الحوار المتمدن - موبايل


فلسفة الأرقام والأعداد

وليد حسن الحلبي

2018 / 9 / 8
المساعدة و المقترحات


لعل من الطرافة في تفكيرنا البشري أننا نمر بالمهم فلا نلقي إليه بالاً، بينما تجذب اهتمامنا
أمور قد تكون أقل أهمية منه بكثير، ولعل الأرقام، وبالتالي الأعداد، هي واحدة من مرتكزات
التطور البشري، والتي تملأ حياتنا بشكل مذهل، إذ أن قياس أي شيء في هذا الكون لا يستغني عن استخدام الأعداد والأرقام، والتي لا نستطيع التفكير بشيء إلا وتكون
حاضرة فيه، ورغم ذلك لا نعيرها اهتمامنا، ربما لأنها أصبحت أمراً عادياً وجزءاً لا يتجزأ
من حياتنا اليومية.
وبداية، لعله من الأهمية بمكان التمييز بين لفظي العدد والرقم، إذ كثيراً ما تختلط المفردتان
في أذهاننا فنحسبهما شيئاً واحداً، وهما ليستا كذلك، وأول ما يميزهما أن العدد ناتج عن عملية
حسابية، ويغلب أن يعقبه تمييز له خاصة في الرياضيات التطبيقية، بينما الرقم مفرد مجرد
بذاته، فالأعداد التي نطلق عليها مجازا (الأرقام)، هي ليست كذلك، فكل رقم مثل الواحد
والثنين والثلاثة حتى التسعة، هي مجرد أسماء تدل على كينونة واحدة وموقع واحد في
التعدد، وناتج مجموع هذه الأرقام بالعمليات الأربع وغيرها من العمليات الرياضية، هو ما
نطلق عليه (عدد)، وأقرب توضيح لذلك هو المثال التالي:المتسابق الذي يكون خامساً في
ترتيب وصوله إلى نهاية السباق يكون رقمه حاصل جمع المتسابقين ذوي الأرقام الأول
والثاني والثالث والرابع زائدا رقمه وهو الخامس، (هنا يطلق على العدد 5 لفظ رقم 5 لأنه يدل
على وحدة واحدة هي ترتيب اللاعب في السباق كما سيرد مع أمثلة أخرى لاحقاً)، فالمتسابقون
مستقلون كل برقمه، أما العدد فهو حاصل مجموع عدة أرقام، وهذا ينطبق على الناجحين في
امتحان ما، فكل واحد من هؤلاء يحمل رقم - وليس عدد - ترتيبه بين زملائه، لذا نطلق على
إنجاز الرياضيين المتميزين مصطلح (أرقام قياسية) وليس (أعداد قياسية)، لأن إنجازهم كان
يقتصر على رقم واحد هو الذي تمكن الرياضي من تسجيله متفوقا على أرقام غيره، وليس
مجموعاً لها. ومن ذلك أننا نقول (عدد السكان) والذي يعني مقدار مجموع الأفراد، ولا نقول
(رقم السكان) في بلد ما. ولذلك قال الله تعالى (لتعلموا عدد السنين والحساب – يونس – الآية
، 5الإسراء – آية 12) والذي يعني مجموع السنين ونتائج الحساب. أما إطلاق مصطلح رقم
على مجموعة أرقام، فهو اصطلاح مجازي عندما يدل ذلك العدد (عدة أرقام) على وحدة
محددة بعينها، كرقم لوحة السيارة، ورقم الهاتف، ورقم جلوس الطلاب في الامتحانات،
والأرقام المدونة على أوراق العملات.
ومعرفة كيفية توصل العقل البشري إلى إدراك مفهوم الرقم والعدد مجال واسع رحب
للتخيل والتخمين، فهل بدأ الإنسان بإدراك مفهوم العدد في جسمه أولا وقبل أي شيء آخر، كأن وجد له عدداً من الأصابع والأيدي والأرجل والعيون والآذان؟، وهل أدرك أن له أنفاً واحداً
