الحوار المتمدن - موبايل


البندقية؛ رومانسية الزمن الجميل...

هاشم عبد الرحمن تكروري

2017 / 6 / 18
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


البندقية؛ رومانسية الزمن الجميـــل...
...كان أول عهدي بها قصص الفتيان والناشئة، التي كنت أحرص على استئجارها بجزء من مصروف الجيب الذي كان يمنحني إياه أبي عند ذهابي إلى المدرسة، فكنت أخذها ليوم أو يومين وأعيدها مجدداً لبائع الصحف والمجلات في حارتي، وكان يتفهم ذلك ويقابلني مسروراً، عندما يراني كل يوم، فعلى الرغم من فقره وتواضع حاله إلا أنه كان يقدم لي كل قصة أو مجلة جديدة حتى لو كان هناك شخص على استعداد لشرائها فكان يطلب مني قراءتها أولاً وإعادتها له مجدداً، ومن هذه القصص "تختخ" وأصدقائه، ومجلة العربي، وملف المستقبل، ورجل مستحيل، ومجموعة القصص الخضراء وغيرها، ومن هنا وقع الغرام مع البندقية، ففي إحدى تلك المغامرات أدار المؤلف حبكة روايته في زقاق تلك المدينة الساحرة، ولم يكن عمري حينها يتجاوز السبع أعوام، وقد زُينت تلك الرواية برسوم جميلة لجسر التنهدات وغيره من المناطق، فأصابت تلك المدينة عين قلبي وأصبحت ضيفة دائمة على خيالي المتوقد، وصرت أبحث عن كل مرجع وكتاب قد يضيف لمعلوماتي ولو الشيء النزير عنها، فلم يكن في ذلك الزمان شبكة انترنت أو كتب الكترونية، فكانت مصادر المعرفة تقتصر على المكتبة المحلية في المدينة وبعض البرامج الثقافية والعلمية التي كانت تأتينا عبر القناة الوحيدة في ذلك الوقت "التلفزيون الأردني" ففلسطين لم يكن بها أي تواجد للقنوات التلفزيونية والاذاعية، لذا لجأت إلى المكتبة المحلية لأحصل على بعض المعلومات عن تلك المدينة الجميلة، وقمت بإعداد موضوع إنشائي عنها لا زلت أذكرها بعد أن بلغت مرحلة الكهولة، وفيما بعد قدمته لمدرس اللغة العربية الذي نال استحسانه وحَضَني على المزيد، وكبرت وما زال شغفي بها كأول مرة علمت عنها، كأنها محبوبة سكنت في نفس الحبيب، ولا زلت أمني النفس بزيارتها، لكن حالي ينطبق عليه شعري:" نفسي ترنو إلى بلاد الله والجيب معطوب من الفلس"، آمل من الله الشفاء لجيبي ولحالي في بلدي؛ لأتمكن من لقاء محبوبتي يوماً ما، وحتى ذلك الحين تعالوا معي بجولة تاريخية؛ وجغرافية؛ وثقافية ، في ربوع البندقية "ڤينيسيا"...
كان اسم فينسيا يستخدم في بداية الأمر للإشارة إلى جميع أراضي الإقليم قبل فترة الحكم الروماني، ويظهر ذلك في التقسيم الإداري الأغسطسي بإيطاليا في القرن السابع بعد الميلاد، حيث كانت تشكل هي وشبه جزيرة استريا جزءاً من إقليم ريجو، وقد أستمر استخدام الاسم تحت الحكم البيزنطي الذي كان يطلق عليها اسم "فينيتيكا" أو باللاتيني "فينيتيا البحرية"، وبعد ذلك أطلق الاسم على دوق البندقية، وأخيراً تم إطلاق الاسم على عاصمتها، ومن الملاحظ أن المركز التاريخي للمدينة وحد في فترة متأخرة، وقد ظهر اسم الإقليم في الوثائق القديمة بصيغة المفرد، لكن عند الإشارة إلى المدينة يلزم اسم الجمع.
وتقسم المدينة إدارياً إلى ست بلديات، ويقع المركز التاريخي وسط بحيرة تحمل نفس الاسم بإجماليي 118 جزيرة متصلة ببعضها البعض بأكوام من الخشب، حيث سمحت هذه الجزر بوجود حياة حضرية في هذه المدينة، وبعض هذه الجزر مرتبطة فيما بينها في حين أن البعض الآخر بعيد عن بعضه البعض، وتبلغ مساحة المركز التاريخي نحو 797.96 هكتار، الأمر الذي يجعل البندقية أحد أكبر المراكز التاريخية في إيطاليا وأوروبا، وتتوزع المدينة إلى ست مناطق هي: سان ماركو؛ وسان باولو؛ وسانتا كروتشه؛ ودورسودورو؛ وكاستيلو؛ وكانيراجو، وتقع الأحياء القديمة الست على طول القناة العظمى، والتي تعد الطريق المائي الرئيسي؛ حيث يتفرع منها ما يقرب من 158 قناة مائية صغيرة، وتوجد عدة جزر في المركز في منطقة البحيرة (بعضها غير مأهول بالسكان)، نذكر منها: زيرتي مورانو وبورانو المشهورتين بصناعة الزجاج والتطريز وجزيرة تورشيللو وسانت أرازمو وجزيرة باللسترينا وجزيرة الليدو التي تتميز بطولها والتي تحتوي على مُنتجعات صيفية، ويوجد في منطقة اليابسة مركزان كبيران وهما: مدينة ميستري؛ وحي مرجيرا، علاوة على جزر صغيرة جداً، وتحوي المنطقة اليابسة ثُلثا سُكان المدينة، ونشأت مدينة البندقية عام 800 قبل الميلاد في بيئة نهرية تنتشر بها المستنقعات، ويعتقد أنه كان هناك تجمعات بشرية منذ عصور ما قبل التاريخ نظراً لغناها بالثروات، فقد كانت المدينة قائمة على الصيد البري والبحري، وكانت الحضارة في عصر ما قبل الحضارة الرومانية -أي في عهد الفينيقيين القدماء- راسخة بشكل جيد في منطقة شعبها قائم على صيد الأسماك وإنتاج الملح والنقل البحري وأنشطة أخرى ذات صلة بالتجارة، كما كانت المدينة مركزا للاتصال التجاري الذي يربط المدينة بوسط وشمال أوروبا، ففي هذه الفترة تطورت بعض المستعمرات، وقد عزز قدوم الرومان هذا الموقع؛ كما عززها أيضا نظام الموانئ، في حين أن المناطق النائية قد تم استصلاحها، وأصبحت المدينة أول مستعمرة في منطقة ريالتو وذلك في يوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر عام 402 م؛ وبمباركة من كنيسة سان جاكوميتوا التي تقع على ضفاف القناة العظمى، وقد فر السكان منها في أعقاب موجات مختلفة من غزوات البربر التي كانت تتم في القرن الخامس من قبل الهون عام 452؛ ومن اللومبارديين عام 568م، وقد اتحدت المدينة مرة ثانية مع إيطاليا عام 554م تحت قيادة الإمبراطور أغسطس، وعاد اللومبارديين من جديد لغزو المدينة في العام 568م، وقد فقد البيزنطيون أجزاء كبيرة من المدينة بسبب هذا الغزو، واحتفظوا فقط بالشريط الساحلي منها، في هذا الوقت أصبح اسم فينيسيا الذي كان يشير إلى جميع أنحاء المدينة فقط إلى منطقة البحيرة، وفي العام 697م نشأت " البندقية" كدولة مستقلة على يد الحاكم البيزنطي "لرافينا"، وكانت عاصمتها "إراكليانا" ثم "ماتيماوكو"، وفي أعقاب محاولة غزوها على يد شارلمان أصبحت "ريالتو " عام 821م عاصمة "دوق فينيسيا" ثم أصبح اسم الإقليم والدولة فينيسيا، وأدى التقارب مع الإمبراطورية الفرنسية والعلاقات المتميزة مع الشرق البيزنطي والقسطنطينية إلى جعل المدينة واحدة من البوابات الرئيسة للتبادل بين الشرق والغرب، كما سمح بنمو الطبقة التي تعمل بالتجارة والتي حولها على مدار أربعة قرون من مستعمرة بعيدة إلى سيدة البحر، وأصبحت المدينة واحدة من "الجمهوريات البحرية" وكان يطلق على رئيس حكومتها لقب دوق، وسيطرت فينيسيا في القرن الثالث عشر على جزء كبير من ساحل البحر الأدرياتيكي وعلى أقاليم دالماتسيا وأستريا وكثير من جزر إيجو وكريتا وتشيبرو، وكورفو، وكانت أهم قوة عسكرية بين القوى التجارية الرئيسة في الشرق الأوسط، كما امتدت أراضي الجمهورية في القرن الخامس عشر لتشمل نهر أدا بأوستريا وجزء من إقليم بيلونو، الذي يقع في بولوزينا، بدأت المدينة "الدولة" في التراجع من بداية القرن الخامس عشر؛ بسبب أحداث تاريخية منها زيادة قوة العثمانيين؛ وانتقال التجارة نحو الأمريكيتين، الأمر الذي أدى إلى ضرب هيمنة المدينة بحرياً بشدة والذي أنهى مصالحها الاقتصادية، وفي السابع من شهر نوفمبر