الحوار المتمدن - موبايل


هل تعكس الرياضيات الواقع؟ - الجزء الرابع: حساب التفاضل والتكامل.

علي عامر

2017 / 10 / 26
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع




المصدر: كتاب Reason and Revolt

عنوان فصل الكتاب باللغة الإنجليزية:
Does Mathematics Reflect Reality?- Part Four: Order Out of Chaos

تأليف: تد غرانت وآلان وود.

عام النشر: 1995
-----------------------------------------------------------------------------------------

{التفاضل والتكامل}

جزءٌ كبيرٌ مما يسمّى مسلّمات الرياضيّات الإغريقية الكلاسيكية, قوّضت باكتشاف حساب التفاضل والتكامل, أعظم اكتشاف رياضي منذ العصور الوسطى. من مسلّمات علم الهندسة (الجيومتري) أنّ الخط المستقيم والمنحني نقيضين, وكلاهما غير قابل للقياس, وأنّه لا يمكن التعبير عن أحدهما بدلالة الآخر. إلّا أنّه في التحليل الأخير, فإنّ حساب التفاضل ينظر إلى المنحني والمستقيم على أنّهما متعادلان. كما أشار إنجلس, فإنّ أسس هذه الفكرة, وضعت قبل أنّ أعرب عنها لايبنز ونيوتن بوقتٍ طويلٍ: "شكّلت المقادير المتغيّرة الديكارتية نقطة تحوّل نوعية في الرياضيات, من خلالها ولج الديالكتيك والحركة في الرياضيات, وبالضرورة, دخلت أيضاً حسابات التفاضل والتكامل, التي بدأت مباشرة مع اكشتاف ديكارت للمقادير المتغيّرة, وأتمّها نيوتن ولايبنز, أي أنّهما لم يكتشفاها بدايةً."
اكتساف حساب التفاضل والتكامل, فتح آفاقاً جديدة كليّاً أمام الرياضيات والعلم بشكلٍ عام. مجّرد أن هُجرت المحرّمات والممنوعات القديمة, امتلك علماء الرياضيات الحريّة لاكشتاف مناطق جديدة. إلّا أنّهم استخدموا الأرقام اللامتناهية في الكبر أو الصغر بدون نقد وفحص, وبدون إعتبار لتطبيقاتها المنطقية والمفاهيمية. استخدام الكميّات اللامتناهية في الصغر والكبر اعتبر لونٌ من ألوان "الخيال المفيد," ولسببٍ غير واضحٍ, لطالما أعطت تلك الاستخدامات نتائج سليمة. في فصل الكم, في المجلّد الأول, من علم المنطق, يشير هيجل, أنّه رغم أنّ الرياضيات اللامتناهية فتحت آفاقاً جديدة, وقادت لنتائج مهمة, إلّا أنّها ماتزال غير مفسّرة, لأنّها تصطدم بالتقاليد والطرق الموجودة سابقاً:
"في صلب طريقة رياضيات اللانهايات الرياضية, يكمن تناقضٌ جذريٌّ في نفس طريقتها المميزة في ذاتها, والتي ترتكز عليها كعلم. ففي حين يتوجب على الرياضيات –في تعاملها مع اللانهائي- رفض مطالب وأنماط العمليّات المجراة على المتناهي رفضاً كليّاً, إلّا أنّها تعامل تلك المقادير اللانهائية ككموم نهائية, ساعية لتتطبق على اللانهائي ما ينطبق على المتناهي."

