الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هيت القديمة- قلعة وسور وخندق

قحطان محمد صالح الهيتي

2019 / 5 / 9
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


قلعة هيت
ــــــــــــــ
القلْعَة في اللغة: الحصن الممتنع في جبل، جمعها قِلاعٌ وقِلَعٌ وقَلُوعٌ ؛ فهي الحصن المشرف المنيع(1).

لقد دلت التحريات الآثارية في أور وأريدو وكيش ونفر والوركاء، بأن أغلب مدن العراق التاريخية نشأت فوق بقايا قرى(2) . والمتتبع لتاريخ مدن العراق القديمة يجد كثيرا من الأمثلة التي تدل على مدن ومراكز حضارية قد اندثرت ثم أعيد بناؤها أو أعيد بناء مدينة أخرى على أنقاضها بالقرب منها، ومثال ذلك: مدينة الموصل القديمة التي أقيمت مقابل أطلال مدينة نينوى التاريخية، وقيام مدينة كركوك فوق مستوطن أثري قديم أسمه (أرابخا). كما أن قلعة أربيل اندرست وعمرت عدة مرات وتعاقبت المدينة على نفس الموضع(3) .

ويعلل بعض العلماء قيام الأدوار السكنية المتتابعة أو المتراكمة في المدن القديمة ومنها مدينة هيت بأن سكان العراق القدامى كانوا يعمدون الى تسوية الخرائب، ويستعملون أنقاضها أساسا لمبانيهم الجديدة، وعندما تتكرر هذه العملية مرات ومرات فإن المدن تعلو وتعلو عن السهل الذي يحيط بها. ومن هذه المستوطنات ما أهمل وغادرها أهلها، ومنها ما بقيت حتى يومنا هذا مثل أربيل وكركوك(4) .

وعلى وفق هذا التعليل يمكن القول: بأن مدينة هيت القديمة الحالية (القلعة) قد أعيد بناؤها على أنقاض المدينة التاريخية أكثر من مرة؛ فقد شهدت مدينة هيت أدوارا سكنية تاريخية متتابعة، وذلك قياسا على شكل ملامحها العامة ومقارنتها بمثيلاتها من المدن التي عاصرتها، وريما كان التل سومريا وهو يمثل الدور الأول، ثم أعقبه الدور الأشوري، ثم البابلي والروماني والفرثي، والساساني، ثم الإسلامي(5) .

وكانت مدينة هيت تقع على تلين، أعلاهما ينحدر بشدة الى النهر. وبعد أن دمر الجيش الروماني (دياقيرا) استمر في زحفه بحذاء الضفة اليسرى لنهر الفرات(6) .

وتقع قلعة هيت غربي الفرات على الضفة اليمنى له (7). وهي عبارة عن تل أثري تراكمي وليست تلا طبيعيا، وقد نتج عن تطور الأدوار السكنية وتعاقبها المستمر أحدهما فوق الأخر على مدى العصور(8) .

لم نجد في المصادر التاريخية ما يمكن اعتماده تاريخا لبناء قلعة هيت الحالية ولكن المعروف أن الأشوريين(2000-612ق.م) هم أول من اهتم ببناء قلاع المدن وتحصينها بالأسوار والخنادق، والمراصد فبنوا على الحدود الجنوبية لدولتهم مدنا كانت متشابهة من حيث تخطيطيها وتكوينها مثل: أربيل وكركوك وتكريت وهيت(9) .

ويؤكد الدكتور طارق عبد الوهاب مظلوم أن قلعة هيت من القلاع الآشورية فشكلها يشبه شكل قلعة تكريت وتشبه قلعة أربيل، وتل قوسنجق بنينوى، ومنطقة القصور والمعابد نمرود (كالح) وحلب وقلعة كركوك(10) .

لقد كان مقر الحكومة عبر الأدوار التاريخية للمدينة في القلعة، فقد كانت مقرا للوالي وما يعزز رأينا هذا هو أن أبناء المدينة كانوا يطلقون تسمية الولاية على قلعة هيت، ومنهم من يطلق عليها السور نسبة الى السور الذي كان يحيط بها.