عام 1866 أدى دخول فيكتور إيمانويل الثاني إلى تحويل المدينة لأحد أروع المدن في أوروبا، وجعل لها تأثيرا قويا في الفن والعمارة والأدب، وفى الثاني عشر من شهر مايو عام 1797أضطر الدوق لودوفيكو مانيني والمجلس النيابي برئاسة نابليون إلى التنازل عن العرش لإعلان "حكومة طارئة لبلدية البندقية وتم إلغاء بلدية فينيسيا و في السابع عشر من شهر أكتوبر عام 1797م تم التنازل للنمسا عن فينيتو؛ وأوستريا؛ ودالماسيا؛ وثغور كاتتارو، التي كونت مقاطعة فينيتو بالإمبراطورية النمساوية البلغارية، وبعودتها إلى الفرنسيين كانت تابعة للنمسا حتى توحيد إيطاليا، وفي عام 1848م شاركت المدينة بشكل نشط في الحركات الثورية، وأصبحت المدينة لفترة قليلة مستقلة مع جمهورية سان ماركو المؤسساتية، وبعد عام من الحصار من قبل النمساويين اضطرت المدينة للاستسلام في 22 أغسطس عام 1849م، وفي العام 1866م أصبحت جزءً من مملكة إيطاليا وقد تم التصديق على الانضمام في 21 أكتوبر عام 1866م، وفي العام 1883 انضمت إلى فينيسيا مقاطعة مالاموكو والتي تضم جميع أراضي جزر الليدو بفينيسيا، وفي 24 شهر مايو من العام 1915م دخلت إيطاليا في الحرب العالمية الأولى جنبا إلى جنب مع قوات التحالف، حيث وجدت فينيسيا نفسها بسبب قربها من جبهة القتال تعاني من من الهجمات الجوية من قبل النمسا وبلغاريا والتي سببت أضرارا جسيمة بالمدينة، وفي العام 1917م تم دمج منطقة مارجيرا مع مدينة فينيسيا، وشهدت المدينة في العشرينات زيادة ملحوظة في أراضيها بفضل ضم مجموعة من البلدات لها، وفي العام 1933م تم تشييد جسر بري بين فينيسيا والمنطقة اليابسة، وبالتوازي مع هذا التوسع شهدت المدينة هجرة من معظم سكان المنطقة التاريخية إلى المناطق الجديدة، طلبا للتوسع والعمل.
وتقع أهم المناطق الأثرية في المدينة القديمة وفى جزر البحيرة، أمّا بالنسبة إلى الجزء اليابس فهو خالٍ من الأماكن الهامة، وأشهر هذه الآثار ميدان سان ماركو؛ وهو الوحيد الذي يوجد في وسط المدينة، وكنيسة سان ماركو، وهناك قصر دوكالة بجانب الكنيسة ويربطهما بوابة تسمى كارتا والتي قام بتصميمها المهندس والنحات بارتولوموميو بونو وهي الآن بوابة الخروج من القصر، وتوجد أمام قصر دوكالة أجراس كنيسة سان ماركو التي شيدت عام 1173م كمنارة للبحارة، وتم ترميمها في القرن الخامس عشر من قبل المهندس والنحات بارتولوموميو بونو، ومن الأثار الهامة في فينسيا دار الصناعة وكنيسة سانتا ماريا دي سالوته وكنيسة سانتا ماريا جلوريوزا دي فيراري ومعبد اليهود، وتشتهر المدينة بالمقاهي التاريخية التي ترجع إلى العصر العثماني، ولدى فينسيا أكثر من 400 جسر ما بين جسور عامة وخاصة حيث تربط المائة وثمانية عشر جزيرة المشيدة عليهم المدينة، وذلك من خلال مائة وست وسبعين قناة مائية، ومعظم هذه الجسور مبنية من الحجارة ومواد أخرى مثل الخشب والحديد، وأطول هذه الجسور هو جسر الحرية الذي يعبر البحيرة ويربط المدينة بالمنطقة اليابسة، وتعتبر القناة الرئيسة التي تقطع المدينة هي القناة العظمى وذلك من خلال أربعة جسور، وأقدم الجسور هو جسر ريالتو -شيد تقريبا في القرن السادس عشر- وجسر الأكاديمية وجسر سكالسي، وهناك قصر كوستيتيسيونة وجسر ريالتو الذي شيد على يد أنطونيو دا بونته عام 1591م، حيث كان السبيل الوحيد لعبور القناة العظمى سيراً على الأقدام، وعلى جانبي القناة توجد محلات فاخرة، وفى نهاية الجسر في الحي السداسي بسان ماركو توجد محلات السمك الطازج والمميز، وكنيسة سان جاكومو دى ريالتو، ولا ننسى أحد الجسور المشهورة؛ وهو جسر التنهدات المصنوع من الحجارة في القرن السابع عشر على يد المهندس أنطونيو كونتين، الذي يربط قصر دوكالة بالسجون الجديدة.
