الحوار المتمدن - موبايل


لماذا تعثرت النهضة العربية ؟

حمزة الذهبي

2019 / 4 / 14
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


وحده طريق النقد ما زال مفتوحا
كانط
خلف احتكاك العرب مع الحضارة الغربية إثر حملة نابليون على مصر سنة 1798 جرحا نرجسياً أو صدمة عنيفة ، أدت إلى محاولة استيقاظهم ، إن صح القول ، من سباتهم الذي دام لقرون طويلة ، فطُرح سؤال ما العمل ، كيف نخرج من هذا الركود والانحطاط الذي نحن فيه ونلحق بالغرب المتفوق علينا حضاريا وعسكريا ؟ فظهرت ثلاثة إجابات أو اتجاهات رئيسية تجلت في : اتجاه أول دعا إلى تبني الحداثة الغربية بشكل كامل وإحداث قطيعة مع الماضي كسبيل وحيد للنهوض والتقدم. واتجاه ثاني دعا إلى القطيعة مع الحداثة الغربية والعودة إلى الماضي ، إذ رأوا أن سبب تأخرنا ، جمودنا ، انحطاطنا هو تخلينا عن التراث ، فالتقدم لن يتحقق إلا بالإقتداء بالسلف الصالح . واتجاه ثالث حاول التوفيق بين كل من الاتجاهين السابقين وذلك بالدعوة إلى الأخذ من الحضارة الغربية ما لا يتناقض مع قيمنا الدينية ومن التراث العربي الإسلامي ما يساير متطلبات العصر .
لكنها محاولة لم يُكتب لها النجاح ، تعثرت ، لهذا انبرى العديد من المفكرين للبحث عن سبب هذا التعثر ، خصوصا بعد الهزيمة ضد إسرائيل، أو ما يُطلق عليها بنكبة 1967 ، التي ضاعفت من حدة ذلك الجرح وكانت " محفزا على العمل النقدي وتجاوز الأطروحات الإصلاحية الجاهزة "1 فقدموا مشاريع فكرية مهمة " اتسمت بالجدة والجذرية سعت إلى القطيعة مع نمط من التفكير كان سائدا قبل الهزيمة" 2 .
ولعل من أبرز المحاولات في نظرنا هي تلك التي قام بها المفكر المغربي ، محمد عابد الجابري ، وهي محاولة استهدفت آليات العقل العربي ونظمه المعرفية التي سجنته أو بالأحرى سيًّجته زمنا طويلا . إذ أنه رأى أن عدم نقد العقل العربي من أهم عوامل تعثر نهضتنا العربية ، إذ لا يمكن بناء نهضة بعقل غير ناهض ، عقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته ومفاهيمه وتصوراته ورؤاه . فهو آمن الإيمان كله ، بأن نقد العقل العربي جزء أساسي وخطوة أولى في سبيل النهضة ، وكل محاولة تتخطى هذه فمصيرها الفشل ، لهذا جند نفسه بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى للقيام بهذا المشروع الفكري المهم أي نقد العقل العربي وتحريره مما هو ميت أو مترسب في موروثه الثقافي - هذه المهمة التي خلخلت الثوابت والوثوقيات وزعزعت التصورات السائدة و حركت المياه الراكدة وأشعلت فتيل النقاش الذي لا زال مستمرا إلى الآن على الرغم من مرور العديد من السنوات على وفاة صاحب تكوين العقل العربي .
