الحوار المتمدن - موبايل


بصدد مقدمّات ماركسيّة لعلم النفس

علي عامر

2018 / 3 / 29
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


مقدمّات نظرية لعلم نفس ماركسي

تسعى هذه المقال لإعادة موضعة علم النفس الذي تطوّر خلال القرن الماضي على أسس ماديّة علميّة منطلقة من إثباتات وبراهين ماركس في تحديده لعلاقة الواقع المادي أو التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية وموقع الفرد الطبقي بوعيه وبناءه وميوله النفسيّة.
هذه محاولة لتأسيس علم النفس على أسس ماديّة وطبقيّة، رفضاً لمنهج علم النفس الذي يبتدئ من تحليل الفرد كفرد، بغض النظر عن موقعه الطبقي، وبغض النظر عن التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية المحددة في زمان ومكان محددين، ذلك المنهج الذي يفترض كما اعتقد لاكان بوجود قاسم مشترك مجرّد بين جميع البشر.
فليس من المعقول أن يتعامل علم النفس مع رب العمل، الذي يعتاش على إستغلال العمّال، كما يتعامل مع العامل، الذي يتعرّض للقهر والظلم والإستغلال في كل مناحي ولحظات حياته.
كما تسعى هذه المقال للكشف عن الأسباب الماديّة وراء انتشار حزمة واسعة من الأمراض النفسية العصرية، مثل القلق والإرتياب والكآبة والإنسحاب والبارانويا والفصام ثنائي القطبيّة والوسواس القهري وغيرها، ناهيك عن محاولتها للكشف عن الأساس المادي المعولم لإنتشار أمراض الضغط والسكر والقلب.

{التأسيس}

يمكن تكثيف نظرية المعرفة الماركسية بأربعة لحظات:
1. وجود واقع مادي مستقل موضوعي عن إرادة الإنسان ووعيه. هذا الواقع جوهره الحركة وهو زاخر بما لا حد له بالمتناقضات.
2. هذا الواقع بطبيعته الحركية والمتناقضة ينعكس في دماغ الإنسان على شكل فكر.
3. الفكر بما هو إنعكاس للواقع، يتحلّى بطبيعة حركية ومتناقضة ونشطة، ويتفاعل مع الواقع.
4. التغيير أو الثورة هو مساهمة الفكر في تحويل الواقع المادي إلى شكل جديد.

وعلى هذا الأساس النظري نطرح المقدمات التاليّة أدناه.

{المقدمّة الأولى}

الإنسان القديم الذي خضع للطبيعة ولم يستطع تفسيرها للسيطرة عليها، نسب ظواهر الطبيعة لقوى خفيّة مطلقة.
أمّا الإنسان في زمن الرأسمالية، فهو يخضع لقوى السوق الموضوعيّة المستقلّة التي تنشط وتتحرّك بمعزل تام عن إرادات البشر، بل ضد إرادتهم ومصالحهم.
فالسوق هو حلبة تتصارع فيها مجموعة كبيرة من رؤوس الأموال التي تسعى لتعظيم الربح، الذي وكما بيّن ماركس لا يحدث إلّا عبر تعظيم إستغلال الطبقة العاملة، آخذين بعين الإعتبار أن رؤوس الأموال نفسها تتحرّك بموجب قوانينها الداخلية بمعزل عن إرادة أصحابها أنفسهم، نقول: أنّ الإنسان في زمن الرأسمالية أنتج حضارة لا يملك السيطرة عليها، وتتحرّك ضد مصلحته هو نفسه.
هذا الواقع الذي يقول بوجود قوى موضوعيّة تحرّك وتتحكم بالسوق والدخول ومستويات المعيشة والديونية والإستهلاك بمعزل عن إرادات البشر، يشبه ذلك الواقع القديم حيث كانت الطبيعة وهي مصدر رزق الإنسان الأساسي (في حينه وقبل تطوّر الصناعة) تتحرّك وتنشط بمعزل عن إرادة الإنسان وسيطرته.

