الحوار المتمدن - موبايل


شكرا يا دكتور هلمت كول لانك فضلت الجسور على الحدود

كامران جرجيس

2017 / 7 / 27
مواضيع وابحاث سياسية



في عام 1944 كانت طائرات دول الحلفاء تقصف مدينة لودفيغشهالن مسقط رأس مستشار ألمانيا الراحل (هلمت كول 1930- 2017 (الذي لم يتجاوز عمره انذاك 14 عام. تولد لدى الصبي كول، وهو يرى الدمار الذي يلحق بمدينته، شغف شديد بدراسة التأريخ من دون أن يعلم بأنه سيأتي يوم يقوم فيه بنفسه بصنع التأريخ وتغيير مساره.
ساهمت التداعيات الكارثية لحرب العالمية الثانية في تكوين شخصية كول السياسية ورؤواه للمستقبل. كان شديد القناعة بأن توحيد وإندماج أوروبا هو الضمان الوحيد لترسيخ السلام والإستقرار في القارة العجوزة وتجنبها الحروب العرقية والقومية. كان شديد الإعجاب بحنكة وشخصية ( اوتو فون بسمارك 1815-1898) رئيس وزراء بروسيا الذي إستطاع أن يوحد ألمانيا لأول مرة في 1871. إنضم كول الى شبيبة الحزب الديمقراطي المسيحي في 1946، ودرس مادة التأريخ في جامعة هايدلبيرغ العريقة ونال فيها درجة الدكتوراه. بعد تخرجه من الجامعة، عمل لعدة سنوات في قطاع المال والأعمال. ولأن السياسية كانت داخلة في عروقه، قرر كول إمتهانها أملاً أن يصبح يوماً رجل دولة ويمشي على خطى بسمارك. أصبح كول رئيسا لكتلة الحزب الديمقراطي المسيحي في البرلمان ثم مستشاراً لألمانيا الغربية خلفاً للإشتراكي هلمت شميت الذي شجب عنه البرلمان الثقة. أسوة ببسمارك أتقن كول فن السياسة وإستخدام الدبلوماسية لبناء الجسور مع الخصوم قبل الأصدقاء ولحجز مقعد لألمانيا في خارطة التوازنات الجديدة في أوروبا.
أسس كول جسراً نحو الغرب بعد أن مد يده الى فرانسوا ميتران وشكلا معا المحور الألماني – الفرنسي الذي لعب لاحقاً في تهيئة الأجواء والمناخ لولادة مشروع الوحدة الأوروبية.
أتقن كول قراءة أوضاع العالم وأوروبا في منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم، وبات لديه قناعة بان كتلة دول أوروبا الشرقية تعاني من الترهل والنزيف الداخلي وأن إمبراطورية الاتحاد السوفياتي بعد مغامراتها العسكرية الخارجية الباهضة لايمكنها ان تصمد بوجه التقدم الاقتصادي والعلمي للغرب.
قرر توظيف الدبلوماسية لبناء العلاقات والجسور نحو الشرق، لكنه أدرك بان المهمة لايمكن أن تتحقق من دون إجتياز جدار برلين. وخلال زيارته الى بولندا قبيل إنهيار الجدار، أُخبر كول بأن ثقباً ما حدث في الجدار – توجه الى موسكو للتحدث الى غورباتشوف حول الثقب، تمكن من إقناع الزعيم السوفياتي بسحب القطعات العسكرية الروسية من ألمانيا الشرقية بعد أن شاور أيضا الملف مع حلفائه الغربيين. على يد كول أنهار جدار برلين في نوفمبر 1989 الذي مهد الطريق الى تفكك المعسكر الشرقي والإتحاد السوفياتي لاحقاً. وعلى يد هلمت كول توحدت ألمانيا من جديد في 3 اكتوبر 1990 و(تحقق حلم بسمارك مرتين).
لعب كول دوراً جدياً في إخماد نار الحرب الإثنية في يوغسلافيا السابقة 1992-1995 من خلال دعم جهود قوات الأمم المتحدة وإتفاقية دايتون لإحلال السلام في يوغسلافيا لإنه لم ينسى أن شرارة الحرب العالمية الاولى إنطلقت من هذا الجزء الحساس في أوروبا، وأن أخطر تهديد بوجه توحيد أوروبا هو أحياء الصراعات القومية والاثنية. خسر كول لقب المستشار لصالح الاشتراكي غيرهارد شرويدر في 1998، لكنه مُنح لقب "المواطن الاوروبي". وأعتزل السياسة في 2000، بعد أن تلمذت على يديه المستشارة الحالية انغيلا ميركل الغنية عن التعريف.
رحل كول الى مثواه الاخير في 19 حزيران من العام الحالي 2017 عن عمر ناهز 87 سنة، بعد ان أقعده المرض على كرسي متحرك لفترة طويلة وهو يتابع أحوال هذا العالم المضطرب والمنقسم الذي هو بأمس الحاجة الى شخصيات سياسية بقامة هلمت كول يمتلكون الحنكة والقدرة على فهم وقراءة التأريخ وبناء الجسور.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحوار الليبي.. مطبات الوفاق والمصالح الضيقة | #غرفة_الأخبار


.. عناد ماكرون وخارجيته يفاقم غضب المسلمين واتساع حملة مقاطعة ا


.. أردوغان: العداء للإسلام والمسلمين انتشر في المجتمعات الأوروب




.. نشرة المساء | روسيا تدك معسكر فيلق الشام الموالي لتركيا.. وق


.. عالم متخصص في جامعة ستانفورد: مقبلون على أشهر صعبة