وفماً واحداً؟، وهل أدرك أن أسنانه متعددة بينما لسانه واحد؟، أم أنه أدرك العدد مما يشاهد في
الطبيعة كتعدد الحيوانات والأشجار، ثم عندما تزوج وأنجبت زوجته، لا شك أنه لاحظ تعدد
الأولاد، وزيادتهم مع كل مولود جديد، ونقصانهم مع موت أي منهم، وعندما بدأ بتدجين
الحيوانات كان عليه أن يدرك عددها واختلاف عدد قطيعه عن قطيع جاره مثلا،،، وهكذا
يمكن أن نطلق العنان للخيال لكي يجيب على السؤال الكبير: متى أدرك الإنسان معنى الرقم؟،
ومتى توصل إلى مفهوم العدد؟.
من نافلة القول التأكيد على أن الإنسان في هذه المرحلة
المبكرة لم يكن ليستطيع التعامل مع الأرقام بالعمليات الحسابية الأربع المعروفة: الجمع
والطرح والقسمة والضرب، لكنه مع مرور السنين، بل والقرون، وبتطور قدراته العقلية، وجد
نفسه بحاجة إلى تلك العمليات لتصريف شؤون حياته اليومية، فتوصل إليها واستخدمها، أما
الحالات التي احتاج فيها إلى تلك العمليات فهي كذلك مجال واسع للتخيل والتخمين أيضاً. وبتقدم
الزمن ونمو الحضارة، أصبح استخدام الأرقام والأعداد في العلوم والاختراعات أمرا لازباً لا
بد منه ولا غنى عنه، فحيثما ذهبت وأنى تفحصت، تجد نفسك محاطاً بالأعداد التي تحصي كل
شيء، من عدد ضربات قلوبنا والأنفاس التي نستنشقها، إلى عدد المجرات والنجوم والكواكب
في الكون وأبعادها وبعدها عن بعضها وعن كوكبنا الأرضي، وبين الأمرين، قياس المسافات
ودرجات الحرارة والأطوال والأوزان والأحجام، وحتى عدد الخلايا في الكائنات الحية،
إلخ.... الأرقام والأعداد تغطي كل شيء في هذا الكون، بحيث لايمكن التفكير في أي شيء دون
أن تكون حاضرة فيه.
لكن الطريف في الأمر أن الإنسان – رغم مخالطته الأرقام والأعداد وتعامله بها ومعها
قرونا طوالا – لم يتمكن من التوصل إلى فكرة العدد اللانهائي وهو الصفر (هل هو نهائي
حازم بتقريره عدم وجود أي شيء؟، أم هو لا نهائي حائر في الجزم أنه لا يمكن إثبات وجود
أي شيء؟)، لم يتمكن من التوصل إليه إلا بشكل غائم ومنذ الحضارة البابلية والهندية والإغريقية، إلى أن جاء
(الخوارزمي) لكي يستخدمه كمميز للخانات العشرية والمئوية إلخ. ولكن هل وجود الصفر هو
وجود مادي ملموس، أم فلسفي متخيل؟، وهل هنالك شيء في الكون اسمه (صفر)؟، أم هو
فكرة مكملة لوجود الأعداد والأرقام؟، ثم: هل تقتصر قيمة الصفر على مضاعفة الرقم عشر
مرات إن هو جاء على يمينه، كما ابتكر الخوارزمي؟، أم أن قيمته المجردة تكمن في الدلالة
على وجود لشيء فحسب؟، وهل يمكن – نظرياً على الأقل – عدم وجود أي شيء بالمطلق؟،
وإذا كانت الأرقام من 1إلى 9 تعتبر أرقاماً، فماذا نعتبر هذا الدال على لا شيء، هل نعتبره
رقماً أيضاًا؟، بحيث أن الإغريق تساءلوا: كيف للا شيء أن يكون شيئاً؟، إلى درجة حتى أنهم
