الحوار المتمدن - موبايل


الجميل والجليل في التعبير المسرحي الشعري

أبو الحسن سلام

2018 / 6 / 6
الادب والفن


الجميل والجليل في المسرح الشعري

أ‌. د أبو الحسن سلام

كثيرا ما تختلف ضرورة ترتيب نسق حركة الصورة الشعرية الدرامية فيما رسمه إبداع إخراجها مسرحيا عن ترتيب نسق حركتها في النص المسرحي الشعري كما رسمها الشاعر ؛ خاصة إذا تقصد وعي الشاعر بها إسقاطا سياسيا . ويمكننا التمثيل بذلك من نسق رسم صلاح عبد الصبور لموقفه من حرفيي بغداد الذين سلموا ( الحلاج) لقتلته نظير ثمن بخس ( دينارا من ذهب فاني ) وهو المدافع عن حقهم في حياة كريمة عادلة - وبعد صلبه في ميدان الكرخ ببغداد ؛ إذا بالفقراء الذين سلموه للصلب والقتل يتباكون تحت أقدامه وهو المصلوب ويتصايحون بحشرجات الندم

الفقراء : صفونا صفا صفا
الأجهر صوتا والأطول
وضعوه في الصف الأول
ذو الصوت الخافت والمتواني
وضعوه في الصف الثاني
أعطوا كلا منا دينارا من ذهب قاني
براقا لم تمسسه يد من قبل
قالوا : صبحوا .. زنديق كافر
صحنا .. زنديق كافر
قالوا : صيحوا فليقتل صحنا.. فليقتل
إنا نحمل دمه في رقبتنا.

ولنا أن نري بلاغة المسكوت عنه في ترتيب نسق الصورةالشعرية من منظور موقف الشاعر صلاح عبد الصبور من تلك الحادثة التاريخية في العصر العباسي الثاني في عهد مروان بن محمد الذي وقعت فيه المحاكمة الصورية التي قضيت بصلب الحلاج في ميدان الكرح ببغداد .

لماذا وضع الأجهر صوتا والأطول في الصف الأول في مظاهرة الشحذ والتأليب الإعلامي الميداني المباشر بالإرهاب الفكري لمن تسول له نفسه معارضة الحاكم ؟!
ذلك أن الأطول سيري جيدا عن بعد ؛ ولأن صوته الجهوري سيصل جيدا إلي ما هو أبعد وأكثر إعلاما للغير ؛ وأكثر تأثيرا في عملية فضح المعارض وأكثر تخويفا للمتذمرين الصامتين. أما الأقصر والأخفت صوتا فهم مجرد عدد ، حشو وحشد للكثرة .
ترتيب الأولوليات في نسق الصورة الشعرية هنا نفعي من زاوية بلاغة التفعيل الدرامي ؛ ومن ناحية القيمة الفنية لتجاوز الجميل بالجليل .

ونلاحظ أن إخراج الشاعر صلاح عبد الصبور للصورة الشعرية لا يتوافق مع شعرية إخراجها الجمالي مسرحيا لأن ما علي المسرح لابد أن يري مرأي العين ويسمع آذان الحضور ؛ والصورة فيما أخرجها الشاعر علي الورق غايتها ذهنية فكرية في إتجاه تجسيد موقف الشاعر ومقصوده وهو ترسيخ فكرة الردع وكسب المعركة بسلاح التخويف ؛ بتوظيف سلطة الحاكم باستخدام الغوغاء في إرهاب المعارضين لسياساته إرهابا فكريا.