وتشتهر البندقية بمجموعة من المكتبات مثل مكتبة مارشانا القومية أكبر مكتبة بالمدينة وأحد أكبر المكتبات الإيطالية، وتقع في ميدان سان ماركو وتضم حوالي مليون مجلد متخصصة في فقه اللغة القديمة وفي التاريخ؛ كما تحتوى على أروع المخطوطات اليونانية واللاتينية والشرقية في العالم، ويضمها قصر شيد على يد المهندس جاكوبو سانفينو، وقد تأسست رسمياً 1560م، وفي القرن الرابع عشر أسس فرانشيسكو بيترراركا مكتبة حاول مجاراة مكتبة مارشانا فيها، ويوجد أيضاً في دير فراري أرشيف دولة فينيسيا؛ والذي يحتوي وثائق تعود لألف عام، أي منذ نشأة دولة فينيسيا حتى القرن العشرين، وتحتوي المكتبة على مجموعة غنية من الجلود والأوراق والتصميمات المحفوظة في مئات الغرف والموضوعة حول الأديرة والتي تشهد ليس فقط تاريخ المدينة بل تاريخ العالم بأسره الذي كان لديه علاقات تجارية ودبلوماسية مع المدينة، ويوجد أيضاً مكتبة لافونداتسيونه كويريني ستامبيلا التي تقع في ساحة سانتا ماريا فورموزا ومقرها قصر كويريني ستامبيلا التي تحتوي على كتب علمية وفنية ثمينة ونادرة، تقدر بــ300 ألف مجلد، وهناك المكتبة الأرشيفية وهي مكتبة " ريناتو مايسترو" التي تقع في الحي اليهودي؛ وأنشئت هذه المكتبة رسميا عام 1981م؛ وتقدم اليوم ما يقرب من عشرة ألاف عنواناً لكتب يهودية قديمة مفهرسة وتحتوي على 2500 مجلد تعود للقرنين الثامن والتاسع عشر، وفي العام 1980م شيدت مكتبة ميستري كمكتبة مركزية وهى تضم 106.700ألف وثيقة مفهرسة، هذه هي بعض مكتبات البندقية المشهورة بالإضافة لغيرها الأقل شهرة منها، وإذا عرجنا على الجامعات فالبندقية تعتبر مقرا ًهاماً لعدد منها مثل: جامعة كافوسكاري التي تقدم كورسات في الاقتصاد والتجارة اللغات، والأدب الأجنبي، والفلسفة والعلوم الطبيعية، وجامعة ايوافا كثاني صرح تعليمي في إيطاليا لتدريس فن العمارة بعد جامعة روما وهناك أكاديمية الفنون الجميلة وجامعة فينيسيا الدولية وهي جامعة دولية للبحث يشارك بها جامعات أخرى كجامعات: لودوينج ماكسيمم دي موناكو وأوتونوما ببرشلونة.
وتستضيف البندقية عدد كبير من الأحداث والاحتفالات ذات القيمة العالمية. ففي مجال الثقافة هناك " بينال فينيسيا" الذي تأسس عام 1895م الذي يضم العديد من المعارض المختلفة حيث ينقسم إلى قطاعات من بينها: المعرض الفني الدولي -في جميع السنوات الفردية-، والمعرض الدولي للعمارة -كل سنة-، والمعرض الدولي للفن السينمائي -الذي يعقد سنويا- وكرنفال فينيسيا الذي يقام من اليوم الثالث عشر من صوم الأربعين حتى اليوم الذي يسبق أربعاء الرماد، وهناك سباق الجمهوريات البحرية القديمة -ويعقد كل أربع سنوات-، ومن بين المعارض الهامة يوجد صالون القوارب الدولي الذي يتم في فصل الربيع. وأمّا الصناعة في المدينة فتقوم على المواد البتروكيماوية بميناء مارجيرا وصناعة الزجاج والكريستال والمنسوجات والدانتيل، ...هذا غيض من فيض فينيسيا التي آمل زيارتها يوماً ما...








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إدانة الشرطي ديريك شوفين بتهمة قتل جورج فلويد


.. تشاد.. انتخابات وتمرّد ومعارك واغتيال | #غرفة_الأخبار


.. مصر وليبيا.. المدبولي في طرابلس والهدف التعاون بين البلدين |




.. صحفية فرنسية مهددة بالقتل بسبب ارتدائها للحجاب


.. ما وراء الخبر - تشاد.. ماذا بعد مقتل الرئيس ديبي؟