السور والخندق
ـــــــــــــــــــــــ

السور حول المدن يقوم مقام جيش بأكمله، وعند الكشف عن آثار بعض المدن القديمة يجدونها في الغالب محاطة بسور سميك مرتفع يتناسب مع ما كان معروفا آنذاك من الوسائل الحربية(11) . وقد كان العرب قبل الإسلام يسورون مدنهم(12) .

لم نجد في المصادر التاريخية ما يؤكد لنا العهد الذي تم فيه بناء سور مدينة هيت، ولا أي وصف له، ولا المتغيرات التي طرأت عليه، ولكن المؤكد هو أنه كان يحيط بالقلعة على هيئة نصف دائرة ويقع وراء الخندق وله بابان تغلق ليلا ليسد الطريق بوجه الغزاة.

ولا نملك من المعلومات ما يمكن لنا معرفة متى وكيف حفر خندق المدينة؟ وكل الذي بمكن قوله أن خندق هيت كان موجودا قبل أن يفتح المسلمون هيت في سنة 16ه/ 637م في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عندما كتب الى سعد بن ابي وقاص:" أن ابعث إليهم عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف في جند، وابعث على مقدمته الحارث بن يزيد العامري، وعلى مجنبتيه ربعي بن عامر ومالك ابن حبيب، فخرج عمر بن مالك في جنده سائرا نحو هيت، وقدم الحارث ابن يزيد حتى نزل على من بهيت، وقد خندقوا عليهم فلما رأى عمر ابن مالك امتناع القوم بخندقهم واعتصامهم به، استطال ذلك، فترك الأخبية على حالها وخلف عليهم الحارث بن يزيد محاصرهم، وخرج في نصف الناس يعارض الطريق حتى يجيء قرقيسياء في عره، فأخذها عنوة، فأجابوا إلى الجزاء"(13) .

وبعد أن فتح عمر بن مالك قرقيسيا كتب إلى الحارث بن يزيد:" إن هم استجابوا فخل عنهم فليخرجوا، وإلا فخندق على خندقهم خندقا أبوابه مما يليك"(14) .

ولم نجد في المصادر التاريخية والجغرافية أي ذكر لخندق هيت بعد فتحها وتحريرها سنة 16ه/ 637م سوى ما يتناقله الأحفاد عن الأجداد، وما ذكره الشيخ رشاد الخطيب من أن القلعة" كانت الى ما قبل الاحتلال وبعده بسنين محصنة ومحاطة بخندق على هيئة نصف دائرة تتصل نهايتاه بالنهر يسمى الطرف الأول الباب الغربي والطرف الآخر بالباب الشرقي، وهذا الخندق يحفظ المدينة من العدو عندما يجري فيه الماء وعليه قناطر للسابلة"(15) .

ولم يوضح لنا الشيخ رشاد الخطيب أي احتلال يعني، فإذا ما كان يعني الاحتلال البريطاني للعراق(1914-1920م) فهذا غير صحيح لأن محلة القلقة كانت عامرة بالسكان قبل الاحتلال البريطاني وشارع المدينة الرئيس وعلاوي التجار والحوانيت والخانات كانت قائمة فيه، فضلا عن أن السراي (مركز الشرطة ومديرية الناحية) كان خارج القلعة، وما يؤيد رأينا هذا هو أن الرحالة ألوا موسيل الذي مر بهيت في نيسان 1912 م أي: قبل الاحتلال البريطاني بسنتين لم يذكر وجود الخندق بل وصف المدينة آنذاك بقوله:"ويفصل المدينة القائمة على الربوة المخروطية عن (الخانات) والمخازن التي في لحفها الجنوبي الغربي شارع عريض"(16) .

أبواب القلعة
ــــــــــــــــــ

لقد كان الدخول الى قلعة المدينة يتم عبر بابين رئيسيين هما: الباب الغربي، والباب الشرقي، وقد ظلت مداخل هذين البابين قائمة الى وقت قريب تبدو عليها معالم المتانة والمنعة، وقد تهدمت اقواسها العلي(17)ا .

