الحوار المتمدن - موبايل


في نقد نقّاد الترامبية

خليل عيسى

2017 / 2 / 27
السياسة والعلاقات الدولية


نشرت جريدة "النيويورك تايمز" الاميركيّة في عددها الصادر في 2 شباط/فبراير 2017، مقالًا للكاتب السوري ياسين الحاج صالح المعارض لنظام الاسد بعنوان "كيف يستفيد تنظيم الدولة الاسلامية من منع ترامب للسوريين"، يهاجم فيه الكاتب قرار ترامب بمنع دخول مسافرين قادمين من ستة بلدان لمدّة 90 يومًا كما سوريا التي خصّها الرئيس الاميركي بمنع نهائي. نقطة المحاججة الاساسيّة تقول بأنّ منع السوريين من القدوم الى اميركا سيستفيد منه "تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) وارهابيو "القاعدة" والمنظمات الارهابية الاخرى" الذين "سيستعملون هكذا قرارات تمييزية...لوصف الغرب بانه معادٍ للاسلام وبانهم حماة العالم الاسلامي." ولذا فإنّ ادارة ترامب غير المكتملة بعد والتي كانت ما تزال في بداية اسبوعها الثاني لها عند نشر المقالة، ليست بأفضل من ادارة اوباما الذي "سمح للاسد بالبقاء...وفي المقابل تمّ اعفاء (الاسد) من العقاب جراء استعماله السلاح الكيماوي وتمّ عمليًّا ضمان بقائه"، اذ أنّ "الاتفاق...كان هديّةً ممتازة لمجموعات مثل "جبهة النصرة" و"الدولة الاسلامية" مانحًا الشرعيّة لخطابهم العدمي بأنّ العالم ضدّنا وبأنّ من يبحثون عن العدالة للمسلمين في العالم الغربي مضللون، لا بل هم حتى عملاء للصليبيين". أمّا الحملة العسكرية للنظام لتدمير المدن السورية فقد "ولدت من رحم الاتفاق الكيماوي في عام 2013". ليخلص الكاتب الى المقولة العجيبة بأنّه "قد يكون الاختلاف شديدًا بين شخصيتي كلّ من السيّدين اوباما وترامب، لكنّ حتّى اللحظة فإنّ إدارة السيد ترامب ليست سوى استكمال لادارة السيد اوباما بما يخصّ سوريا والشرق الاوسط". ثمّ يذكّرنا وبميلودرامية مفخَّمة بأنّ قرار المنع الذي اصدره ترامب "سيقوّي كلٍّ من "الدولة الاسلاميّة" و"القاعدة" إذ انه يخلق عالما يكون فيه الناس بلا أمل، حيث سيتمّ بالاخصّ التمييز ضدّ المسلمين". وبما انّه كان لا بدّ من ختم المقالة بطريقة تليق بالمناسبة، فقد تمّ الاستخفاف والسخريّة من فكرة ترامب حول انشاء "المناطق الآمنة" من أجل السوريين.
المقالة عبارة عن تموضعٍ خطابي وسياسي محدّد أتى من مثقّف سوري يهاجم فيه إدارة اميركية خلال اسابيعها الاولى بينما هي تواجه حملة شعواء في متن الاعلام الاميركي وعلى رأسه جرائد مثل "النيويورك تايمز" و"الواشنطن بوست" وقنوات تلفزيونية مثل "السي ان ان" حول مسائل تمسّنا مثل العلاقة مع ايران. معارضو ترامب الذين هندسوا وروّجوا للاتفاق مع ايران وقاموا بتقويتها في سوريا والعراق واليمن، كانوا قد جنّدوا نفس وسائل الاعلام هذه مثل "النيويورك تايمز" وجنّدوا صحافيين فيها مثل دايفيد اغناتيوس لترويج سياساتهم. هؤلاء حتمًا لا يعبأون بمصير الملايين من السوريين، ومقالة الحاج صالح لا تعدو بالنسبة لهم كونها طلقة اضافية على ادارة دونالد ترامب. لذا نسأل أين تكمن مصلحة السوريين في الاندراج في هذا التصويب على ترامب؟
