الحوار المتمدن - موبايل


لاعبُ النرد ... مُستقبلاً صادق جلال العظم

خالد الحروب

2016 / 12 / 19
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



ماذا فعلت مرثية محمود درويش الشهيرة "لاعبُ النرد" في وجدان وعقل الراحل الكبير صادق جلال العظم حتى يُوصي بأن تُتلى على روحه؟ ثماني سنوات مرت بين لحظة ولادة وقراءة "لاعب النرد" للمرة الاولى بصوت درويش صيف 2008 ولحظة كتابة العظم لوصيته في مكتب ناشره الالماني، كاي هينيغ غيرلاش، في برلين. كأنما نرد العظم ظل يجرب حظه مع الحياة والموت والمنفى والامل والثورة والاحباط، سارداً سيرة ثرية لإبن الارستقراطية السورية الذي قرر الإنحياز لماركسية تنتصر للفقراء منذ يفاعة شبابه. عندما ساقني لاعب نردي لأكون محظوظاً بسماع درويش في رثائه المتعالي لذاته في الصيف الرامالاوي وقبل رحلته النهائية لإجراء الجراحة القاتلة، توافقت واصدقاء كُثر على نفس الحزن المنتشر: درويش يودع الناس والحياة. "لاعب النرد" هي نصه الفخم والمُلتبس الأخير، الفائض بالأسئلة والغموض: "من انا لاقول لكم ما اقول لكم؟ وأنا لم اكن حجراً صقلته المياه فأصبح وجها، ولا قصباً ثقبته الرياح فأصبح ناياً ... أنا لاعب النرد، اربح حيناً وأخسر حيناً".
بعد موت الشاعر صار للقصيدة حيوات اخرى تتطاول بإستمرار وإعتداد مُلفت. في كل مرة أقرأُ فيها قصيدة الفلسفة والحياة والامل والموت والنصر والهزيمة هذه، تُروى لي القصة بشكل جديد وبأحداث طازجة. حياة الشاعر لم تنته مع الموت، بل هربت منه وتسللت إلى "لاعب النرد" وظلت تفور وتقامر كأنما إلى الابد. لئن كانت "لاعب النرد" اعلان استسلام الحياة العادية لبطش الموت المحتم، فهي ايضا اعلان انتصار الحياة بغرورها الجميل وديمومتها في الشعر على الضد من الموت والهباء. تُرى أين حلق بها صادق جلال العظم وحلقت به حتى ينص في وصيته على قراءتها يوم يموت؟ وماذا أريد انا من الزهر اكثر من بذخ اقدار النرد لي: رمية في الرمل، فيتقلب وجه النردين في السماء ستة وستة، دوش كامل، لأكون من يقرأها ويتلوها على روح العظم في برلين وفي مجلس عزائه المُتواضع؟
قبل عام وازيد قليلاً كانت فيمار، مدينة الشاعر والمفكر الألماني الكبير، تحتفي ب صادق جلال العظم، وكأنها وشاعرها يودعانه قبل ان يرحل. كنا مجموعة قليلة من العرب الذين جاءوا لمشاركة العظم حصوله على جائزة "ميدالية غوته" السنوية، وهي الاعرق والأكثر رصانة في هذا البلد. في ذات التاريخ المُحدد لمنحه الجائزة كنت مدعواً إلى ندوة هامة في مكان آخر مؤكداً للداعين حضوري. الغيت ذلك فور انتباهي لتضارب الموعدين، وهمست يومها لخلود، رفيقتي في الحياة وفي رحلتي إلى فيمار، بأننا نسابق الزمن في هذا اللقاء مع صادق، مشاركينه وزوجته ورفيقته إيمان هذا الإحتفاء الأخير، وهذا الآن اهم من كل الأشياء الاخرى. كنا مجموعة قليلة من عائلته واصدقائه العرب وسط جمهور الماني عريض. لا بأس من الإقرار بأن ثمة مرارة مزدوجة تحلبت في فرح ذلك اليوم المشمس: لأننا قلة اولاً، ولأن هذا التكريم، ثانياً، لم يكن له شقيق في بلاد العرب للمفكر الكبير. يومها كتبت جزء ً من المرارة: "غوته مُحتفياً ب صادق جلال العظم". اليوم ارواح شاعرين كبيرين، لاعب نرد فلسطين، وفارس لغة المانيا، ترحب بروح المفكر الكبير. اليوم (السبت 17 ديسمبر) هنا في برلين، خلود وانا مرة اخرى، إلى جانب ايمان وقد غاب صادق. ومرة اخرى تتحلب ذات المرارة المزدوجة لكن من دون الفرح الذي عشناه في فيمار العالم الماضي: لأننا قلة ايضاً في ايام العزاء هذه، قلة لا تتناسب وعلو كعب صديقنا الراحل، ولأن هذا العزاء يُقام بعيداً عن دمشق التي حلم صادق واوصى بأن يُدفن في ترابها ما تبقى من جسده ... إن امكن!
