطيع التعامل معها والتعرف عليها عن طريق الإدراك الحسي ومن ثم سيترتب على إدراكي هذا سلوك معين تجاه هذه الأشياء . فإن القائمة الثانية على العكس تماما من القائمة الأولى لا تدخل في نطاق حواسي ومن ثم لن يترتب عليها أي سلوك مهما كانت درجة اقتناعي بتلك التصورات . فالقائمة الأولى تدل على معاني أو أفكار صادقة أو حقيقية ، أما القائمة الثانية لا تدل إلاعلى أوهام اختلقها العقل اختلاقا وتصورات زائفة لا تشير إلى أشياء واقية موجودة بالفعل . وهذا هو جوهر الفلسفة البرجماتية عند تشارلس بيرس الذي أرسى قواعد المذهب وابتدع فلسفة جديدة لا تنظر إلى الفكرة في ذاتها ولكن تنظر إلى ما سيترتب على هذا المعنى أو تلك الفكرة من عمل . وقد كان السؤال الرئيسي الذي ألقاه بيرس على نفسه ليحاول الإجابة عنه هو هذا : ما هي "الفكرة" ؟ متى يجوز لك أن تسمي العبارة "فكرة" ومتى لا يجوز ؟ وانتهى بيرس إلى أن "الفكرة" هي ما "تعمله" ، أي هي في نتائجها العملية المترتبة عليها(8) . وتدور فلسفة بيرس حول المعنى . أي متى تكون "للكلمة" أو "للعبارة" معنى ؟ يقول الدكتور زكي نجيب محمود : والعبارة تكون ذات معنى لو كانت كل كلمة فيها مما يمكن تحويله إلى سلوك وعمل ، فإذا وقعنا من عبارة على كلمة لا ندري ماذا يكون السلوك الذي هو معناها ، فسدت العبارة بأسرها وأصبحت كلاما خاليا من الدلالة ، لا فرق في ذلك بين أي عبارة تقولها وبين العبارة التي يقولها عالم الطبيعة في معمله ، فهذا العالم الطبيعي في معمله إذا ما استخدم كلمة كان لابد أن يكون ثمة ما يقابلها من إجراءات عملية تؤدى ، فلو استخدم مثلا كلمة "ثقل" أو "سرعة" أو "انعكاس الضوء" أو ما شئت من الكلمات ، عرف ماذا يعمل ازاء الشيء المتصف بالثقل أو بالسرعة أو بالإنعكاس ، وهكذا الأمر في كل كلمة وكل عبارة يجوز النطق بها في أي موقف من مواقف الكلام الذي يراد به التفاهم بين الناس . ونعود الأن إلى سؤالنا الأول : متى تكون المشكلة التي يراد حلها مشكلة حقيقية ؟ والجواب هو : تكون كذلك لو أمكن أن يخضع حلها للتجارب العملية ، أعني أن يكون جوابها سلوكا يؤدى في عالم الواقع ، وإلا فهي مشكلة زائفة(9) .
=======
وليم جيمس
======= اتفق وليم جيمس مع اتشارلز بيرس في أن الفكرة الصادقة أو النافعة هي التي يجب أن يترتب عليها سلوك أو خطة عمل في الواقع ، وإن لم يترتب على هذه الفكرة أو تلك سلوك معين ، تكون مجرد فكرة سخيفة لا قيمة لها ابتدعهتا خيالاتنا وأوهامنا . وهنا يسأل وليم جيمس عن كيفية التحقق من الصدق ؟ باختصار ما قيمة الصدق الفورية في خبراتنا ؟ يقول جيمس : تجيب البرجماتية مباشرة أن الأفكار الصادقة هي التي نستطيع إدراكها ونقر بصلاحيتها ، وندلل على صحتها ، وإثباتها والتحقق منها . والأفكار الخاطئة لا نستطيع القيام بذلك معها ، وذلك يمثل الفرق العملي الذي يحدث لنا حين تكون أفكارنا صادقة ، ولا نعرف للصدق معنى غير ذلك(10) . ولا يعد الصدق من وجهة نظر جيمس من الصفات الموروثة في الفكرة ذاتها ، أي أن الصدق ليس صفة ذاتية أو جوهرية للفكرة ما لم نقم باختبارها في الواقع ، فلا نستطيع إثبات صدق الفكرة إلا بعد ما نرى الأثار العملية المترتبة عليها في أرض الواقع يقول جيمس " لا يعد صدق الفكرة صفة ملازمة لها أو موروثة فيها ، فيحدث الصدق للفكرة ، أي تصبح صادقة بفعل الحوادث . ليس صدقها في الحقيقة إلا عملية إثبات صدقها