وكما نسب الإنسان قديماً ظواهر الطبيعة لقوى خارقة، ينسب الإنسان الحديث ظواهره الاجتماعية الاقتصادية لقوى خارقة خفيّة.
لماذا خفيّة؟

{المقدمّة الثانيّة}

بما أنّ فكر الإنسان هو انعكاس لنمطه الاقتصادي الاجتماعي، فإنّ هذا العالم القائم على أسس الإستغلال والقهر والاضطهاد والاغتراب، والذي يلهث خلف العسكرة والأمننة المعولمة أنتج معه ما نسمّيه عولمة أمراض القلب والضغط والسكر بالإضافة لحزمة واسعة معولمة من الأمراض والأعراض النفسية، مثل التي ذكرناها آنفاً.

تقول لي صديقة، إنّ اختفاء القوى التي تحرّك العالم يمثّل أحد الأسباب الماديّة لإنتاج الأمراض النفسية المذكورة أعلاه، وأعتقد أنّها هنا مصيبة كلّ الصواب.
فمنذ أن تحوّل الإنتاج الصناعي الصغير إلى شكله الأكبر، انسحب ربّ العمل من مكان العمل، ليحل محلّه طاقم إداري موظف، أي (اختفى) من المصنع سبب الاضطهاد والقمع والإستغلال الحقيقي، مخلّفاً وراءه طاقماً إداريّاً يمثّل مصالحه، وربما كان هذا التحوّل التاريخي أحد أسباب عودة الإيمان بالأشباح والشياطين والجنّ، أي قوى الشرّ (الخفيّة).
فإختفاء منبع الشر وأساسه يفتح الباب لنسبة الشرّ لقوى خفية ماوراء الطبيعة.

{المقدمّة الثالثة}

نعتقد أنّ نمو رأس المال المالي- رأس المال الرمزي أو الوهمي (في نهايات القرن التاسع عشر) وسطوته على رأس المال الصناعي ونمط الإنتاج الزراعي، والذي عبّر عن نفسه بسطوة النظام المصرفي العالمي ونمو أسواق البورصة والميل نحو المضاربات. أنتج وعكس نفسه في حزمة واسعة من الضلال والأوهام والوساوس في عقل إنسان العصر.
لتكثيف هذه الحالة بجملة واحدة، نقول: {سيطرة الوهمي والرمزي على المادي الملموس في الاقتصاد الحديث أنتج إنساناً تسيطر عليه الأوهام والخيالات والضلالات، إنساناً منفيّاً عن واقعه الملوس وحقيقته.}

مع نمو الرأسمال المالي الوهمي، نمى عالم التواصل الافتراضي، والذي رافقه نمو الأمن التكنولوجي، كل ذلك عمل على نمو ارتياب معولم وشعور عالمي بانتهاك الخصوصية، حيث تفشّت بين البشر، أفكاراً صحيحة وحقيقية تؤمن بقدرة أجهزة الاتصال الحديثة المدعمة ببرامج وتطبيقات التواصل الافتراضي على التجسس وإنتهاك الخصوصية، ناهيك عن انتشار كاميرات المراقبة في كل شارع، وتكثيف أنماط الضبط والمراقبة على المعابر والمطارات والحدود.
لذلك نرى أنّ إنسان هذا العصر يعيش في داخل غرفته المغلقة، يملؤه الشعور والوساوس بأنّ هناك أذن خفيّة تسمعه، وعين خفيّة تراه، إلّا أنّ الآذان والعيون الخفيّة لا تنسب لقوّة رحيمة رؤوفة، بل تنسب للحكومات، التي تنظر لها الطبقات الشعبية في كل مكان على أنّها عدوّ وليس صديق، فهذه العيون والآذان المنتشرة في كل مكان، والتي يحملها الفرد في جيب بنطاله، هي عيون وآذان العدوّ.
إنسان هذا العصر عاري تماماً أمام الآخر المختفي، يشعر بعمق إنتهاك خصوصيّته وحدود ذاته وشخصيّته، ويلهث خلف الإختباء من عيون الآخرين دون أن يحقق ذلك.
وفي المقابل، فإنّ انتشار وسائل الاتصال الافتراضي، واغتراب نمط الإنتاج في سطوة الرأسمال الرمزي، أنتج إنساناً مغرماً بصورته في عيون الآخر، أكثر من عنايته بصورته الحقيقة، بحقيقة حياته وواقعه –تماماً كما أنّ الرأسمال المال هدفه أن يضاعف ذاته، دون أن يلتفت لواقع الرأسمال الصناعي والزراعي- إنسان مستلب تماماً عن الحقيقة، غارق تماماً في الوهم والرمز، وهذا التصوّر لا يكتمل إلّا بالعودة لما كتبه ماركس في "رأس المال" تحت عنوان الطبيعة الوثنيّة للبضاعة، أو فيتيشيّة البضاعة.