وفاءً لروح فتى دمشق التي بقيت وثابة حتى الإبتسامة الاخيرة نواصل لعبة النرد مُبتسمين. روحه لا تحتمل المديح الزائد، بل تتوق لتقليب الافكار التي حارب من اجلها. أهمية العظم تكمن في مواقفه الشجاعة وافكاره السجالية التي تستثير التفكير والنقد والإتفاق والإختلاف. ولأنه لم يكن "مثقف القطيع" بل "المثقف الناقد" و"المثقف القلق" فقد ظل حراً من قيود الأدلجة ومن الإندراج في اي قطيع. في لحظات شديدة الاختبار على كل مثقف ومفكر وقف العظم مع ضميره الفكري، وصرح عنه دون مواربة، ولم يجامل السائد والمُستقر من افكار وتوجهات. في نقده للهزيمة نفض الكسل التحليلي التآمري الذي كان (ولا زال) يلقي باللائمة على الغرب والآخرين ويعلق على مشجب الخارج كل الهزائم والتخلف الذي نرتع فيه. في نقده لسيطرة الدين على الفضاء العام وتفشي ذهنية التحريم كسر الخطوط الحمر وقدم نقدا من داخل منظومة العقل الديني. وفي نقده لنمط آخر من الكسل الفكري انتجته مقولات "الاستشراق" الإدوارد سعيدية، قال ان شطب عمل الاستشراق والمستشرقين دفعة واحدة، وهو النتيجة التي لم يردها او يدعو اليها سعيد، يعني تعزيز فكر المؤامرة، وتوفير عتاد رخيص وكسول للفكر الرجعي والظلامي كي يتمترس وراءه في نقد كل شيء له علاقة بالغرب. إنه "استشراق معكوس" بحسب عنوان مقاربته في نقد "الاستشراق" لسعيد. وعندما يتعلق الامر بحرية الفكر والتفكير والنقد ينطلق العظم ليقف في النقطة القصوى من الحريات، وليكون ذات تاريخ واحدا من الاسماء العربية النادرة التي وقعت بياناً ادان فتوى الخميني الداعية لقتل الكاتب الهندي البريطاني سلمان رشدي. لم تتكلس ثقافته حول القناعات اليسارية التي ظلت تشكل الدافعية الاخلاقية والانسانوية في مقارباته، ولم يقع اسيرا لايديولوجيا تتجمد عند مقولاتها او حتمياتها ولا تعترف بحركة التاريخ. انتقد التكلس والرجعية الايديولوجية عند الماركسيين العرب كما عند الإسلاميين العرب، ولم يجامل هنا ايضا.
فرح العظم بالربيع العربي واحتفى به فكريا ووجدانيا وسياسياً، ورأى فيه عودة السياسة الى الناس وعودة الناس الى السياسة بعد عقود طويلة من الجمود والاستبداد. رفض الاستقرار الظاهري الذي يتفاخر بإحلاله الاستبداد واسماه "استقرار القبور". رأى العظم في لحظة "ميدان التحرير" عودة التاريخ الى المنطقة، وظل متفائلا حتى اللحظة الاخيرة، برغم كل السوداوية التي هبطت على الثورة الاقسى في سورية. وعن سورية نفسها نطق بأجرأ ما قد ينطق به مثقف في موقعه، وكتب عما كان يجول في عقول الكثيرين لكن الخشية من الاتهام بالطائفية اسكتتهم. تحدث عن "العلوية السياسية" والتي تعني وقوع سورية طويلاً ومديداً في قبضة نظام اشتغل على إعادة انتاج البلد العريق وفق نظام اعتمد الطائفية وقوض بها الاكثرية، واستأثر بالحكم، والاقتصاد، والمال، والامن عبر فئة زبائنية اقلوية. انتقد العظم التوجهات الغربية التي تصاعدت بعد الثورة السورية بزعم الدفاع عن الاقليات في سورية، وقال ان سورية وتاريخها لم يشهدا اي حروب اهلية اثنية او طائفية تستدعي هذا النفير المزيف للدفاع عن الاقليات، وكأن الاكثرية هناك تنتظر اللحظة السانحة لتبطش بالجميع.
اخجلني بشكره الراقي سنة 2012 عندما سطرت له إهداء كتابي "في مديح الثورة: النهر ضد المُستنقع"، وكتبت فيه: "إلى صادق جلال العظم: اخيرا دقوا جدران الخزان ... انتهى استقرار القبور". ظل العظم "لاعب نرد" مُحترف مع الافكار والسياسة والإنخراط المطلق في صناعة التاريخ. لم يكن عاجياً يتكسل على أرائك اليقين والتنظير المُنفصل عن الواقع. ظل يلعب النرد، نشطاً وقلقاً. رحل العظم، لاجئاً ومُتعالياً عن قبول اي مساعدة مالية من الدولة التي استضافته، فيما ظل الدق على الجدران متواصلاً، وواعداً بأن استقرار القبور سوف ينتهي مهما تمادى النردُ في خداعه للأموات وللأحياء.

[email protected]








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. 60 جريحا في انهيار مدرج لكنيس يهودي بمستوطنة جفعات زئيف قرب


.. عشرات الجرحى بانهيار مدرج كنيس يهودي قرب القدس


.. ماذا تعرف عن أمانة سوريا الواحدة؟.. ولماذا يراها كثيرون أداة




.. محب الله شريف: اليوم نجد اعترافا رسميا بوجود اشتباكات في الج


.. في هذه الأيام يتحرى المسلمون رؤية الهلال