وهي مهمة أغفل ، الكثير من المفكرين النهضويين ، القيام بها . لأنهم لم يدركوا أو لم يعوا أن سلاح النقد يجب أن يسبقه أو يرافقه نقد السلاح 3 . أي نقد العقل العربي ، هذا الأخير أي العقل العربي ـ الذي يقصد به الجابري جملة المبادئ والقواعد التي تقدمها الثقافة العربية للمنتمين إليها كأساس لاكتساب المعرفة أو لنقل تفرضها عليهم كنظام معرفي 4 . وتعريفه هذا أتي انطلاقا من اعتماده على التمييز المشهور الذي أقامه لالاند بين العقل المكوِّن أو الفاعل والعقل المكوَّن أو السائد ، وهو تمييز صاغه لالاند في كتابه ( العقل والمعايير ) وكان أصله سلسلة محاضرات ألقاها في جامعة السربون تحت عنوان (العقل والمبادئ العقلية ) ، فالأول ، أي العقل الفاعل يقصد به النشاط الذهني الذي يقوم به الفكر حين البحث والدراسة والذي يصوغ المفاهيم ويقرر المبادئ . والثاني أي العقل السائد هو مجموع المبادئ والقواعد التي نعتمدها في استدلالاتنا . فالإنسان كما يقول الجابري يشترك مع جميع الناس ، أيا كانوا ، وفي أي عصر كانوا في كونه يتوفر على عقل مكوّن وينفرد هو ومن ينتمي معه إلى نفس الجماعة الثقافية بعقل مكوَّن .
هنا نتساءل أنه إذا اتفقنا على أن العقل العربي هو العقل السائد الذي تكون عن طريق العقل الفاعل . فمتى تشكل هذا العقل ؟ يُجيبنا الجابري في كتابه تكوين العقل العربي بأن هذا العقل تشكل في عصر التدوين ، أي انطلاقا من تلك العملية التي قامت تحت إشراف الدولة ابتداء من منتصف القرن الثاني الهجري وذلك بجمع الموروث الفكري العربي أو بالأحرى " إعادة بناء الموروث الثقافي بالشكل الذي يجعل منه تراثا : أي إطارا مرجعيا لنظرة العربي إلى الأشياء ، إلى الكون والإنسان والمجتمع والتاريخ " ثم يُضيف فيما بعد بأن العقل العربي " هو البنية الثاوية في الثقافية العربية كما تشكلت في عصر التدوين "
فعصر التدوين إذن كما يرى الجابري هو الإطار المرجعي للعقل العربي ، وفيه تأسست النظم المعرفية الثلاث وهي البيان والعرفان والبرهان التي تنتظم فيها مختلف العلوم العربية :
 علوم البيان تضم النحو والفقه والكلام والبلاغة ويؤسسها نظام معرفي واحد يعتمد قياس الغائب على الشاهد كمنهاج في انتاج المعرفة سماه " بالمعقول الديني العربي " وهذه العلوم عربية اسلامية نشأت مع بداية العصر الراشدي أي أن العقل العربي مارس أول نشاط علمي له في هذه العلوم وكان ذلك قبل أن يدخل كما يرى الجابري في حوار مباشر مع الموروث القديم وعلومه العرفانية والبرهانية . ثم يضيف قائلا " والحق أن العقل العربي إنما تكون من خلال تشييده لعلوم البيان التي ابداع فيها ابداعا قل مثيله في تاريخ الفكر البشري ان وعينا بهذه الحقيقة قد جعلنا لا نتردد في التصريح بأنه إذا كانت الفلسفة معجزة اليونان فإن علوم العربية هي معجزة العرب " لكنه يقول فيما بعد أن " هذه العلوم قد بلغت قمتها مع بداية تاريخها وأن العقل العربي الذي شيدها لم يضف ، وما كان يستطيع أن يضيف ، جديدا إلى ما أبدعه فيها خلال عصر التدوين ، لقد بقي سجينا لإنتاج هذا العصر (..) فما ان انتهى عصر التدوين بفترة قصيرة حتى بدأت عملية الاجترار والجمود على التقليد في علوم البيان الذي سد باب الاجتهاد في الفقه وانصرف الناس الى تقليد أئمة المذاهب الأربعة " فهذا المبدأ ، أي قياس الغائب على الشاهد كما أسلفنا قد ترتبت عنه نتائج خطيرة فهي كما يذهب إلى ذلك الجابري في كتابه نحن والتراث إلى إلغاء الزمان والتطور ، فالحاضر كل " حاضر " يقاس على الماضي وكأن الماضي والحاضر والمستقبل عبارة عن بساط ممتد لا يتحرك ولا يتموج ، عبارة عن زمان راكد ومن هنا لا تاريخية للفكر العربي .