وكان الدخول والخروج من والى المناطق الزراعية والبساتين من الباب الغربي، وهو طريق الوصل بين المدينة والبادية وبلاد الشام. أما الباب الشرقي فمنه كان الدخول والخروج من والى (فرضة المدينة) وهي مينائها المعروف بـالـ (إسكله) وفيه ترسو جميع وسائط النقل النهري آنذاك مثل: العسائب (الكايات) والشخاتير والزوارق، فضلا عن أنه كان بمثابة سوقا للتبادل التجاري لما تصدره المدينة وما تستورده من مواد مختلفة، وفي الإسكله كانت تصنع بعض وسائل النقل النهري. وبهذا الباب ترتبط المدينة بالسهل الرسوبي أو ما كان يعرف بأرض السواد.
وللمدينة باب ثالث ينحدر من القلعة باتجاه نهر الفرات (الجهة الشمالية)، ويقع قرب جامع الفاروق ويعرف بباب (السٍنْجَهْ)، وهو باب الدخول إلى مدينة هيت القديمة (القلعة) من جهة نهر الفرات.

والسَنْجة بفتح فسكون، سَنْجة الميزان، ما يوزن به، ولا نعتقد بأن تسمية باب السِنْجة في هيت مأخوذة من سنجة الميزان، بل أنها مأخوذة من كلمة (سًنجق)، وهي كلمة تركية تلفظ بالعامية (سنجك بالكاف المعجمة) وتعني وحدة إدارية أو إقطاعية. وقد اعتمد الهيتيون هذه الكلمة للدلالة على الريف.

ويعتقد أن هذا الباب قد فتح عوضا عن النفق السري (باب السر) المحتمل وجوده كما هو الحال في أغلب القلاع الآشورية والغرض منه ربط القلعة بالنهر لاستخدامه في الحالات الضرورية مثل: جلب الماء والمؤن وقت الحصار الطويل، أو يستخدم لإيصال الإمدادات، وربما للهرب وقت الضيق(18) .

ولا يوجد للقلعة باب رابع كما يظن بعض الباحثين، لأنَّ الباب الواقع في الجهة الجنوبية للمدينة (باب الدَرَج) لم يكن بابا قائما، بل هو منفذ فتح في وقت لاحق بعد أن جفَّ الخندق وتهدم سور المدينة، ونزول بعض أبناء القلعة الى محلة القلقة بعد أن ضاقت بهم القلعة بسبب الزيادة السكانية وقلة الخدمات؛ فكان لابد من طريق يُقرّب المسافة بين القلعة والأحياء الجديدة، ولا يمكن تصور وجود هذا الباب مع وجود السور والخندق وارتفاع القلعة من هذه الجهة، فضلا عن عدم وجود بوابة له كما هي في البابين الغربي والشرقي.

لقد كان طريق النزول والصعود من القلعة واليها طريقا نيسميا ترابيا ضيقا قبل أن تشيّد الدولة درجا من الإسمنت لتسهيل نزول وصعود أبناء المدينة من القلعة واليها ولإدامة التواصل بينهم، وقد شّيّد هذا الدَرَج في منتصف القرن العشرين وما زالت معالمه قائمة الى الآن.

القلعة والسور عبر التاريخ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إن أي ذكر ورد في المصادر التاريخية لمدينة هيت عبر الأدوار التاريخية يعني قلعة هيت؛ فقد كانت القلعة قبل الإسلام مركز إدارة المدينة ومن بيدهم الحل والعقد، كما كانت مقرا للمدافعين عنها، وفيها مستودعات الذخيرة الحربية والمواد الغذائية. وما يؤكد هذا هو ما رواه المؤرخون عندما فتحها المسلمون سنة 16ه/ 637م ؛ فقد نزل المسلمون على أهل هيت الذين أغلقوا ابواب المدينة الثلاثة، وتحصنوا بسورها وقلعتها المنيعة وخندقها وبعد حصارها تم فتحها صلحا(19) .

