الحوار المتمدن - موبايل


النحاس في العصور القديمة

عضيد جواد الخميسي

2019 / 3 / 7
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


ربما كان النحاس أول معدن يستخدم من قبل شعوب الحضارات القديمة ، وأن أقدم القطع الأثرية التي صنعت منه تعود إلى العصر الحجري الحديث ، فقد تم استخدام المعدن الأحمر البنيّ اللامع للمجوهرات والأدوات ، وكذلك لصناعة التماثيل والأجراس والأواني والمصابيح والتمائم وأقنعة الموت ، وكثير من الأشياء الأخرى . كان هذا المعدن مهم جدا للتطور البشري في العصور القديمة والذي منح اسمه الى العصر النحاسي ، و من خوّاصه فهو ضروري لصناعة البرونز ( البراص ) ، الذي جاء اسمه في الفترة الزمنية التالية لعصر النحاس ، فسمّي بالعصر البرونزي ، إلى جانب العديد من السبائك الأخرى.
امتلاك النحاس كان مظهراً من مظاهر الثراء والترف عند الناس ، والذي يمتد من فينيقيا إلى أمريكا الوسطى عندما لم يكن متاحا بشكل كبير، وكان المعدن وسيلة مميزة من وسائل التبادل التجاري المهم بين الحضارات القديمة ، وبشكل تدريجي تم تحويله تجارياً من سلعة نحاسية مصنوعة الى سبيكة سهلة النقل والخزن ، مما أدّى أستعمالها في صناعة المسكوكات والعملات المعدنية التي كانت متداولة عبر الكثير من الحضارات المختلفة ولفترات زمنية ممتدة إلى وقتنا الحاضر . كان الذهب و الفضة من حصة الأغنياء وأصحاب المناصب ، ولكن إذا كان هناك معدن نقي يمكن الحصول عليه ليكون بين أيدي عامة الناس في العالم القديم ، فهو النحاس .