النتيجة كانت جدالاً طويلة في اعتماد صلاحية التفاضل والتكامل. فبيركلي أنكر التفاضل والتكامل من حيث تناقضه العريض مع قوانين المنطق. نيوتن, الذي استخدم الطريقة الجديدة في مؤلفه "المبادئ", اضطر إلى إخفاء الحقيقة عن العامة, خوفاً من رد فعلهم. في بواكير القرن الثامن عشر, تحلّى بيرنارد فونتينيل لأوّل مرّة بالشجاعة المطلوبة ليصرّح قطعاً أنّه بقدر ما أنّ الأعداد الطبيعية لانهاية لها, يوجد العدد اللانهائي, ووجوده حقيقي كما وجود العدد الطبيعي تماماً, وأنّ نقيض اللانهائي هو اللامتناهي الصغر. إلّا أنّ جورج دي بوفون عارض فونتينيل, حين رفض اللانهائي باعتباره وهم. حتى ذكاء د’أليمبيرت D’Alembert العظيم, لم يتمكن من قبول تلك الفكرة. ففي مقاله عن التفاضل في موسوعته, أنكر وجود اللانهائي, باستثناء المعنى السلبي للنهاية الرياضية للكميات المتناهية.
مفهوم "النهاية" في الرياضيات, تم تطويره بدايةً كمحاولة للإلتفاف على التناقض الجوهري في اللانهائي. هذا كان شائعاً خصوصاً في القرن التاسع عشر, حين كفّت الرياضيات عن التسليم بعلم التفاضل والتكامل ببساطة وبدون تفكير, على عكس ما اعتاده الجيل السابق. يفترض حساب التفاضل وجود مقادير لامتناهية في الصغر من درجات متفاوتة- المشتقة الأولى, المشتقة الثانية, وهكذا إلى مالانهاية. مع تطوير مفهوم "النهاية" تم إنتاج –على أقل تقدير- مظهراً لا يشترك فيه اللانهائي الحقيقي. كان الهدف من وراء ذلك, إظهار فكرة اللانهائي بمظهر الأفكار الذاتية, كخطوة نحو إنكار موضوعيتها. المتغيّرات أريد لها أن تكون لانهائية الصغر قدر الإمكان, بحيث تصبح أقل من أي كميّة معطاة, وبنفس الوقت, أن تكون لانهائية الكبر قدر الإمكان, بحيث تصبح أكبر من أيّة كمية معطاة. بكلمات أخرى, "كبيرة أو صغيرة بقدر ما تشاء!", خفّة اليد هذه, لم تلغي الصعوبة, ولم تقدم إلّا ورقة تين تخفي تحتها التناقضات المنطقية في علم التفاضل والتكامل.

الرياضي الألماني العظيم: كارل فريدريك غاوس (1777-1855) كان مستعداً للقبول باللانهائي الرياضي, إلّا أنّه عبّر عن رعبه من فكرة اللانهائي الحقيقي. إلّا أنّ معاصره بيرنهارد بولانزو, الذي استند على مفارقة غاليلو, بدأ دراسة جديّة للمفارقات المتضمنة في فكرة "اللانهائي المكتمل." ثم عمل ريتشارد ديديكيند (1813-1914) لاحقاً على تطوير أعمال بولانزو, حيث اعتبر اللانهائي موجباً, وأشار إلى إمكانية النظر لمجموعة الأعداد الموجبة كمجموعة أعداد سالبة (وبالتالي مجموعة ليست لانهائية, من المترجم: بما أنّ اللانهائي موجب حسب افتراضه, وهذا نوذج عن الإلتفاف وخفّة اليد المذكورة سالفاً). أخيراً ذهب جورج كانتور (1845-1918) بعيداً وراء تعريف المجموعات اللانهائية, مطوّراً رياضيات جديدة, رياضيات "الأعداد الفوق منتهية Transfinite numbers ," بدأ كانتور بنشر أوراقه عام 1870, وكانت عبارة عن مراجعة لمجمل تاريخ اللانهائي, بدءاً من ديموقريطس. ومن تلك المراجعات, تطوّر فرعٌ جديدٌ كليّا في الرياضيات, مرتكزاً على نظرية المجموعات.

