الحوار المتمدن - موبايل


جدل الحريّة و الضرورة - 3

علي عامر

2016 / 10 / 11
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


{الضرورة في ذاتها و الضرورة من أجلنا}

كنّا في المقال الثاني من سلسلة جدل الحريّة و الضرورة , قد أوردنا ملاحظتين اثنتين للينين على فقرة انجلس أدناه , وهنا سنستمر في عرض ملاحظات لينين على تلك الفقرة.

يقول انجلس في كتابه "ضد دوهرنغ" :" إنّ هيجل أوّل من تفهّم بشكل صحيح العلاقة بين الحريّة والضرورة. فالحريّة بنظره هي معرفة الضرورة . "إنّ الضرورة عمياء مادامت غير مفهومة" . فليس في الإستقلال الموهوم عن قوانين الطبيعة تتجسّد الحريّة, بل في معرفة هذه القوانين وفي الإمكانيّة المرتكزة على هذه المعرفة لإجبار قوانين الطبيعة بصورة منهاجية على أن تفعل فعلها من أجل أهداف معيّنة. وهذا ينطبق سواء على قوانين الطبيعة الخارجيّة , أم على القوانين التي توجّه الوجود الجسدي والروحي للإنسان نفسه , وهاتان فئتان من القوانين نستطيع أن نفصل إحداهما عن الأخرى في تصوّرنا فقط , ولا نستيطع فصلهما في الواقع أبداً.
وبالتالي لا تعني حريّة الإرادة سوى القدرة على اتخاذ القرارات عن معرفة بالأمر (يقصد قرارات واعية) . وهكذا , كلما كانت محاكمة الانسان بصدد مسألة ما أوفر حريّة , كلما تقرر مضمون هذه المحاكمة بقدر أوفر من الضرورة... إنّ الحريّة تتجسّد في السيادة على أنفسنا بالذات وعلى الطبيعة الخارجية , هذه السيادة المرتكزة على معرفة ضرورات الطبيعة ".

سأعرض هنا لملاحظات لينين عن نص انجلس أعلاه , تلك الملاحظات التي وردت في كتاب لينين "الماديّة والمذهب النقدي التجريبي – من فصل الحريّة والضرورة"

{كل ما هو بين مزدوجين منقول حرفياً عن لينين}

ثالثاً:
"لا يشك انجلس في وجود (الضرورة العمياء) . وهو يعترف بوجود الضرورة غير المعروفة من قبل الانسان ."

" ولكن , كيف يمكن للإنسان أنْ يعرف عن وجود ما لا يعرفه؟ أنْ يعرف عن وجود الضرورة غير المعروفة؟"

"لو أنّ الماخيين أمعنوا الفكر , لما كان في وسعهم أنْ لا يروا التشابه التام بين محاكمات انجلس بصدد إمكانية معرفة الطبيعة الموضوعية للأشياء وبصدد تحوّل (الشيء في ذاته) إلى (شيء من أجلنا) , من جهة , وبين محاكماته بصدد الضرورة العمياء , غير المعروفة , من جهة أخرى" .
يكمل لينين : "إنّ تطوّر الوعي لدى كل فرد بشري بمفرده و تطوّر المعارف الجماعيّة لعموم البشر , يبيّنان لنا , لدى كل خطوة , تحوّل (الشيء في ذاته) غير المعروف إلى (شيء من أجلنا) معروف , تحوّل الضرورة العمياء , غير المعروفة (الضرورة في ذاتها) إلى (ضرورة من أجلنا) معروفة" .

وبعد أنْ يؤكد لينين على التشابه التام من الناحية العرفانية بين تحوّل (الشيء في ذاته) إلى (شيء من أجلنا) وتحوّل (الضرورة في ذاتها) إلى (ضرورة من أجلنا) , يُظهر المشترك الأساسي بين هذين التحولين ,
فيقول: "وجهة النظر الأساسيّة هنا وهناك واحدة , وهي بالذات وجهة نظر الماديّة , الاعتراف بالواقعيّة الموضوعيّة أولاً للعالم الخارجي ولقوانين الطبيعة الخارجيّة , علماً بأنّه من الممكن تماماً أنْ يعرف الانسان هذا العالم وهذه القوانين , ولكن لن يكون بإمكانه يوماً أنْ يعرفها إلى النهاية" .

ثم يضرب لينين مثلاً:

" فنحن لا نعرف ضرورة الطبيعة في ظاهرات الطقس , ولذا نحن حتماً عبيد الطقس . ولكن , رغم عدم معرفة هذه الضرورة , نعرف نحن أنّها موجودة . ولكن , من أين هذه المعرفة؟"

كيف نعرف بوجود شيء لا نعرفه؟

"من معرفتنا أنّ الأشياء موجودة خارج إدراكنا وبصورة مستقلة عنه , أي بالضبط : من تطوّر معارفنا الذي يبيّن ملايين المرّات لكل انسان أنّ اللامعرفة تعقبها المعرفة" .

فرغم أنّ الانسان وعلى الصعيد التطبيقي غير واعي لكل الضرورات , إلّا أنّه وبخبرته الفرديّة وبمجموع خبرات البشر , يعي أنّ كل شيء تحكمه الضرورة.
والشيء في ذاته , هو الشيء الذي لا يعرفه الانسان بعد , ولأنّ الانسان لا يعرفه فهو لا يملكه , لا يملك استخدامه أو توظيفه أو تسخيره , ولكن الديالكتيك المادي يعلمنا , أنّ ما هو في ذاته الآن , سيصير حتماً من أجلنا لاحقاً , وما هو مجهول الآن , سيغدو معروفاً لاحقاً , فمعرفة الانسان غير متناهيّة , ولا يحدّها سقف.
وبنفس القياس , "فالضرورة عمياء إلى أنْ يدركها الانسان" , والقاعدة الماديّة تخبرنا , أنّ الضرورة العمياء الآن (الضرورة في ذاتها) , لا بد أن تظهر لاحقاً , فيدركها الانسان , ويستخدمها.

وفي هذا يتجلّى أهم مبادئ الماديّة الجدليّة:
1- الطبيعة و الواقع موضوعيّان وتحكمهما الضرورة.
2- معرفة الطبيعة و الواقع ومعرفة الضرورة الكامنة فيهما ممكنة بل وحتميّة , ومن خلال المعرفة يتحوّل ما هو في ذاته إلى ما هو من أجلنا.
3- الانسان عبد لما لا يعرفه , وسيّد على ما يعرفه.

في الحلقة الرابعة من السلسلة , سنعرض لمفهوم الشيء في ذاته الكانطي , وكيف عالجه ونقده هيجل , ثم في الحلقة الخامسة سنعود لملاحظة لينين الرابعة , بعنوان (القفزة الحيوية بالفلسفة).

يتبع...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المطابخ الرمضانية .. ملاذ الفقراء


.. راؤول كاسترو يتخلى عن قيادة الحزب الشيوعي في كوبا


.. فيديو اليوم | المطابخ الرمضانية .. ملاذ الفقراء




.. شعائر صلاة الجمعة من مسجد الشيخ الغنيمي - محافظة الشرقية


.. شاهد: تجدد المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين في ولاية مينيسوت