الوفرة والتعدين
تم العثور على النحاس بسهولة في حالته المعدنية شبه النقية في العديد من مناطق العالم القديم ، وإن كان بكميات صغيرة نسبياً ، واستخدم المعدن الأحمر أو البرتقالي أو البني اللامع لأول مرّة في البلقان والشرق الأوسط والشرق الأدنى للفترة من (8000 ـ 3000 ق.م ) .
لجأت كل من مصر وأوروبا بجعل الأعمال والسلع النحاسية الخاصة بهما أكثر مرونة وملاسة ، إذ كان النحاس مادة مثالية لتصنيع السلع الفنية المزخرفة الفاخرة ، وعندما أدرك عمال التعدين أنه يمكن صهر النحاس باستخدام أفران الفحم ، أصبح استغلال الخامات الغنية بالنحاس بصورة مكثفة ، ثم انتشرت الفكرة ايضاً في أنحاء أوروبا وأجزاء من آسيا خلال الألفية الثانية قبل الميلاد. وكانت هذه الخامات موجودة بكميات كبيرة عبر مواقع قديمة في مناطق البحر الأبيض المتوسط ومنها قبرص Cyprus (التي استمدت اسمها من المعدن)، و أتيكا ( عاصمة اليونان أثينا وبعض المناطق التي حولها )، وسيكلاديز (مجموعة جزر تقع جنوب بحر إيجه بين اليونان وتركيا وخاصة جزيرة كيوس )، و بلاد الشام على وجه الخصوص عندما ساعد عمال المناجم الذين هم مواطنو مملكة أدوم في بناء ثروات إسرائيل من النحاس في عهد الملك سليمان.
تم استغلال مركبّات النحاس الأخرى الأقل أهمية في إنكلترا وويلز وفرنسا وإيطاليا (خاصة إلبا وسردينيا وأجزاء من اتروريا ) واسبانيا وموريتانيا. أما في الجانب الآخر من العالم ، فقد كانت لدى مناطق أمريكا الوسطى(650-1200م) كميات كبيرة من النحاس في مناجم مفتوحة في غرب غيريرو وأواكساكا على الساحل الغربي للمكسيك وفيراكروز على الساحل الشرقي ، وكانت اليابان مصدراً غنياً بالمعادن ، ففي حوالي 1000 م ، صدّرت اليابان كميات كبيرة من النحاس إلى جيرانها الصين ، والتي حولتها إلى عملات معدنية ومن ثم اعادتها اليهم مرة أخرى كي يتمكن اليابانيون من استخدامها كعملة خاصة بهم . وبالمثل أيضا ، كانت كوريا غنية بالنحاس ، وعلى نفس النهج الياباني صدرّت بوجه خاص جميع إنتاجها من النحاس الخام الى الصين ، بالرغم من أنهم يسكّون عملتهم النحاسية الخاصة ، في حين أنّ الصين تمتلك مناجم النحاس الخاصة بها على طول ضفتي نهر اليانغ تسى الجنوبية ، ولكنها كانت لا تلبي جميع احتياجات البلاد الضخمة.
أقدم موقع لصهر النحاس كان معروفا لدى علماء الآثار هو في صربيا ويعود تاريخه الى 5000 سنة قبل الميلاد. إذ كان للأفران في العصور المبكرة دورا بصهر المركبات الغنية بالنحاس فقط مما ينتج عنه الخبث والذي هو غني بمعدن النحاس ومن ثم تتم معالجته في بوتقة الطين ، ولكن مع تطوير الأفران باستخدام الفحم ومنافيخ الهواء والتي يمكنها أن تصل بالحرارة إلى 1200 درجة مئوية ، أدى الى منتج أكثر نقاءً من تلك الأفران القديمة التي تستخدم جذوع الأشجار كوقود . يذوب النحاس عند درجة حرارة 1084 درجة مئوية ، ولذلك يمكن اختزاله إلى حالة من النحاس النقي المنصهر ومن ثم تجميعه في قاعدة الفرن والذي هو عبارة عن قالب حجري أو طيني لسكب سبيكة النحاس المنصهرة فيه .ومع مرور الوقت وعلى ضوء مراحل التطور الصناعي لدى الحضارات المتقدمة ولا سيما عند الرومان الذين تمكنوا من استغلال الخامات الأكثر تعقيدا مثل كبريتيد النحاس ، إلا أنهم كانوا بارعون جدا في استخراج النحاس بدرجات أكثر من غيرهم ، ولكثرة عمليات التعدين التي حصلت في بعض مناطق الأردن في عهد الرومان ، فإنها قد تركت أثرا بالغا الى الآن وبشكل غير طبيعي على الحيوان والنبات ، فقد لوحظ ارتفاع نسبة النحاس عند بعض الحيوانات وكذلك في محصول القمح في تلك المناطق بالمقارنة مع غيرها .