لقد احدث المسلمون بعد فتح هيت بعض التحولات في قلعة هيت التي وجدوها عامرة آهلة خاصة بعد مشاطرتهم الكنيسة(20) ، ويعتقد أن جامع الفاروق قد أنشأ لأول مرة على نصف كنيسة هيت حسب اتفاق الصلح، بعدها الحق الشطر الثاني من الكنيسة بالجامع بعد زيادة عدد المسلمين وانسحاب النصارى الى بلدانهم.

وكان في قلعة هيت قبل الإسلام دير رهبان هو الدير الذي لجأ اليه كسرى ابرويز وخالاه بندويه وبسطام هربا من بهرام عام 148ق.م قاصدا القيصر لنصرته لتولي عرش فارس(21) .

إن وجود كنيسة أو دير رهبان في هيت يعني وجود نصارى ويهود في المدينة قبل الفتح الإسلامي لها، ويؤكد أن اليهود من أقدم سكانها، وبرأينا فإنهم من يهود السبي البابلي الثاني الذي حصل سنة 586ق.م الذين؛ فقد استوطن بعضهم الأرض الممتدة بين هيت وحديثة والتي تعرف بجنة عدن الأكدية(22) .

لقد حدد الجغرافيون والرحالة موضع هيت وذكروا قلعتها وسورها وخندقها من خلال وصفهم لها؛ فقال الأصطخري (ت:341ه/956م)"هيت مدينة وسطة على غربي الفرات وعليها حصن وهي عامرة آهله"(24) .
ووصفها ابن حوقل(ت: 367ه/979م) قائلا:" وعليها حصن وهي من أعمر المدن" (25). وقال آخر:" وهي مدينة عليها سور حصين، عامرة ذات نعمة"(26) . ووصفها المقدسي(ت:380 ه/875م) بأنها:" كبيرة عليها سور على الفرات" .وقال عنها الإدريسي(ت:560ه/1166م) :"وهيت مدينة من غربي الفرات عليها حصن وهي من أعمر المدن"(27) .

وقال عنها القزويني المستوفي( ت:682ه /1283م):"هيت مدينة محصنة بقلعة متينة، وتقع مباشرة على الضفة الغربية لنهر الفرات" (28). وذكرها الخطيب الجوهري (ت:899ه/1494م) بقوله:" هيت من مدن العراق، ذات سور وقلعة حصينة "(29).
ويقول الرحالة ليو نهارت راوولف عندما وصلها بتاريخ 20-21/10/1573م:" هيت مدينة كبيرة تقع على الضفة اليمنى من الفرات فوق ارض"(30) .

ويذكر المستشرق كي لسترنج في كتابه بلدان الخلافة الشرقية الذي أصدره سنة(1323ه/1905م) موضع المدينة بأنها تقع على جانب الفرات الغربي وعليها سور، ولها قلعة حصينة"(31) .

وفي رحلته الوصفية يصف لنا الوا موسيل مدينة هيت التي مر بها سنة 1912م قائلا:" مدينة هيت تغطي ربوة مصفرة اللون مخروطية من أعلاها إلى أدناها، ويبلغ ارتفاعها نحو (30) مترا وتقع أوسع البيوت وأعلاها في الجانب الشرقي، حيث المسجد القديم ومنارته المائلة أيضا، ويفصل المدينة القائمة الربوة المخروطية عن (الخانات) والمخازن التي في لحفها الجنوبي الغربي شارع عريض ، وتوجد بين الضاحية وبساتين الدوارة أفران تستخدم لصهر القار وتصفيته"(32) .

ويصفها العلامة طه باقر قائلا:" كانت هيت الى زمن قريب تنحصر بيوتها فوق تل أثري على غرار كركوك واربيل، في وسطه منارة شبيهة بمنارة المعمورة، ويحيط بالتل خندق على هيئة نصف دائرة تتصل نهايته بالفرات"(33) . ووصفها العلامة حسين علي محفوظ بأنها" بلدة يحيط بها سور محكم، عامرة ذات نعمة "(34).

