الحوار المتمدن - موبايل


نظرة في الاسلام السياسي

رياض محمد سعيد
(Riyadh M. S.)

2018 / 5 / 5
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


نظرة في الاسلام السياسي
يذكر اغلب المثقفين و الادباء في كتاباتهم ان الاسلام السياسي ظهر في القرن العشرين بعد الحرب العالمية الاولى وازداد ونشط بعد الحرب العالمية الثانية ، وكان ظهوره هو نتيجة لا بديل عنها بسبب القنوط و الخسران بعد ان فوحيء الشرق بما اتى به الغرب بماكنته الحربية الفتاكة و منتجاته الصناعية العجيبة حين كان العرب في اوج الجمود الحضاري انذاك ، فعلى الرغم من وجود حركات فكرية معاصرة في ذلك الوقت الا انها كانت منحصرة بين فئة من المثقفين محدودة في العدد و التأثير وسط بيئة عربية متأخرة و محرومة من التعليم تعيش على موروث مدارس مجالس الملالي والجوامع ... وكان ذلك نتيجة لشيخوخة الامبراطورية العثمانية التي بان ضعفها في اهمالها لتوابعها في بلدان المشرق العربي التي كانت تحت سيطرتها ، وذلك بسبب انشغالها بصد الهجمات العدوانية و المؤمرات من الغرب مع الاوربيين ، وكان الخلاص الوحيد و المتيسر للعرب لمواجهة التخلف و العجز و المرض هو اللجوء للعبادة وفرض ثوابت و قواعد الدين الذي هو قانون تنظيم الحياة بين البشر ، ففي كل زمان و مكان تجد ان رجال الدين حاضرين ليمدو المجتمع بالثوابت التي تدعو الناس الى فعل الخير واحترام الحقوق وتحريم ما يضر الناس ، وطبعا اللجوء الى العبادة من اجل منح النفوس القدرة على الصبر و المطاولة في مقاومة البؤس و الشقاء .
بتقدير شخصي متواضع يمكن القول ان ظهور الغرب على الساحة الشرقية و الوطن العربي تحديدا كان مذهلا للمجتمع ، جديدا و براقا و جاذبا وكان في جوهره داعيا و هادفا الى راحة الانسان و رفاهيته اذا ما نظرنا الى التقدم الصناعي باعتبارات مجردة من السياسة و مفاهيم الاحتلال و الاستعمار ، ولا تخلو الصناعات من اللهو و التسلية بكل ما جاء به الغرب من صناعات عسكرية حربية او صناعات مدنية لوسائل العيش و الترفيه. ولم يكن سهلا على المجتمع ان يتقبل ذلك بسهولة فانقسم الى عدة اقسام تختلف في نظرتها لهذا القادم الجديد ، قسم استقبل الحضارة الجديدة بشغف وقسم امتنع عنها و عارضها بشدة انطلاقا من حجة انها من افعال الشيطان الغاصب المحتل وقسم اخر اتخذ جانب الحياد بين القبول و الرفض . ومن هذه التشكيلة بدأت ملامح التوجهات الاجتماعية المتعارضة مع بعضها لتفرض نفسها بالانقسام وساعدتها على ذلك وجود النعرات الطائفية و العرقية المتأصلة .. طبعا لا ننسى حين نتناول هذه الصورة المعتمة عن المجتمع العربي ان هناك اشراقات هنا و هناك بين مثقفين وعلماء و شعراء و ادباء الا اننا نتحدث عن الوضع العام الغالب و المؤثر في المجتمع وترك انطباعا جاهليا متخلفا بين اوساط المجتمع ... بين هذه التناقضات كان هناك من يحاول ان يجد ما يرضي الاطراف المتناحرة و المتناقضة فظهرت فئة تحاول ان تتحدث بلغتين ، دينية مع المتعصبين و متحضرة مع المعاصرين ، من جهة تتمتع بما جاء به الغرب وتعمل على توفير بيئة تتقبل التجديد ومن جهة اخرى تناصر المتعصبين وتؤيد مواقفهم بسبب الانتماء الديني و المجتمعي .. وهذا جوهر الموضوع .. فاذا كانت السياسة تعني الحوار المفتوح واحترام الاراء و خذ مني واعطيني بتبادل المصالح من اجل الوصول الى حالة مرضية للعيش بسلام فقد ظهر بين مجتمعنا ما يسمى بالاسلام السياسي وهو الكارثة الحقيقة في حياتنا . وبعض هذه الحركات السياسية الاسلامية كانت متعصبة جدا رافضة لأي تقبل للغرب و ملتصقة بالموروث التاريخي وترفض الحوار مع وجود حركات اخرى معتدلة تمتلك ما يكفي من الثقافة و الفكر للحوار والتعامل مع الحياة المعاصرة بعقلانية و واقعية .