الاستخدامات
استخدم النحاس ، ببريقه البرتقالي الأحمر اللامع عند صقله ، من قبل العديد من شعوب الحضارات القديمة كمواد لتصنيع المجوهرات والأشياء الفنية مثل التماثيل الصغيرة . كما تم استخدام المعدن لمنتوجات متشابهة بشكل ملحوظ من خلال تأريخ المناطق الجغرافية بدءا من الأتروسكان في إيطاليا إلى حضارة الموتشي في أمريكا الجنوبية ( بيرو ) ، وخاصة الفؤوس ، والمعاول ، والازاميل ، والمكاوي ، والملاقط ، والإبر. وكان النحاس المصقول خياراً شائعا للمواد المستخدمة في مستلزمات المائدة و أطباق الطعام عند فئة الأغنياء في المجتمع . وكان المعدن يستخدم ايضاً لصنع بعض أجزاء الآلات الموسيقية والأدوات الجراحية وكمادة اساسية في الزخرفة والديكور ، وقد اتخذ منتوج النحاس اشكال التيجان ورؤوس الصولجانات والشمعدانات في أوروبا بشكل أكثر تحديدا عند الطبقة الحاكمة .
هناك دليل على استخدام النحاس لفترات بعيدة من التاريخ ، اذ عثر على الكنز المشهور من المصوغات والصناعات النحاسية في كهف " ناحال مشمار" في إسرائيل حيث تم تغليف أكثر من 200 قطعة نحاسية بعناية في حصائر من القصب مدفونة في فترة العصر الحجري ، ويعتقد أنه قد حصل ذلك في الألفية الخامسة قبل الميلاد.
استخدم الرسامون اللون المصري الأزرق في فترة الحضارة المينوية من العصر البرونزي على الألواح الجصيّة ، إذ كان ولعهم باستخدام مركبات النحاس في أعمالهم ، كما كان القدماء يستخدمون النحاس الأحمر والأخضر والأزرق الذي يحمل الأكاسيد في صناعة الأقداح . وكان القرطاجيون يصنعون شفرات حلاقة نحاسية تُدفن مع موتاهم. وعند اكتشاف مخطوطات البحر الميت في كهوف قمران ، عثر على ثلاث صفائح نحاسية رقيقة استخدمت في الكتابة والتي تعتبر الأكثر شهرة من بين المخطوطات الاخرى .
أما الأجراس النحاسية في أمريكا الوسطى والجنوبية التي ربما كانت لها وظيفة إبراز المستوى الطبقي والاجتماعي للفرد ،إذ كان الأزتك حريصون على خزن الأدوات النحاسية وهم مجبرون على ذلك حفاظاً على سلامتهم من القبائل الغازية التي تطالبهم بما يملكون منها مقابل حياتهم ، وعادة ما تتخذ تلك الأدوات في كثير من الأحيان شكل فؤوس مصنوعة من النحاس . وقد تكون هذه الفؤوس ضعيفة للغاية بحيث لا يكون لها أي استخدام وظيفي ، ويعتقد بانها كانت تستعمل كعملة بدائية للمقايضة ايضا . في أمريكا الجنوبية وعند الموقع الأثري ( تيواناكو) بالقرب من بحيرة تيتيكاكا استخدمت المشابك النحاسية ما بين الأحجار في بناء جدران المعبد لإبقائها ثابتة في مكانها . أما قبائل الإنكا ، كانوا يستخدمون النحاس لأغراض عملية وبطريقة شريرة أكثر من غيرهم في الحروب ، إذ قاموا باكساء الهراوات بالمسامير النحاسية الطويلة والمدببة ، كما ارتدى المحاربون صفائح معدنية نحاسية تقيهم الضربات القاتلة من لدن الأعداء ، ولربما كانت تلك الصفائح والتي هي أغلى من الذهب ، بمثابة رموز للرتب القتالية بدلاً من كونها دروع حقيقية .
كان النحاس أكثر فائدة للناس من خلال مزجه مع مواد أخرى لصنع سبيكة أكثر قوة وصلابة وأكثر قدرة على مقاومة التآكل. وهكذا تم صناعة البرونز عن طريق خلط النحاس بالزرنيخ أو الأنتيمون أو القصدير، غير ان سبيكة النحاس الأصفر هي الأسهل والأسرع في صناعتها ، والتي هي عبارة عن خليط من النحاس والزنك ، وبإضافة الرصاص إلى النحاس يصنع سبيكة أكثر صلابة . كذلك استخدم الرومان النحاس لإنتاج المزيد من السبائك ذات الاستعمالات المتعددة ، وفي كثير من الحالات استعيض عن النحاس والبرونز بالحديد الذي كان متاحا بشكل أكبر وملأ الفراغ الناجم عن النقص في القصدير، وكان أصحاب المسابك في أمريكا الوسطى بارعون في إنتاج السبائك ، لا سيما (النحاس والفضة)،(النحاس والذهب) ،(الزرنيخ والنحاس) ،( النحاس والقصدير) . وإذا اتجهنا إلى الجنوب في كولومبيا القديمة ، فكانت سبيكة الذهب والنحاس ، المعروفة باسم ( تومباغا tumbaga ) التي تحظى بشعبية خاصة من دون المعادن الاخرى .