ويشير الدكتور صالح فليح الهيتي إلى أن مدينة هيت" كانت ميناءً نهريا مهما، كما كانت محطة للقوافل القادمة من الصحراء، فهي تجمع بين صفات البيئة الصحراوية، والبيئة الريفية الزراعية، والحضرية في نفس الوقت"(35) .

ومن خلال الروايات التاريخية نجد أن قلعة هيت تعرضت الى الحرق والهدم والتدمير مرات ومرات. كما تعرضت للغرق بسبب فيضانات نهر الفرات في سنوات مختلفة، وفي أثناء الحرب الرومانية –الساسانية تعرضت مدينة هيت الى التخريب المتعمد. ففي عام 363م قاد الإمبراطور الروماني جوليان (361-363م) جيشاً كبيراً يعززه اسطول نهري في الفرات وبلغ مدينة دياكيرا (diacira) أي بيت كيرا بالآرامية (هيت) أي بيت القار، وعندما وصلها كان أهلها قد هجروها. وقد وصف القائد اميانوس مرسيثلنيوس بأن الجيش الروماني حينما نزل إلى مدينة هيت وجد أنها مليئة بالغلال والملح، ووجد بعض النسوة فقتلهن. ولاحظ وجود معبد على قمة عالية، وقد تحول هذا المعبد في الجيل التالي إلى كنيسة، ومع ذلك قام الجيش الروماني بتهديم المدينة(36) .

كما تعرضت قلعة هيت وسورها الى بعض الأحداث الطبيعية والبشرية أضرّت بها، وغيرت الكثير من معالمها وأبرز تلك الأحداث هي ما قام به القرامطة، فقد هاجموا في سنة 293ه/903م مدينة هيت بقيادة القرمطي المسمى نصرا فاحرقوا منازلها ونهبوها، وقد" تحصن أهل المدينة بسورها"(37) .
وفي سنة 315ه/ 926م هاجموا المدينة وكان القتال على السور مع عسكر الخليفة(38) . وفي السنة التالية عاد القرامطة لمهاجمة المدينة ، فارتدوا خائبين" أمام سورها المنيع الذي أحكم جيدا وكان أهلها يقاتلون من ورائه"(39) .

ومن الكوارث الطبيعية التي أدت الى تدمير سور المدينة والحاق الضرر بقلعتها هي غرق المدينة اكثر من مرة؛ ففي سنة 329ه/940م غرقت هيت وسقط سورها(40) . وفي سنة 652ه/1254م غرقت هيت(41) . وكذلك غرقت في ستة 653ه/1255 (42)، كما غرقت في سنة 655ه/ 1254م وفي سنة685هـ /1286م غرقت هيت وارتفعت الأسعار(43) .

من هذا كله يتأكد لنا بإن سور مدينة هيت تعرض مرارا للغرق والهدم، وأعيد بناؤه أكثر من مرة.

لقد بقيت قلعة هيت حتى ستينات القرن العشرين من المعالم التاريخية لكونها ظلت محتفظة بشكلها ونسيجها الحضري آهلة بالسكان، إلى أن بدأ بعض ابنائها بهجر دورهم لأسباب عدة منها: ضيق القلعة فلم تعد تستوعب الزيادة السكانية فيها، وعدم إمكانية توفير الخدمات لها بما يواكب التطورات الاجتماعية والاقتصادية، ومع هذا بقي بعض السكان فيها الى هذا اليوم تربطهم بها الرابطة الوجدانية القائمة على اعتزازهم بالماضي ولربط الأحفاد بأجداد(44) .

والجدير بالذكر ان طرقات هذه القلعة وازقتها ضيقة ملتوية ترتفع وتنحدر بارتفاع وانحدار الأرض وقد شيدت بيوتها من الصخور المنحوته وتكثر فيها الغرف المتداخلة مع بعضها وتكاد اكثرها تكون خالية من النوافذ الا من فتحات في اعلى السقف تعرف بـ( السوامه) (45) التي إسمها من السماء كونها المنفذ الوحيد الذي يرى من خلاله أهل الدار السماء، ومنها يدخل ضوء الشمس والقمر، وهي مصدر تجدد الهواء.