تساءلوا كذلك فيما إذا كان 1 يعني رقماً. ومن صفات الرقم صفر الفريدة، زئبقيته التي تميزه عن أقرانه من الأرقام، فهو إما إيجابي عندما يجلس على يمين العدد، أو سلبي عندما ينفرد
وحده لكي يعبر عن اللاشيء،،، نعم إنه الصفر الذي نمر به دون أن نلتفت إليه مع أنه يحير
العقول لمن يتمعن فيه، (من ذكريات أيام الدراسة أنني فكرت في أحد الأيام أن أقترح على
مدرس الرياضيات فكرة مؤداها أنه طالما أن وضع الصفر على يمين العدد يضاعفه عشر
مرات، فهل بوضعه على يسار العدد يمكن أن يعني قسمته على 10 ، لكنني خشيت أن يطبق
فكرتي على علامتي في امتحان الرياضيات، فأرسب، فتراجعت عن الاقتراح). وفي الواقع
فإن اكتشاف فكرة – ولا أقول رقم – الصفر إنما هو إبداع ذهني خدم علم الرياضيات بشكل لا
يعرف قيمته سوى الذين يشتغلون في مجال هذا العلم الراقي.
ومما يعطي الأرقام والأعداد أهميتها، أن معظم الفلاسفة ( أمثال: ابن باجة السرقسطي –
ابن الهيثم – ابن سينا – ابن رشد) - إن لم يكونوا جميعهم - قد كانوا علماء في الرياضيات،
فهل كان ذلك بسبب تحكم الأعداد والأرقام حتى في الفكر الفلسفي؟، أم لأن الأرقام في نظر
الفلاسفة هي أساس كل تفكير منطقي سليم؟، أما اقتران الرياضيات بعلم الفلك، فهذا أمر مؤكد
لا مراء فيه، إذ أن جميع المتخصصين في الرياضيات كانوا علماء في بحوث الفلك، غير أن
أسوأ استخدام للأرقام والأعداد على حد سواء هو استخدامها في السحر والشعوذة – والعياذ
بالله -، أما استخدام الصفر في العلم الحديث، فقد تجلى في علم الديجيتال حيث تتوالى الأرقام
010101010 بشكل متغاير يعطي شخصية رقمية مميزة للمادة موضع التصنيف، وقبل ذلك
استخدم تغيير توالي الأرقام كشيفرة تحرر بها المراسلات أثناء الحروب بحيث لا يستطيع
العدو معرفة محتواها إن هي وقعت في يده.
ختاماً: شخصياً لا أملك الإجابة على كثير من التساؤلت التي وردت في المقال، بل أكتفي
بطرحها استنهاضاً لهمم جميع المتبحرين في هذا الموضوع علهم يفيدون القراء، إن هم رغبوا
بذلك، وبالتالي فمن البديهي أن هذا المقال لا يدعي أنه قد أجاب على شيء بمقدار ما أنه قد
وجه الأنظارإلى شيء، وإن هو إلا سؤال ذهني ألقيته في بركة تفكيرنا البشري، عله يولد
دوائر من الاهتمامات والاستجابات لأمر بالغ الطرافة والأهمية في حياتنا اليومية: الأعداد
والأرقام.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وزيرا الخارجية والداخلية الجزائريان في ليبيا.. لماذا؟


.. سوريا: الجيش الروسي يعلن مصرع نحو 200 مقاتل في غارات شمالي ش


.. عاجل ?? مقتل رئيس تشاد إدريس ديبي جراء إصابة تعرض لها خلال ا




.. الحشود العسكرية الروسية قرب أوكرانيا أكبر مما تم خلال ضم شبه


.. مصر: اللاعبون الشباب والرغبة بالاحتراف في الأندية الأوروبية