التجارة والعملة
أصبح النحاس سلعة للتبادل بشكل سبائك مسطحة كونها مفيدة للصناعة و أيضا لها قيمة. تم العثور على سبائك النحاس في العديد من أماكن العصر البرونزي مثل " هايا تريادا" (600 كغم تحت مبنى القصر ) و " زاكرس " في جزيرة كريت من خلال حطام سفينة " أولوبورن " التي كانت تحمل في الفترة ( 1330 ـ 1300 ق.م) 348 سبيكة نحاس بوزن اجمالي حوالي عشرة أطنان . والجدير بالذكر من أن هذه السبائك التي عثر عليها في تلك المواقع ، تتميز بأن لها مقبض صغير في كل زاوية من زواياها، وهي صفة مألوفة في العصر البرونزي لمنطقة بحر ايجه ، وقد عثر على قالب الصب لمثل تلك السبائك ، يسمى " oxhide أوكسهايد" في رأس بن هاني في سوريا (ميناء أوغاريت القديم). أما الأشكال الشائعة الأخرى من سبائك النحاس القديمة هي الأقراص الدائرية ، ومشغولات نحاسية من الخواتم والفؤوس والخناجر.
تبين نتائج التحليل الكيميائي لسبائك النحاس القديمة من اليونان وسردينيا، بأن النحاس المحلي كان يستخدم للتصنيع السلعي ، في حين أن النحاس القبرصي احتفظ به كقوالب مخزّنة ، مما يوحي بأن هناك مستويين للاستخدام ، أحدهما للاستخدام الصناعي العملي وآخر كسلعة للتخزين أو لغرض التبادل كهدايا ما بين النخب.
في الواقع ، لربما كان الطلب على المعادن هو الذي أوجد الروابط التجارية المتوسطية المبكرة بين مختلف الإمبراطوريات والممالك في العالم القديم ، فقد عثر على وثائق مثل رسائل تل العمارنة (وربما من قبرص أيضا ) تبين بأن النحاس كان يتداول ما بين مصر ، آشور ، بابل ، مع الامبراطورية الحيثية في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ، ويظهر من خلالها بأنه لا يقيّم كسلعة فحسب ، بل استخدم كقيمة للعملة أيضا .
قام الفينيقيون بنقل النحاس الى مناطق البحر الأبيض المتوسط والخليج فنشأت بعض المراكز التجارية الحيوية للمعادن لتتولى عمليات النقل والتخزين ، ومن هذه المراكز دولة البحرين التي يأتيها النحاس عبر بلاد ما بين النهرين ، ومن ثم يتم نقله إلى " هارابان" في وادي الهندوس ( السند ) في الهند وباكستان ، في حين أصبح الغرب المكسيكي في الفترات الكلاسيكية ومابعدها مركزا مرموقا لإنتاج الأجراس النحاسية والتي تمّ تداولها في جميع أنحاء أمريكا الوسطى . أما حضارة الأمبايكي في شمال بيرو، مثل الأزتيك ، والتي كانت تصنع الفؤوس والمعاول من النحاس لاستخدامها كشكل من أشكال العملة وسبائك بمثابة رؤوس أموال ، فقد عثر عليها مكدسة بعناية عند مواقع أثرية في " باتان غراندي " .
أُستخدم النحاس في العملات المعدنية من قبل الإغريق والرومان والصينيون وغيرهم ، ومن ثم الفضة التي استغرقت وقت طويل لتأخذ دورها في جدول المعادن واختيارها كعملة لها قيمة تفوق قيمة النحاس وبعض المعادن الأخرى ، ولكن لا يزال النحاس له منزلة كبيرة لدى الذهب والفضة فبدونه لايعرفهما التجار والحرفيين والصاغة ،والأهم من ذلك ، قيمته في العملات المعدنية ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جي. الدن ماسون ـ حضارة بيرو القديمة ـ فكنك بنجن للنشر ـ 1975.
اليساندرو باركيسي ـ دليل أكسفورد للدراسات الرومانية ـ مطبعة جامعة أكسفورد ـ 2010.
أليكس بتروورث ـ بومباي ( جنوب ايطاليا ) ـ فينيكس للنشر ـ 2007 .
لي فنغ ـ الصين في العصور المبكرة ـ كامبردج للنشر ـ 2013 .
مايكل إي موسلي ـ الأنكا وأسلافهم ـ التايمز وهدسون للنشر ـ 2001 .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لوري واتكينز: إعلان إيران زيادة تخصيب اليورانيوم أمر مقلق لل


.. رئيس الحكومة اللبنانية يدعو الدول العربية لمساعدة لبنان


.. وزير الخارجية المصري يبدأ جولة إفريقية لتوضيح موقف القاهرة م




.. فيتشسلاف ماتوزوف: أعتقد أن الرد الروسي سيكون مناسب على كل دو


.. المعارضة التركية تسأل أردوغان: أين الـ128 مليار دولار المفقو