الفكر المدني او المتمدن يتعامل مع الحياة وفق قوانين و مؤسسات تنظم حياة المجتمع و الفرد ويضع ما يلزم من الضوابط و الاسس التي تساعد المجتمع على فرض القوانين التي تصاغ حسب حاجة المجتمع ثم التأكد من تطبيقها على الجميع ، وعالم السياسة منفتح على الحياة بكل تفاصيلها ويتقبل الحوار و النقاش ويتجدد وفق ضروف و حاجة المجتمع .. و هنا لا يستطيع الاسلام السياسي تبني مثل هذه الافكار بشكل مطلق لأفكار الحوار المدني وقبولها بالطريقة التي يتناولها المدنيين في عالم السياسة ، لأن لديه ثوابت عقائدية لا يمكن نقاشها او الحيود عنها وفق الموروث الديني المنقول عبر مئات السنين ، لذا نجد لم يكن امام الاسلام السياسي الا ان يتلون وفق مصالحه الاستراتيجية و كذلك الشخصية ، فتارة تجده مدني و تارة تجده متعصب ويحاول ان يجمع بين الطرفين و في النهاية يعمل لمصالحه الشخصية .
في اواخر الخمسينات كان هناك موجة للشعراء و الادباء الذين تغنو بالعروبة و بمأثر العرب في التاريخ ، واذكر واحدة من اجمل القصائد (دعاء الشرق) للشاعر المصري الكبير محمود حسن اسماعيل الذي حاول و صف التطلعات العربية بالارتكاز على فضائل الامة عبر التاريخ ونظم ما يبعث على الامل في احلام يقضة تناولت العزم و البأس في الشخصية العربية ، نذكر من ابياتها :
[يّا سَمَاءَ الشَّرقِ طُوفِي بِالضِّيَاءِ وَانشُرِي شَمسَكِ فِي كُلِّ سَمَاءِ
ذَكِّـرِيهِ وَاذكُـرِي أيِّامَهُ بِهُدَى الحَــقِّ وَنُـــــــــورِ الأنبِيَــــاءِ
كَانَــتِ الدُّنيــــَا ظَلامًا حَـــولَهُ وَهوَ يَهدِي بِخُطَاهُ الحَائِرِينَا
أَرضُــهُ لَم تَعــرِفِ القَيـــدَ وَلا خَفَضَت إلا لِبَارِيهَا الجَبِينَــا
كَيفَ يَمشِي فِي ثَرَاهَا غَاصِبٌ يَملأُ الأُفــقَ جِرَاحًا وَأنِينَــا
كيف من جناتها يجنى المنى ونرى في ظلها كالغرباء]
وقد لحنها و غناها الموسيقار محمد عبدالوهاب ، لقد كان لتلك الموجة من القصائد و المؤلفات اثرا كبيرا في الحلم العروبي ، دفعت الوسيط العربي المعتدل الى الغرق في احلام العروبة والقومية بانجازاتها التاريخية بعد الخسائر و الانتكاسات الكبيرة امام المد الاستعماري الغربي و طبعا الاسلام كان العمود الفقري الذي تستند عليه تلك الافكار .. لذلك اتخذ الاسلام السياسي موقعه بين سلسلة الفوضى و الهزائم التي عاشها العرب بعد الحرب العالمية الاولى و الثانية و الخضوع العربي لدول الاستعمار من مختلف الجنسيات اثر تفتت الامبراطورية العثمانية فكان الاسلام السياسي هو الهوية الجديدة الاكثر قبولا في الاوساط السياسية والثقافية التي تريد النجاح و الاندماج في المجتمع وكسب التأييد الجماهيري طبعا من اجل الوصول للسلطة وهذا ما جنته مجتمعاتنا الى يومنا هذا ، فكل من يريد الانتشار و كسب الجماهير بسرعة يلجأ الى السياسة بلباس ديني ، والعراق مثال واضح لهذه النتيجة .. الا ان الشعوب الحية قد تستسلم و تضعف لنائبات الزمن الا انها لن تموت وقادرة على ان تنهض من جديد، وهذا ما بدأت ملامحه بالبروز و بوضوح حين بدأ العراقيين ينتقدون الاسلام السياسي و باصوات عالية و علنا امام اجهزة التلفاز و الاعلام وفي مختلف وسائل التواصل الاجتماعي ، و لازال الامل كل الامل في التغيير ليتخلص العراق قريبا من السياسيين الاسلاميين المزيفين المنتهزين للاحداث باسم الدين .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. التمييز .. ضد المرأة !! / قناة الانسان / حلقة 93


.. يوميات رمضان من القدس مع خطيب المسجد الأقصى عكرمة صبري


.. الشريعة والحياة - الشيخ الريسوني يتحدث عن فروض الكفايات وأثر




.. قناة الانسان


.. نشرة الرابعة | تعرف على مسجدي الزرقاء وسديرة بعد اكتمال ترمي