لم تكن في القلعة حارات، بل كانت فيها بيوتات صغيرة متقاربة متداخلة بعضها ببعض، دروبها ضيقة ملتوية، يعرف كل واحد منها باسم أشهر ساكنيه، وتلتقي جميعها بالدرب الرئيس الذي هو صلة الوصل بين بابيها الغربي والشرقي. وعلى جانبيه توجد الحوانيت التي تميزت بصغر مساحتها.
وكان الهيتيون يبنون بيوتهم من مواد انشائية متوفرة محليا مثل: الصخور وحجر الكلس والرمل والحصى واللبن ويسقفونها بعسيب وجذوع النخيل ويبلطون سقوفها بالقار وشبابيكها من اخشاب الاشجار المتوفرة في بساتينهم. ويصنعون ابواب مساكنه ويطلون جدران دورهم بالأستامبر (الطين الأصفر). ويصنعون ابواب مساكنهم وشبابيكها من اخشاب الاشجار المتوفرة في بساتينهم(46) .

لقد وصف الدكتور نابليون ماريني القلعة ودروبها وبيوتها في عام 1903 وصفا دقيقا :"بيوت هيت القديمة كانت مبنية بالأجر او اللبن مع الطين الاحمر على هيئة مربعات ملتصقة بعضها ببعض وكل مربغ قائم بذاته متقسم الى عدة قطع صغيرة ذات طبقة واحدة . اما مساكنها الحديثة فلا تختلف عن القديمة بما يستلفت النظر اليه الا انها قائمة على التل مبنية ايضا بالآجر والطين الأحمر أو باللبن مع القير أو مع الكلس كلها ملتصقة بعضها ببعض ذات طبقة واحدة واطئة لا يستثنى منها الا ثلاثة مساكن ذات طبقتين واطئة فعالية على الطراز البغدادي أي أن صحن الدار مكشوفة للسماء غير مسقوف ولها نوافذ ومقاصير (جمع مقصورة) تطل على النهر مدهونة بالصبغ الملون من داخل ومن خارج ويذكر ماريني ان كل بيت مكون من ثلاثة حيطان والحائط الرابع لاصق بمسكن آخر ولا تجد في كل جهاته الثلاث سوى ثلاث نوافذ لابل شقوق مستطيلة الشكل لا يزيد عرض الواحد على شير الرجل وهي مفتوحة ليلا ونهارا ولا تسد الا عند قرب الشتاء... والباب مفتوح على صحن الدار راسا بدون درج او عتبة ... ثم ان المسكن مظلم يشتمل على مقصورتين صغيرتين واحدة للمؤنة والثانية للنوم. والصحن يحتوي على التنور ومخزن الماء والمستراح والمطبخ"(47) .

وتميزت قلعة هيت بالسقائف القديمة وكانت منتشرة انتشارا كبيرا وقد ذكر لنا الشيخ رشاد الخطيب (21) سقيفة تحمل كل واحدة منها اسم البيت الذي تعود اليه وهذه السقائف هي:

سقيفة بيت الفليوي. سقيفة بيت اجعاطه. سقيفة بيت شايع. سقيفة بيت الكيلاني. سقيفة بيت حمد رمضان. سقيفة بيت اذياب. سقيفة بيت الدهانه. سقيفة بيت صجري. سقيفة بيت ابو الطيب. سقيفة بيت المواذنه. سقيفة بيت ابريكع. سقيفة بيت الدلوجيه. سقيفة بيت سعد عبد القادر. سقيفة بيت ادريب. سقيفة حاجي عاشور. سقيفة بيت طه عثمان. سقيفة بيت ضامن. سقيفة بيت ختله. سقيفة بيت ملا علي. سقيفة بيت اعبيد حماشي. سقيفة بيت صالح النجار.