 وعلوم العرفان تضم تصوف وفكر شيعي وفلسفة اسماعيلية وتفسير باطني للقرآن وفلسفة اشراقية .. الخ ويؤسسها نظام معرفي يقوم على الكشف والوصال وعلى ما سماه باللامعقول العقلي أو العقل المستقيل ، جاعلا من المعرفة اللدنية بديلا عن القياس الذي يعتمده البيان ويعتبر الجابري أنها أفضت إلى تعطل العقل العلمي واستقالته أما مصدرها فهو الثقافات السابقة للإسلام من غنوصية وثقافة هرمسية .
 وعلوم البرهان تضم منطق ورياضيات وطبيعيات ( بفروعها المختلفة ) .. الخ ويؤسسها نظام معرفي واحد يقوم على الملاحظة التجرييية والاستنتاج العقلي كمنهج وهو ما سماه المعقول العقلي والذي اقتحم الثقافة العربية متأخرا مقارنة مع النظام البياني و العرفاني
وهذه النظم المعرفية الثلاثة في بداية تشكلها في العقل العربي كانت تعرف تصارع وتصادم فيما بينها بهدف السيطرة على العقل المعرفي والعلمي ، لكن بمجرد التداخل فيما بينها دخلت في أزمة خصوصا مع الغزالي إذ يقول الجابري " إذا نظرنا إلى الغزالي كظاهرة فكرية وجدناه عبارة عن ، ملتقى طرق، انتهت إليه النظم المعرفية الثلاثة فالتقت عنده التقاء بنيويا ، أعني صداميّا " وكان البرهان هو الضحية .
في حين تمثل اللحظة الرشدية التي تقصي " العرفان " وتفصل بين البيان والبرهان ، مستعيدة مشروع ابن حزم ، عبر ابن تومرت وابن باجة ولكن على مستوى آخر أغنى وأعمق في نظر الجابري لحظة تأسيسية ، لكنها اختفت في مهدها إذ يقول في كتابه تكوين العقل العربي " نعم ، كانت الرشدية قادرة على طرق آفاق جديدة تماما ، وهذا ما حدث بالفعل ، ولكن في اوربا حيث انتقلت وليس في العالم العربي حيث اختنقت في مهدها ولم يتردد لصيحتها الأولى ، صيحة الميلاد ، أي صدى إلى اليوم .
على سبيل الختم نقول أن محمد عابد الجابري في نقده للعقل العربي والحفر فيه حفرا ابستمولوجيا لم يكن يفعل ذلك من أجل النقد فقط وإنما كان يدعونا إلى تدشين عصر تدوين جديد يقوم على البرهان ، وهنا يبدو واضحا أن الجابري لا يخفي نزعته الرشدية " فما تبقى من تراثنا الفلسفي ، أي ما يمكن أن يكون فيه قادرا على أن يعيش معنا عصرنا ، لا يمكن أن يكون إلا رشديا "
الهوامش :
1- الخطاب الحداثي العربي وإشكالية الثابت والمتحول – د. محمد محمد أمزيان
2- إشكالية التحديث في مشروع الجابري الفكري : مقاربة تحليلية نقدية – مبارك حامدي
3- الخطاب العربي المعاصر:دراسة نقدية تحليلية - محمد عابد الجابري
4- تكوين العقل العربي – محمد عابد الجابري








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ترامب: أريد نظاما صحيا عظيما للأميركيين


.. ترامب: لقد فزت بالرئاسة بسبب فشل إدارة أوباما وبايدن


.. ترامب وبايدن يتبادلان الهجوم بسبب قضية التغير المناخي




.. ترمب: الحدود الأميركية أصبحت آمنة


.. ترمب: فعلت ما لم يفعله رئيس للأميركيين الأفارقة منذ لينوكلن