الحوار المتمدن - موبايل


التعليم في العراق في اواخر العهد العثماني ، تأملات نقدية

كريم الوائلي
(Karim Alwaili )

2017 / 4 / 5
التربية والتعليم والبحث العلمي


كانت القيم الدينية والمعرفية والاجتماعية تنتقل مشافهة من جيل الى آخر ، ومع تطور الحياة وتعقيدها أُنيط تعليم الاجيال بمعلمين ومدربين ، ومع اختراع الكتابة دخل التعليم أطواره المنظمة والمقننة ، وكان للدين دوره ، فلقد اقترن وجود المدارس بالمعابد ، وبخاصة في حضارة وادي الرافدين ، وكانت المدارس (( في أول عهدها حجرات ملحقة بالمعابد ثم استقلت في بيوت خاصة )) .
ولما كانت الحضارة العربية الاسلامية ترتكز في أصل تكوينها على النص ــ القرآن الكريم ــ فلقد عنيت عناية بالغة بهذا النص كتابة وتفسيرا وتأويلا ، ولذلك كان تعليم الكتابة وتأسيس المدرسة مرتبطا بالنص والجامع معا ، حيث أتاحت الحضارة العربية الاسلامية قدرا من الجدل والحوار داخل الجامع وخارجه ، فتولدت ثقافة ، وتنوعت افكار، وتشكلت فرق .
وبقيت الحال على ماهي عليه مع الدولة العثمانية التي كان التعليم فيها ((يجري على الطريقة الإسلامية في المساجد وفي المدارس )) وكان اهتمام الدولة العثمانية منصباً على النواحي العسكرية والمالية ، أما الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فلم تنل نصيباً يذكر، بل عدتها من اهتمام ومسؤولية مواطنيها ، أفرادا وجماعات
و لم تكن الدولة العثمانية تهتم كثيراً بالتعليم إلاّ في مطلع القرن العشرين حيث (( بدأت بفتح المكاتب في مراكز المدن الكبيرة بخاصة ، إلاّ ان التعليم في هذه المكاتب أو المدارس لم يكن يجري بلغة السكان العربية إنما كان يجري باللغة التركية ، وأغلب المعلمين في هذه المدارس هم من الأتراك )) ( ) ولقد أهملت الدولة العثمانية التعليم في المناطق الريفية ، علماً انّ الأغلبية الساحقة من السكان عام 1905م من الأرياف حيث تبلغ 78%
و لذلك كان التعليم في المدارس امتداداً للمدارس الدينية في العصور الوسطى ، وهو مجرد (( دروس كانت تلقى في الجوامع أو الكتاتيب ( مدارس الصبيان ) المخصصة لتعليم الأطفال )) ، ونظراً لقلة هذه المدارس التي تكاد تنحصر في المراكز الدينية أو مراكز المدن الكبيرة إذ لم يكن في مدينتي البصرة والموصل مدرسة ابتدائية حتى سنة 1899م ، ولم يكن في بغداد الكرخ سوى مدرسة ابتدائية واحدة فلقد اضطر أولياء الأمور أنْ يرتاد أبناؤهم وبناتهم الكتاتيب التي انشئت لتعليم القرآن الكريم والقراءة والكتابة والحساب وعلوم الحديث واللغة ، وتقام في أماكن مجاورة للجوامع أو في المساجد أو في أماكن منفصلة عنها ، وقد تقام في بيت معلم الكتاتيب الذي يطلق عليه الملا ، أو معلمة الكتاتيب للإناث التي يطلق عليها الملاية.
وكان التعليم في الكتاتيب مجانياً ، ولا يتلقى دعماً من الدولة ، غير أنّ أولياء أمور الطلبة يقدمون مساعدات مالية وعينية لمعلمي ومعلمات الكتاتيب ، وليست هناك معايير أو شرائط لمعلمي الكتاتيب ، إذ بإمكان أي شخص قاريء أو حافظ للقرآن الكريم أنْ يتخذ التعليم مهنة أو حرفة للكسب ، وأنْ لم يكن على درجة من القدرة على التدريس وتربية الأطفال .
ولم يتغير شيء في وضع الكتاتيب أيام الدولة العثمانية فهي (( امتداد لاسلوب التعليم القديم اذ كانت تسير ... على نفس النهج وتتبع نفس المنهج الدراسي)) ويرى معروف عبد الغني الرصافي (1875م ــ 1945م) أنّ أمر التعليم كان فوضى (( وكان المعلمون في تلك الكتاتيب في الغالب من أبسط الناس عقلاً وأغلظهم طباعاً )) ، ومن الجدير بالذكر أنّ تعليم الإناث في الكتاتيب كان على نطاق أضيق ، وكانت الكتاتيب للذكور والإناث تتميز باستقلالها ، فهي بعيدة عن (( اشراف ومراقبة المؤسسة الدينية أو أجهزة الدولة الرسمية )) وليس لها عليها (( اشراف ولا سلطان )) .( )
