الحوار المتمدن - موبايل


تأخرنا كثيراً هل يمكن إستعادة المجد؟

كامران جرجيس

2017 / 3 / 7
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


تاخرنا كثيرا .....هل يمكن استعادة المجد؟
كامران جرجيس
أطلق حاكم إمارة دبي الشيخ محمد بن راشد دعوة الى "استئناف الحضارة" ، بادرة جميلة، تستحق الاحترام وينبغي ان تؤخذ بمحمل الجد، لاسيما إن المنطقة الاسلامية والعربية على وجه الخصوص تشهد انحداراً ثقافيا ًوحضارياً بالغة الخطورة، الى درجة بات لإنتشار العنف والإحتقان الطائفي والإثني الغلبة على حساب إنتشار ثقافة التسامح والتصالح وقبول الأخر المختلف .
في تعليقه حول أهمية مبادرة حاكم دبي، كتب الدبلوماسي والمثقف السعودي الأستاذ زياد الدريس مقالاً في صحيفة الحياة عنوانه " إستئناف الحضارة من أين نبدأ ؟"
الاجابة على السؤال ليس سهلاً ومن الصعب اللإكتفاء بجواب واحد ومطلق لأن موضوع الحضارة معقد ومتعدد الجوانب، خاصة إذا نظرنا الى إستئناف الحضارة بمعناها الفكري وليس المادي. ويمكن أن يكون لها تفسيرات عدة، تفسير الإسلاميين المتشددين للحضارة وكيفية إستئنافها يختلف كثيراً عن تفسير الليبراليين والعلمانيين العرب والمسلمين. تفسير الجماعة الأولى قائم على التمسك بالماضي والعودة إليه ثم الإصرار على أحادية العرق والدين في إستئناف الحضارة وإقصاء المكونات العرقية والدينية الأخرى ونكران دورهم في تأسيس الحضارات الاسلامية السابقة وإغناءها مثل حضارة بغداد، الأندلس وسمرقند. الأعمال الوحشية التي مارسها تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام بحق الاقليات الدينية والعرقية ودور العبادة والأماكن الأثرية وبحق كل من خالف ويخالف تفسيرهم وفلسفتهم للدولة والحضارة في الموصل هي خير دليل على أن تفسير المتشددين لبناء الدولة والحضارة غير قابل للحياة لانه تفسير إقصائي وتسلطي لايعترف بالتعددية والأختلاف في وجهات النظر. ولايعترف بتطور التاريخ وعقل ورغبات الإنسان.
وتفسير تيار من العلمانيين المتشددين ليس أقل خطورة من تفسير المتشددين الإسلاميين لأنه يقلل من دور الاسلام والمسلمين العرب في بناء الحضارات المذكورة وحضارة الغرب وإغناءها بالعلم والثقافة وفن العمارة. يعيش كلا التفسيران على البعض – المشروع العلماني الغربي المتشدد وغير المدروس المتمثل بالغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، تحت ذريعة محاربة الإرهاب والديكتاورية وفرض الديمقراطية ، ساهم في إثارة مشاعر المسلمين ضد الغرب وفي تنامي ظاهرة الاسلام السياسي المتشدد بإعتباره بديلا عن الاحزاب القومية لمواجهة المشروع الغربي - فيما ساهم إرهاب وعنف (داعش) ومثيلاته في العراق وسوريا وليبيا وموجة تدفق اللاجئين السوريين الى الغرب في زيادة تنامي وشعبية الخطاب الشعوبي القومي في أوروبا وأمريكا ومجىء الرئيس دونالد ترامب الى الحكم هو دليل على ذلك. لايمكن للحضارة أن تسـتأنف على أساس التشدد وإنكار تطور الزمن ورغبات وتوجهات الانسان المختلفة، ولايمكن لها ان تتقدم على أساس تقديم الإسلام والمسلمين كعنصر تهديد ضد الإستقرار والديمقراطية في الغرب ولايمكن للحضارة ان تتقدم عن طريق ارجاع عقارب الساعة الى زمن الدول القومية والتكتلات الدولية كما يسعي اليه الشعوبيون والقوميون في أمريكا واوروبا.
الحضارة يمكن أن تستأنف وتطور على أساس الوسطية والاعتدال في تفسير الامور والتسامح وقبول الاختلاف الثقافي، الديني، والعرقي والمرونة والتكيف والانسجام مع تطور حركة التاريخ ورغبات وتوجهات الانسان المختلفة. تبنى الحضارة على الافكار والرؤى الصحيحة والمنسجمة مع تطور الزمن وعقل البشر.
وتفقد الافكار قدرتها على البقاء إن لم يتم تجديدها برؤى وأفكار جديدة تمكنها من الإستمرار ومواكبة تطور رغبات البشر. فقد الفكر الشيوعي في الاتحاد السوفياتي مصداقيته بعد 70 سنة في الحكم لانه لم يتمكن من تلبي رغبات الناس ومواكبة تطور الزمن وعقل البشر.
إستئناف الحضارة وتطورها يجب أن يخضع لرغبات وتطلعات الانسان لأن الحضارة هي للإنسان وتشييدها لا يتم الا على أكتاف الإنسان والإنسان بغريزته محب للتطور والتجدد.
الحضارات القديمة كالحضارة الاغريقية، الفرعونية، الفارسية والأندلسية وحضارة بغداد وقرطبة وسمرقند كلها كانت نتاج عقل البشر لكن في سياق زمني معين.
تأخرنا كثيرا عن ركوب مسيرة التقدم والعلم والحضارة وإستعادة المجد يحتاج الى زمن طويل وعمل دؤوب من قبل الجميع والإيمان اليقين بهذا المشروع ويحتاج أيضا الى إصلاحات جذرية في البنى الاجتماعية والادارية والسياسية والمؤسسة الدينية في المجتمع. والأهم من ذلك يحتاج إستئناف الحضارة الى إدخال إصلاحات جذرية في النظام التعليمي وتطوير محتوى المناهج وطرق التدريس التي يجب أن تتبع أسلوب التحليل العلمي والمعمق للأشياء وأسلوب المناقشة والحوار البناء بدلاً من أسلوب التلقين والحفظ. يساهم أسلوب التحليل وتبادل الأراء في توسيع مدارك الطالب وفي قبول الرأي الاخر والنقد وفي بناء أجيال جديدة قادرة على إستيعاب التغييرات والمواكبة مع تطور الزمن.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحوار الليبي.. مطبات الوفاق والمصالح الضيقة | #غرفة_الأخبار


.. عناد ماكرون وخارجيته يفاقم غضب المسلمين واتساع حملة مقاطعة ا


.. أردوغان: العداء للإسلام والمسلمين انتشر في المجتمعات الأوروب




.. نشرة المساء | روسيا تدك معسكر فيلق الشام الموالي لتركيا.. وق


.. عالم متخصص في جامعة ستانفورد: مقبلون على أشهر صعبة