بالنسبة لمن يريد ان يحمل صوت شعبه، تكون الخطوة الاهم في الدفاع عن حقوقه وحقوق وطنه الا يسمح لاحد أن يستخدمه كاداة، لانه حتى وان عرض معاناته بشكل حقيقي، فهو سيخسر لانه سيعرضها كبضاعة للاستخدام، لا كقضية عادلة يؤمن بها حتى العظم ولديه الاستعداد للدفاع عنها مع عدم التنازل ولو بشعرة منها عبر جعلها بضاعة. لذا بدل التكتيك المتّبع في المقالة حول "استفادة داعش من منع ترامب"، كان من الاجدى والاعدل الاعتراض على قرار ترامب على ارضية حقوق الانسان الكونيّة والمجادلة بضرورة التمييز بين السوري اللاجىء الى اميركا، وبين من يثبت انّه ذاهب لهناك ليقوم بعمل ارهابيّ، وذلك مع التسليم بحقّ أيّ حكومة اميركيّة بمنع دخول ارهابيين الى اراضيها. بدل ذلك نتفاجىء بتماهٍ غير مقصود حتما مع خطاب مؤيّدي النظام الاسدي في المقالة لكثرة ترداد لازمة "الارهابي" و"التنظيمات الارهابية" فيها، تماه مع هؤلاء نفسهم الذين يصمون ثورة السوريين "بالارهاب". هناك تماهٍ حتى مع خطاب اليسار "الانتي-امبريالي" الاميركي حين يضخّم الكاتب بشكل غير منطقي ما يسمّيه "استفادة داعش والقاعدة والتنظيمات الارهابية الاخرى" من قرار ترامب. لا نشكّ أن هذا لم يكن بقصد الكاتب ولا في ذهنه، لكنها هي النتيجة (المتوقّعة) بالنسبة لمن يريد ان ينشر في "النيويورك تايمز" هذه الايام. وقد استعمل الكاتب تسمية "القاعدة" ليشير الى ما عُرِف "بجبهة النصرة" سابقًا التي اعلنت قطع علاقاتها مع تنظيم "القاعدة" منذ اكثر من 7 اشهر ثمّ عادت لتسمي نفسها "تنظيم فتح الشام". هذه كلّها وقائع وليست وجهة نظر. لكن وحدهم الروس والايرانيين ما زالوا يصرّون على استعمال تسمية "جبهة النصرة". فملائكة الموت مثل هؤلاء يحتاجون الى "ارهابيين" اكثر من حاجتهم لسوريين أحياء. كما يستعمل الكاتب تعبير "التنظيمات الارهابية الاخرى"، لكن لا نعرف ان كان ذلك يعني موافقة منه على معايير التصنيف الايراني-الروسي-التركي لما هو "ارهابي" أو "غير ارهابي" من الفصائل المعارضة خلال مؤتمر الآستانة الاخير. أمّا الزعم الاساسي للمقالة بأنّ قرار ترامب يسمح لداعش بتجنيد اسهل للناس في صفوفها فهو الاكثر اثارة للضحك: هل نسيَ الكاتب أنّ عنف النظام وحلفائه ومن ضمنهم إدارة اوباما هو السبب الاساسي في دفع الناس للتخندق في خطاب جهاديّ وظيفته الشحن النفسي والاديولوجي من أجل القتال؟ واذا ما قبلنا بالافتراض السوسيولوجي الضمني الساذج، بأنّ الناس هي مجرّد دمى لا تفكّر بمصلحتها ويتمّ "شحنها"، فما هو الاكثر "شحنًا" بالنسبة لسوريين يُقتلون كلّ يوم: هل هو تدمير مدن حلب والموصل وادلب ودرعا والرمادي وحمص وتدمر من قبل النظام وحلفائه، أم ترى هي واقعة منع سفر بضعة سوريين الى اميركا معظمهم من النخب او من الناس المتوسّطة الحال يشكّلون اساسًا نسبة لا تذكر من عموم السوريين؟ إنّ ذلك صحيح بغضّ النظر عن حقيقة أنّ السوريين باكثريتهم الساحقة لا يريدون أن يُحكموا لا قبل نظام الاسد ولا من قبل التنظيمات الاسلامية. فما لا ينتبه له الكاتب هو أنّه يناقض مقصده من وجهة نظر اي حكومة اميركيّة ستردّ عليه قائلة: إذا كان تجنيد "ارهابيين ضدّ الغرب" من ضمن السوريين سيتمّ وبشكل اسهل لسبب سطحي كمنع سفر الى اميركا، الا يبرّر ذلك ارتياب الحكومة الاميركية في كلّ سوري يريد أن يأتي الى اميركا؟
