الحوار المتمدن - موبايل


هل يقيم حديث استخراج ذرية آدم من ظهره الحجة على البشر؟ أو أنهم مجبرون على أفعالهم؟

هاشم عبد الرحمن تكروري

2017 / 6 / 4
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


هل يقيم حديث استخراج ذرية آدم من ظهره الحجة على البشر؟ أو أنهم مجبرون على أفعالهم؟
استكمالا لِما بدأناه في مقالنا حول الزمن وهل هو مكتوب مسبقاً، نعالج في هذا المقال جزئية أخرى ليست أقل خطورة من موضوع الزمن المكتوب مسبقاً؛ ألا وهي موضوع أخذ العهد على أبناء آدم وهم ما زالوا في ظهر أبيهم آدم عليه السلام، وقد راجعت الآية والأحاديث التي أشارت إلى الموضوع عدة مرات تبياناً لحقيقة الأمر، فوجدت أن كتب التفسير والحديث تشير إلى صحتها، إذن نحن هنا أمام حدث يجب التوقف أمامه ملياً لتبيان أثره على البشرية جمعاء، وقبل البدء بمناقشته سنراجع بالأسطر التالية صيغة هذا الحديث المروي عن رسول الله محمد صل الله عليه وسلم، فقد ورد بصيغة استخراج ذرية آدم من ظهره بعد خلقه وقسمتهم إلى فريقين:(أهل الجنة وأهل النار)، فقد أخبر عن رسولنا صلى الله عليه وسلم أن الله مسح ظهر آدم بعد خلقه له، واستخرج ذريته من ظهره أمثال الذر، واستخرج منهم أهل الجنة وأهل النار.
فروى مالك والترمذي وأبو داود عن مسلم بن يسار قال: سئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الآية: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنا كُنا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ" (سورة الأعراف؛ الآية: 172)، وقال عمر بن الخطاب: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عنها فقال: إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون،. فقال رجل: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله الله الجنة. وإذا خلق الله العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله الله النار".
وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح إلى ابن عباس قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفه - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قُبُلاً قال: أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنا كُنا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ "، (سورة الأعراف؛ الآية: 172-173)
وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى، فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كَفِّه اليسرى: إلى النار ولا أبالي".
وبيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو: "أنَّ الله - عز وجل - خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول جفَّ القلم على علم الله".
هذه الصيغ المختلفة التي ورد عليها حديث (استخراج ذرية آدم من ظهره) وكلها كما رأينا تدور بفلك أن الإنسان قد أخذ عليه العهد بالإيمان بربه من قبل أن يولد على الصيغة الواردة في الآية التي فسرتها الأحاديث السابقة بطرق مختلفة، والتي سنحاول مناقشتها تباعاً، فاستخراج ذرية آدم؛ الكيف فيها مجهول ولكن الاستخراج كمعنى معلوم، فهل هذا يعني أن الله قد جمع الخلق منذ خلق أبيهم آدم إلى يوم القيامة على صعيد واحد بعد أن إستخرجهم وبث فيهم الحياة وأوصلهم سن الحلم الذي يحاسب به المرء على عمله وقال لهم ألست بربكم؟ فأجابوا على الفطرة شاهدين على أنفسهم؛ بلا أنت ربنا ، فهنا الإجابة وأخذ العهد لا يكون إلا على عاقل بالغ ولا يكون على ما هو دون ذلك، أم أن الاستخراج كان معنوياً بمخاطبة الروح -بصفتها أرواح مبثوثة يعود أصلها إلى ما نبتت منه-؟ التي بثت فيهم فيما بعد على اعتبار أن الروح هي الإنسان الفعلي، وهذا يأخذنا اتجاه أن الروح قد وجدت قبل وجود مطيتها (الإنسان) بزمن طويل؛ ونرى هنا وفي هذه الحالة أن الأمر منتهي قبل بدئه، فالإنسان -بهذه الصفة- عالم علماً ضمنياً بخلق الله عزوجل له وأنه مؤمن بتبعيته تلك للخالق وأنه من أهل الجنة أو أهل النار، وقد يكون في حديث ولادة الإنسان على الفطرة ما يدعم ما يدور هنا بأن الإنسان كُلف بعبادة ربه منذ بدء الخلق وهو:" ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء"، (حديث صحيح في بخاري ومسلم)، فنرى هنا أن الحديث يأخذ قضية التعامل مع الإنسان على أنه صاحب علم مسبق بوجود خالقة وأن من يقوم بتغيير وتبديل اعتقاده الفطري أبويه الذين أصاب فكرهما بعد مخابرة الحياة الفعلية التغيير والتبديل على الرغم من أن التغيير والتبديل جزء منه هنا عائد إلى نفس المصدر أي الديانات السماوية الأخرى (اليهودية والمسيحية) أو الديانة الوضعية ( المجوسية)، ومع هذا الافتراض الجديد نصبح أمام معضلة أخرى تتعارض مع قضية أخذ العهد، أليس اليهودية والمسيحية والمجوسية أقدم عهداً من الإسلام وعهده، بمعنى آخر قبل ورود هذه الآية والأحاديث المفسرة لها، فتبديل الإنسان وتغييره إلى اليهودية أو المسيحية هو كالقول المأثور:" هرب من قدر الله إلى قدر الله" فالتغيير والتبديل جاء ليدعم ما فطر عليه المرء؛ أو ليس تلك الديانات في ذلك العهد كانت صحيحة ومن عند الله؟ باستثناء المجوسية التي وردت بالإضافة للديانتين السماويتين، على الرغم من اعتقادي بأن تلك الديانات وردت على سبيل المثل لا الحصر، وفي فلسفة ابن طفيل خاصة رائعته "حي بن يقظان" دعماً آخر لفرضية الفطرية الواردة في الأحاديث السابقة، فهذا طفل ربته ظبية وماتت فيما بعد؛ وبدء برحلة البحث عن مستند برهاني يريح به عقله ليفسر ما يحيط به من حيوات وحركات وأفعال فلجأ إلى تشريح الظبية باحثاً عن الحياة بداخلها وبعد ذلك استأنف البحث في البيئة المحيطة به إلى أن قبل عقله بحقيقة وجود خالق أو محرك يدير هذا العالم من حوله، ومع روعة هذه القصة التي فتنت فيها طفلاً وتفكرّت بها كهلاً؛ إلاّ أنها لا تدعم فكرة أخذ العهد على الإنسان قبل الخلق، فهو قد اهتدى إلى ربه بعد مخابرة الحياة له واعتراكه بها ردحاً من الزمن بالإضافة لعدم وجود والدين ليقوما بتغيير فطرته إلا أن البيئة المحيطة لعبت هذا الدور، فهو لم يهتدي إلى ربه إلا بعد أن اختبر الأدلة السببية لها، وهو ما يرتاح له العقل برد السبب إلى مُسبب، وعودة بعد هذا الاستطراد الذي أوجبته الفكرة إلى موضوع اخذ العهد، فهل من الممكن أننا أمام عقل جمعي تمثل بدب الفكرة أو المعلومة بذهن آدم وتناقلتها الأجيال بعده جيلاً عن جيل؟ ولكننا هنا نجد تعارض مع فكرة إخراج الذرية بمجملها من ظهر آدم وأخذ العهد عليها مجتمعين وليسوا فرادى على مرِّ الزمن.
ونصل إلى فكرة أخرى وهي مشابهة لما ناقشناه بمقال الزمن المكتوب مسبقاً والمتمثلة بظهور النتيجة قبل عقد الامتحان، وهو أن مصير الإنسان قد حدد مُسبقاً فأهل للجنة ؛للجنة مع تزويدهم بخطة عمل تؤهلهم للوصول إليها، وأهل النار؛ للنار مع خطة مماثلة تذهب بهم إلى الجحيم، وهنا نصبح أمام معضلة أخرى، ففي المقال السابق افترضنا أن علم الله عزوجل كاشف وليس مُجبر، وهنا نستدل من الحديث أن الأمر أصبح قدري وجبري، فما الحل أمام هكذا تصور؟
فجبرية النتيجة لا تكون إلا بجبرية الطريق التي تم السير عليها، ولكني قد أجد مندوحة لي بالآيات القرآنية:" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" (سورة الإنسان؛ الآية:3) و " وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ" (سورة البلد؛ الآية 10)، ولكن مع الراحة المؤقتة التي يعيشها العقل مع هاتين الآيتين إلا أن الأمر سرعان ما يعود للتصارع مجدداً بين العقل والنص بين مبدأ الحرية ومبدأ الجبرية والقدرية، فما الحل؟ فالصورة العامة تعكس أمرين؛ ظاهر الأديان والعقائد لا يقبل بهما فكيف يؤخذ عهداً على من لا رشد وحلم له؟، وكيف يصدر الحكم على من أجبر على عمل ليس بيده حيلة على إتيانه من عدمه؟
أيضا موضوع جف قلم علم الله على ذلك بإحدى صيغ الحديث، إلى أين يذهب بنا سوى إلى جبرية مطلقة بحال قبولنا نص الحديث على ظاهره؟ وإضافة أخرى لفتت انتباهي إلا وهي قضية الألوان والإلباس الجبري لها فالابيض دال على الخير والأسود على الجنة، أليس بهذا ظلم حتى للألوان؟ وقد رأينا ان قضية اللون والعرق فيما بعد اصبحت قضية من اخطر القضايا التي قام بها التمييز العنصري بين البشر؟ وحتى النساء عندما توصف بالجمال الجسدي لم نجد من يصف إلاّ البيضاء بوصف الجمال على الرغم من أن اصحاب البشرة السمراء لسن اقل جمالا وجاذبية من ذوات البشرة البيضاء؟
هنا يعيدنا الحديث ونعيد أنفسنا إلى المربع الأول منه بما فسرناه تفسيراً إحلالي لنخرج من معضلة الجبرية والقدرية، وإلا لما كان هناك معنى لمتابعة قصة كتبت نهايتها كمقدمة لها.










التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجمهورية التشيكية تطرد 18 دبلوماسيا روسيا تتهمهم بالتجسس وا


.. أطباء المعارض الروسي نافالني يخشون من إصابته بسكتة قلبية -في


.. موسكو تطرد القنصل الأوكراني في سان بطرسبورغ روسيا




.. المغرب.. الإغلاق الليلي يٌغيب عادات وتقاليد رمضانية


.. الرئيس الفرنسي: يجب وضع خطوط حمراء للتعامل مع الرئيس الروسي