{المقدمّة الرابعة}

إنّ الوصف المعولم أعلاه، لا يلغي الخصوصيّات، فالواقع السوري واليمني مثلاً يختلف عن الواقع السويدي.
أمّا في خصوصية الحالة الفلسطينية ومن حيث جوهرها وهو استلاب الأرض وتشتت الشعب، حيث يعيش الفلسطيني دون أرض، وكأنّه معلّق في الهواء دون مرتكز لقدماه، بالإضافة لشعوره الدائم بمراقبة الموساد -الذي رغم كونه جهازاً مخابراتيّاً قويّاً ومهنيّاً ومدرباً ومجهزاً بأعلى المستويات، إلّا أنّه في النهاية ليس إلّا جهازاً بشرياً محدود القدرة- ناهيك عن تاريخٍ حافلٍ بالمجازر الدموية والقمع والترهيب والسجن، هذا ومع عيش الفلسطينيين على أرض فلسطين إمّا في سجن كبير مغلق ومعزول ومعرّض للقصف الجوي كما في غزّة، التي تدخلها وسائل المعيشة عبر شبكة خفيّة مظلمة من الأنفاق، أو في سجن الضفة التي امتلأت جبالها بمستوطنات تظهر مرئية للفلسطيني كشبح غريب يراقب من مكانه المرتفع، أو العيش في أراضي 1948، أي داخل المنظومة الصهيونية وحمل هويّتها وجنسيتها الإسرائيلية والخضوع لنظامها القضائي والإداري والإقتصادي في إنسلاخ كامل عن التاريخ والجذور الفلسطينية، هذا الوصف السريع والمختصر والمجحف لحالة الشعب الفلسطيني، يمثل باعتقادنا الأساس المادي الذي ينعكس في حزمة واسعة من الأمراض والأعراض النفسية، قلنا الأساس المادي، وربما الأصح أن نقول الأساس اللامادي، من حيث خصوصية استلاب الأرض والتاريخ وتشتيت الشعب.
ومن هنا، نعقتد أنّ الاغتراب العالم الرأسمالي يظهر بصورته المكثّفة في الوضع الفلسطيني، وأنّ أعراض استلاب إنسان العصر تظهر بقمّة جلائها في الإنسان الفلسطيني.

{ليست خاتمة}

يذكر باولو كويلو في إحدى رواياته، قصّة الكلب الذي ظلّ يخاف من انعكاس صورته على ماء البحيرة، إلى أنّ قرر أن يحشد شجاعته ويهاجم الصورة الوهم، فإذا بها تتبدد، وهكذا الخوف ليس إلّا وهم لا يتبدد إلّا بالشجاعة والإقدام، أي بمواجهته المباشرة.

ربما يساهم الطب النفسي بشقيه العلاج الكيميائي أو الإستشارات والتوجيه النفسي، في الحد من بعض أعراض المرض النفسي، إلّا أنّ الطب النفسي من حيث جوهره لا يعالج إلّا الأعراض، أما منبع هذه الأعراض، وهو العالم المبني على القهر والاغتراب والإستلاب فلا يعالجه إلّا المقاومة.

{إنّ السعادة في هذا الزمن القبيح هي الإنخراط في النضال الواعي المستمر ليس إلّا.}








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أمن تشاد على المحك بعد اغتيال الرئيس.. وخشيةٌ على أمن الجوار


.. ارتفاع منسوب التوتر على خط أزمة سد النهضة | #غرفة_الأخبار


.. أزمة تشكيل الحكومة في إسرائيل.. انتخابات خامسة أو انتخاب مبا




.. أسبوعان متبقيان على نهاية مهلة نتانياهو لتشكيل حكومة


.. كيف قتل الرئيس التشادي إدريس ديبي؟