أظهر كانتور أنّ النقاط في مساحة, حتى لو كانت كبيرة, أو في حجم أو في خط متواصل في بعد أعلى, يمكن مطابقتها (من حيث العدد, إضافة من المترجم) مع النقاط على خط أو قطعة مستقيمة مهما كانت صغيرة. فحيث لا يوجد عدد متناهي أخير, لا يوجد عدد فوق-متناهي أخير. وبالتالي, بعد كانتور, انتهى الجدال تماماً حول مركزية اللانهائي في الرياضيات. إلّا إنّ أعماله كشفت عن سلسلة من المفارقات الجديدة التي عانت منها الرياضيات الحديثة, وماتزل إلى الآن بحاجة لحلول (إاضفة من المترجم: أي أنّ حسمه لقضية اللانهائي, فتح الباب لأسئلة جديدة).
مجمل التحليل العلمي الحديث, يعتمد على مبدأ الإتصال, وهذا يعني وجود عدد لانهائي من النقاط بين نقطتين في المكان, ووجود عدد لانهائي من اللحظات بين نقطتين في الزمان. بدون هذه الافتراضات, فإنّ الرياضيات الحديثة لا تعمل. في حين رفضت تلك المفاهيم المتناقضة رفضاً قاطعاً –او على الأقل نظر إليها بعين الريبة- من قبل الأجيال السابقة, امتكلت عبقرية هيجل الديالكتيكية (وهو رياضي عظيم بالمناسبة) القدرة على توقع كل هذا في تحليله للنهائي واللانهائي, والمكان, والزمن, والحركة.
رغم كل الأدلّة, مايزال الكثير من الرياضيين الحديثين يصرّون على إنكار موضوعية اللانهائي, في حين يقبلون به كظاهرة من ظواهر الرياضيّات الخالصة. هذا التقسيم يخلو تماماً من المنطق. إذا لم تستطع الرياضيات عكس العالم الموضوعي, فما هي فائدتها إذن؟ هناك ميول واضحة في الرياضيات الحديثة (وبالتالي, وبشكل غير مصدق عند الفيزياء النظرية) للعودة إلى المثالية في أكثر أشكالها صوفيّةً, مدعية أنّ صحّة وسلامة المعادلة يمكن في قيمتها الجمالية!!! بدون أي إرجاع للعالم المادي.
حقيقة انّ العمليّات الرياضية يمكن تطبيقها على العالم الحقيقي وبالتالي اإمكانية إستخراج نتائج فعلية منها, تدل على الألفة المتبادلة بين الرياضيات والواقع الموضوعي.

شرح إنجلس جيداً سبب التأخر الطويل للرياضيات في قبولها باللانهائي:
"من الواضح أنّ لانهائي بنهاية وبدون بداية, ليس أكثر أو أقل من لانهائي بنهاية وبدون بداية. إنّ أدنى نظرة جدلية كفيلة بأن تخبر السيّد دوهرنغ, أنّ البدايات والنهايات تنتمي لبعضها بالضرورة, مثل القطب الشمالي والجنوبي في المغناطيس, وأنه إذا ما استبعدت النهاية فإنّ البداية تصبح نهاية؛ النهاية الوحيدة الموجودة في السلسلة؛ والعكس صحيح. الخداع الكامل مستحيل إلّا في إستخدام الرياضيات وتعاملها مع السلسلة اللانهائية. في الرياضيات لا بد من البدء بالحدود المحددة والمتناهية, من أجل الوصول لغيرالمحدود أو اللانهائي, لذلك وبسببه, جميع المتسلسلات الرياضية, الموجبة والسالبة, تبدأ بالعدد واحد, وإلّا لا يمكن استخدامها في الحسابات. ولكن حاجات عالِم الرياضيات المنطقية بعيدة عن أن أن تكون قوانين ضرورية من العالم الموضوعي."








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أطباء يحذرون: نافالني قد يموت في أي لحظة


.. الانتخابات البرلمانية العراقية.. الموعد -حتمي- | #غرفة_الأخب


.. العملات المشفرة مازالت محط جدل بشأن التداول بها




.. وقوع العشرات من حوادث القطارات خلال السنوات الأخيرة


.. مطالب بتصنيف حركة رشاد منظمة إرهابية في الجزائر | #غرفة_الأخ