أو إثبات تحققها ، ولا تستمد صلاحيتها إلا من عملية تأكيد هذه الصلاحيات(11) " . فيعني صدق الفكرة حينئذ نتائجها فقط أو ما قد يؤدي من الناحية النفسية إلى مثل هذه النتائج ، ولا يتعلق حينئذ بموضوعها أو بأمر ينبثق من داخلها لا تستطيع التجربة وصفه أو تفسيره(12) . إلا أن مذهب جيمس كان أرحب نطاقا من مذهب بيرس لأن جيمس أدرج الخبرات الوجدانية والنفسانية ضمن مذهبه وخاصة الخبرة أو التجربة الدينية . نعم إن النتائج المترتبة على الشعور الديني ليست بنتائج ذات أثار ملموسة ولا نستطيع إدراكها إدراكا حسيا ، وفكرة وجود الله ليست بالفكرة التي نستطيع إثباتها أو البرهنة على صحتها ، ولكن يكفي من وجهة نظر جيمس أن الشعور الديني يمنح الفرد السعادة والطمأنينة والتصالح مع النفس حتى نستطيع الحكم على التجربة الدينية أنها صادقة وذات أثار إيجابية ومن ثم تكون مقبولة وشرح ذلك عنده كما يأتي: إن وجود الله يستحيل بالطبع اثباته إذا احتكمنا إلى خبراتنا العملية ، لأننا لا نراه ولا نسمعه ولا نمسه ، وإذن فلا يجوز أن يكون ذلك طريق إثباته ، ومع ذلك فهنالك طريق غير مباشر إلى إثبات المعنى المعنى لهذه الجملة إذا رجعنا في ذلك لا إلى النتائج الحسية المباشرة بل إلى النتائج العامة التي تحدث في وجهة نظر المؤمن بصدفها ، فالذي يؤمن بأن الله موجود يختلف شعوره في حياته عمن لا يؤمن بذلك ، فتراه مثلا متفائلا قوي الرجاء ، وبالتالي فهو مستبشر بحياته فرح مطمئن ، على خلاف زميله المنكر ، إذ يغلب أن يكون هذا متشائما منقبض النفس معدوم الرجاء والأمل ، وهذا الإختلاف في وجهة النظر كاف وحده أن يجعل للجملة ( وجود الله ) معنى لما لها من نتائج . كأن جيمس يريد أن يقول لا أستطيع أن أجزم بأن ثمة أفكار مطلقة لأن إثبات صحة مثل هذه الأفكار أو تلك المعتقدات مثل (فكرة الله) أمرا مستحيلا لأن مناط هذه الأفكار هو الوجدان وليس العقل أو التجربة ، والوجدان لا يصلح أداة للمعرفة ولذلك تعد التجربة الدينية ذاتية وليست ذات معايير موضوعية نستطيع أن نستدل على صحتها من خلال المناهج التجريبية أو الإستقرائية ، ومع ذلك يمكن الحكم على هذه الأفكار من نتائجا أو الأثار المترتبة عليها وهي أثار نفسانية بحت .
=============================================
(1) د. لطفي بركات أحمد " المعجم التربوي ص134 " .
(2) نفس المصدر ص135 .
(3) إميل بوترو " العلم والدين في الفلسفة المعاصرة ص218 " .
(4) د. زكي نجيب محمود " حياة الفكر في العالم الجديد ص7 " .
(5) جون لوك " الرسالة الثاني في الحكم المدني الفصل الثاني ص264 من كتاب العقد الإجتماعي لوك . هيوم . روسو . ترجمة عبد الكريم أحمد " .
(6) نفس المصدر " الفصل السابع ص300 " .
(7) د. زكي نجيب محمود " حياة الفكر في العالم الجديد ص14 " .
(8) نفس المصدر ص147 .
(9) نفس المصدر ص152 .
(10) وليم جيمس " معنى الحقيقة ص17 " ترجمة أحمد الإنصاري ، مراجعة حسن حنفي.
(11) نفس المصدر ص17 .
(12) نفس المصدر ص23 .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الإنسحاب الأميركي من أفغانستان.. الدوافع والإحتمالات


.. إجراءات مشددة ضد كورونا في مصر والعراق.. وفي تونس إقبال كبير


.. إسرائيل - غزة: تكثيف الغارات وتعثر الوساطات




.. مقتل 16 عنصرا من حماس في ضربة جوية إسرائيلية في غزة


.. شبهات فساد تحوم حول بواخر تركية تزود لبنان بالكهرباء