وكان عدد الكتاتيب في سنة 1890م بحدود 287 كُتّاباً موزعة على النحو الآتي : 137 كُتّاباً في بغداد ، و96 كُتّاباً في ولاية الموصل ، و54 كُتّاباً في ولاية البصرة ، وتقدر في آخر العهد العثماني الأخير في العراق بما لا يقل عن 400 كُتّاب .
وأدركت الدولة العثمانية أهمية تنظيم التعليم فأصدرت عام 1869م قانون المعارف الذي يتضمن - فيما يخص بحثنا - تشكيل مجلس للمعارف في الولايات - ويختص بأعمال أهمها :
1- تنفيذ الأوامر والتعليمات الصادرة من وزارة المعارف العثمانية.
2- تدقيق ميزانية مديرية المعارف .
3- تفتيش المدارس والعمل على رفع مستواها.
كما انه يختص أيضاً في اصلاح مدارس الصبيان وانشاء المدارس الجديدة واختيار المعلمين لهذه المدارس ( ) ويكون مدير المعارف رئيساً للمجلس ويساعده معاونان ، ويضم المجلس أعضاء من الأهالي ، وتناط صلاحية تعيين أعضاء المجلس الى الوالي بترشيح من مدير المعارف ( ).
ويورد فاضل مهدي بيات أنّ مجلس معارف ولاية بغداد كان يتكون من : جميل زاده محمد رئيساً ، وعضوية اثني عشر عضواً ، يذكر منهم : مدير الإعدادية العسكرية والملكية ومحاسب المعارف ، ووجهاء البلد مثل : عاكف الألوسي وعلي مرام وحسام الدين الألوسي وعبد الوهاب السنوي وعبد الرحمن جميل زاده.
و ينص القانون على تقسيم التعليم الى ثلاث درجات
1. المرحلة الابتدائية ( مكاتب الصبيان ) مدتها أربع سنوات.
2. المرحلة المتوسطة ( الرشدية ) مدتها ثلاث سنوات.
3. المرحلة الثانوية ( المكاتب الإعدادية ) مدتها اربع سنوات.
و كانت موضوعات الدراسة الابتدائية تشتمل على :-
1- الألف باء.
2- القرآن الكريم.
3- التجويد.
4- علم الحال.
5- تعليم الكتابة.
6- مبادئ الحساب.
7- محضر التاريخ العثماني.
8- محضر الجغرافية.
9- معلومات نافعة.
10- الأشياء والصحة
ومن الجدير بالذكر ان القانون كان ينص على :- مجانية والزامية التعليم الابتدائي ، ويمنع ضرب التلاميذ
وقد أحدث الوالي مدحت باشا (1822م ـ 1884م ) إصلاحات عديدة ، وانشأ مدرستين رشديتين عسكرية ومدنية ، وأظهر اهتماماً بالتعليم المهني ، فانشأ مدرسة للفنون والصنائع في بغداد، غير ان المدارس الابتدائية لم تنل منه اهتماماً جاداً
وكان من اهتمام الوالي ناظم باشا ( 1910م -1911م) انه ترأس مجلسا شكله بنفسه للاشراف على (( ترقي التعليم في بغداد )) وقد ضم المجلس مفتش المعارف ، فضلاً عن عضوية : محمود افندي الكيلاني ومحي الدين بن عبد الرحمن افندي نقيب اشراف بغداد ، ويوسف افندي عطا وعبد الله افندي الحيدري ، ومفتش المكاتب الابتدائية : عبد الكريم افندي ، والمعلم الأول في المدرسة الرشدية في كربلاء محمد افندي والمعلم الأول في ابتدائية الكرخ خلوصي افندي ، والمعلم الأول في ابتدائية الحيدر خانة نوري افندي .
ومن الجدير بالذكر ان السلطات العثمانية لم تلتفت الى أهمية التفتيش الا في عام 1913م ، حين عينت شاكر بك مفتشا للمعارف في ولاية بغداد وعينت عبد الكريم افندي مساعدا له في تفتيش المدارس الابتدائية








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المصور الفوتوغرافي محمد بدارنه وحكاياه المرئية |عندي حكاية


.. فرنسا: نفاذ مخزون لقاح الإنفلونزا الموسمية في عدد من الصيدلي


.. نائب رئيس جمهورية صوماليلاند عبد الرحمن الزيلعي: بناء الإمار




.. البنك الدولي يشيد بالإصلاحات التي طبقتها مصر خلال السنوات ال


.. مراسلنا: الإمارات تتقدم بطلب رسمي لفتح سفارة في إسرائيل