ولما كان النص الموازي لنص الحوار ( النص الإرشادي) عنصرا غبر كلامي يشكل لحمة سدي نسجية الحوار الدرامي نثرا أو شعرا ؛ لذا زادت الصورة الدرامية جلالا فوق جمالها صدمة تحالف الأغنياء السكاري عند مواجهتهم لمنظر رجل مصلوب معلق في ساحة الكرخ فور خروجهم الثلاثي المتطوح يمنة وبسرة من باب الخمارة في غيبوبة إنتشائهم ؛ جيث جمالية التناقض في مشهدية الصزرو بين جماعتين : جماعة الأعنياء هؤلاء وجمع الفقراء من الحرفيين الجاقين عمد قدمي ثائرهم المعلق مصلوبا في الهواء ، جماعة سكاري مغيبين في حالة لهو وأنتشاء وجماعة الفقراء الباكثين الذين يندبون ندما علي تسليمهم حبث للثائر الصارخ في وجه السلطان زجرا لعدم عدله معهم في توزيع الأرزاق ¸هذا التناقض بين تحالف طبقتي التجار والفلاحين مع رجل الدين ( تحالف نموذج الطبقنبن الوسطي والبرجوازي الصغري) ضد الحرفيين ( طبقة العمال) :
" التاجر : انظر .. ماذا وضعوا في سكتنا ؟ذ
الفلاح: شيخ مصلوب
الواعظ : ما أغرب ما نلقي اليوم !!
الفلاح : يبدو كالغارق في النوم
التاجر: أو غلبته الأيام علي أمره
الفلاح : فحني الجذع المجذوع وحدق في الترب
الواعظ: ليفتش في موطئ قدميه عن قبره
الفلاح: ( للتاجلر) هل تعرف لم قتلوه أو من قتله؟
التاجر: هل أعرف علم الغيب ؟
اسأل مولانا الواعظ
الفلاح: هل تعرف يا مولانا ؟
الواهظ: لا.. فلنسأل أحد المارة
التاجر : نعم .. فقد يكةن أمره حكاية طريقة
أقصها لزوجتي حين أعود في المساء
فهي تحب أطباق الحديث علي موائد العشاء
الفلاح : أما أنا فأنا فضولي بطبعي
كأنني قعيدة بلهاء
وكلما نويت أن أكف عن فضولي
يغلبني طبعي علي تطبعي
الواعظ: وحبذا لو كان في حكايته
موعظة وعبرة
فإن ذهني مجدب عن ابتكار فصو ملائمو
أجعلها في الجمعة القادمة
خطبتي في مسجد المنصور .
فلنسأل هذا الجمع
ياقوم .. من هذا الشيخ المصلوب ؟!
مقدم المجموعة :أحد الفقبراء.
الواعظ : هل تعرف من قتله "
المجموعة : نحن القتلة
الواعظ : لكنكموا فقراء مثله !
المجموعة : هذا يبدو من هيئتنا .
التاجر: وكيف قتلتموه ؟
المحموعة : قتلناه بالكلمات !
الفلاح : ( ضاحكا) قتلو ه بالكلمات!!
تتتضح جمالية التعبير في جمع المشهد بين تحالف طبقي يواجه تحالف مضاد له ، حيث الصورة الساخرة التي يكشف عنها موقف ثلاثة التخالف الساخر في مواجهة جزن الجمع الحرفي النادم علي ما اقترف من جرم . لكن جلال الصورة في المسكوت عنه الذي يشف عن موقف الشاعر صلاح عبد الصبور نفسه ؛ حيث جعل شخصية الخلاح التاريخي شخصيته هو شخصية ثائر عصره ، الرافض من وراء الشخصية التاريخية التي اتخذها قناعا يحمل عنها موقفه من فكرة ( تحالف قوي الشعب العامل ) شعار الاشتراكية الناصرية - ربما فهما من عبد الصبور لكون ذلك التطبيبق الزاعم باشتراكيته لم يكن سوي نظام رأسمالية الدولة ، حيث تملك الدولة لوسائل الانتاج تأميما يديره ضابط من أهل الثقة –








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفنانة اللبنانية يارا تتألق في حفل افتراضي استثنائي


.. كلمة أخيرة - الفقرة الثالثة - لقاء حاص مع الكاتب والأديب يو


.. حولوا المنطقة لفيلم كارتون.. بوجي وطمطم وبكار يسيطروا على حد




.. كلمة أخيرة - الفقرة الثالثة - لقاء حاص مع الكاتب والأديب يو


.. برنامج المواجهة - مِن مَن يعتذر الممثل يوسف الخال؟