أمّا فيما يخصّ سياسة اوباما ومقارنته بترامب، فمن المفيد ذكر ما قاله روبرت فورد سفير الولايات المتّحدة في سوريا ايام ادارة اوباما منذ ايام: "لديّ ندم كبير أوحد وهو أنّ السوريين في المعارضة اعتقدوا دومًا بأنّنا سنرسل عسكرنا لنجدتهم من بشّار الاسد. مهما كانت المرات التي كنت اقول لهم فيها انّ الامر لن يحصل، لم يكونوا يصدّقونني. كان فقط يقولون لي "اميركا، تمثال الحريّة، ارض الحريّة، سيأتون". لكن اميركا لم تأت. وهي لم تأت لا بعد أن استعمل الاسد الاسلحة الكيماويّة على شعبه عام 2013 ولا بعد ان استمرّ بخرق وقف اطلاق نار بعد آخر أبرمها كلّها وزير الخارجية الاميركي السابق جون كيري." (“فول مِجور"، 13 شباط/فبراير 2017). هذا اعتراف نادر بمدى غباء المعارضين السوريين في تحليل سياسات اميركا، رغم انّهم لم يكونوا يحتاجون لكثير من التحليل بوجود هذه الصراحة لفورد معهم. اما الان فقد بات الجميع يعلم أن سياسة ترامب الخارجية هي محاولة عكسٍ جذريٍّ لارث اوباما الرهيب فيما يخصّ ايران وان هذا هو السبب الاساسي ان لم يكن الاوحد لحملة "النيويورك تايمز" على ادارة ترامب. وهي ايران التي لم يرد تسميتها في مقالة الحاج صالح بالمناسبة.
في الحقيقة هناك أمور كثيرة تثير الغثيان في سياسات ترامب مثل إعادة العمل بتقنية التعذيب المسمّاة "الايهام بالغرق" مثلًا، وهذه كلها يجب استنكارها. لكن على عكس ما يدّعيه الكاتب، يصعب المحاججة بان سياسة اميركا مع المكسيك او فيما يخص الاجهاض (أو ربّما حقوق المثليين؟) هي من أولوياتنا في هذه المنطقة. بالعكس فمن البديهي القول بان مصلحتنا كعرب، ومنهم السوريين تحديدًا، تكمن في نجاح ترامب في سياسته تجاه ايران. لذلك لا يجب ان نُحاصر أنفسنا بانانيتنا المشوَّهة اصلًا كسوريين او لبنانيين او غير ذلك، بل أن نفكّر في العراق واليمن والخليج وبمصلحة العالم العربي ككلّ. فقد لا يعلم الكثيرون أنّ ترامب قام بمقابلة مع صحيفة "ذي تايمز" البريطانية أدان فيها الحملة الروسية في سوريا قائلًا "كان لدينا فرصة لنفعل شيء لكن لم يحدث ذلك... والان يبدو الامر كما لو ان الاوان فات من اجل ذلك. لكن حلب كانت امرًا شريرًا...اعني عندما تراهم يطلقون النار على المسنّات اللواتي تخرجن للمشي. كان لا يمكنهنّ حتّى ان يمشين. يبدو الامر كما لو انهّن يطلقون النار عليهنّ كمجرّد تمرين رياضي...آه لا، إنّ هذا لوضع رهيب." (15 كانون الثاني/يناير 2017). لذا بدل السخرية من فكرة ترامب بانشاء مناطق حماية للسوريين، وبدل ان نصبح في كورس واحد مع العبادي واوس الخفاجي وحسن نصر الله نصيح "اسلاموفوبيا اسلاموفوبيا"، ربّما يجب علينا كعرب الانتظار والعمل على الاستفادة من قدوم ادارة اميركيّة جديدة من دون ان يعني ذلك تطبيلًا لترامب كما فعل المعارضين السوريين مع اوباما على مدى سنوات.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الرئيس الأمريكي يعلن عن فرض حزمة من العقوبات على روسيا.. كيف


.. التوتر بين أوكرانيا وروسيا: ما الهدف من زيارة زيلينسكي إلى ب


.. فرنسا: شاهد جانبا من زيارة الرئيس الأوكراني وزوجته إلى قصر ا




.. تبون يحذر: -الجزائر ضحية مخططات ومؤامرات-


.. حرب اليمن: يوم دموي عاشته مدينة مأرب