وما يلفت النظر أن أسماء هذه السقائف مثل دروب القلعة ودواوينها تعرف بأسماء بيوت أهلها؛ فلم نقرأ، ولم نسمع سقيفة أو درب أو ديوان باسم العشيرة الفلانية، وهذا ما يدل على مَدنِية أهل هيت، ففي البيت الهيتي ذابت العشائرية بسبب المصاهرة بين أبناء المدينة، حيث نجد في البيت الواحد تعدد الانتماءات العشائرية لزوجات أبنائه، فيقولون هذه (كنّة) بيت فلان ويسري ذلك على أبنائهم، وبهذا يسمو الانتماء للبيت على حساب الولاء للعشيرة.

خراب القلعة
ـــــــــــــــــــ
كثيرة هي الأسباب التي أدت الى ما وصلت اليه قلعة هيت اليوم منها:

1. عدم اهتمام مديرية الآثار العامة بهذا الأثر التاريخي المهم، وعدم تسجيله ضمن مواقع قضاء هيت الآثارية بالإضبارة المرقمة (163) ونشرت ذلك في جريدة الوقائع العراقية بعددها ذي الرقم 1465 الصادر بتاريخ 17/10/ 1935 فقد كان على المديرية المذكورة أن تسجل قلعة هيت ضمن المواقع الآثارية سواء في ذلك العهد أو في العهود التالية له، فلو أن هذه المديرية أصدرت بيانا باعتبار قلعة هيت أثرا لما امتدت اليه أيدي السلطات لتتصرف به كما يحلو لها، ولا التجاوز عليها من قبل الأشخاص.

2. الإهمال والعبث في أبنيتها، وعدم اهتمام الجهات الرسمية بها سيما بعد ان هجرها سكنتها بعد أن ضاقت بهم، ولعدم توفير الخدمات البلدية المناسبة لمن بقي فيها منهم.

3.لقد كانت ضربة أول معول لبناء قاعدة خزان ماء المدينة، ومد شبكة أنابيب إسالة الماء بعد إنشاء مشروع الماء الصالح للشرب الى مدينة هيت ومنها القلعة في عام 1956 أول ضربة في هدم هذه القلعة التراثية؛ فقد أدى ذلك الى هدم بعض الدور من أجل نصب الخزان، كما أن دفن أنابيب الإسالة في دروبها الضيقة، وصعوبة اكتشاف وصيانة انكساراتها وعدم اكتشافها او معالجتها بالسرعة اللازمة أدت الى بعض الخراب في دروبها وبيوتها. ومثلما حدث عند نصب الخزان حدث عند بيعه ورفعة ونقل أنقاضه الى خارج القلعة؛ فقد أدى هذا الفعل الى فتح طريق لمرور الاليات وبسبب ذلك تضررت بعض الدروب والكثير من البيوت.

4.تجربف مساحات واسعة منها، وبالتحديد في الجانب المحاذي لنهر الفرات وهي أجمل وأثمن وأغلى ما فيها لإنشاء الكورنيش، أفقدَ القلعة الكثير من معالمها الأثرية بل دمرّها، فما كان على الجهات المسؤولة في حينه أن تدمر حضارة مدينة عمرها 5000 سنة لإنشاء شارع لا يتجاوز طوله 500 مترا، لم تنتفع منه المدينة أكثر من السماح لبعض الإشخاص بالتجاوز على النهر وتشويه منظر المدينة.

5.قيام بعض ابناء القلعة بشراء البيوتات المجاورة لبيوتهم، ومن ثم هدمها وتسويتها وبناء دور ومحلات عليها بمواد إنشائية وبطرز هندسية حديثة ادى الى تشويه الوجه التراثي للقلعة.

الهوامش
ــــــــــــــــــــ
1. ابن منظور، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين (ت: 711هـ / 1312م)، لسان العرب، دار صادر، ط3، (بيروت،1414هـ)، ج8، ص290.
2.أحمد سوسة، حضارة وادي الرافدين بين الساميين والسومريين، دار الرشيد للنشر، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1980)، ص92.
3. عبد الرزاق عباس حسين، نشأة مدن العراق وتطورها، معهد البحوث والدراسات العربية، المطبعة الحديثة، القاهرة، 1973)، ص94-100.
4. شريف يوسف، تاريخ فن العمارة العراقية في مختلف العصور، دار الرشيد للنشر، (بغداد،1082) ص148.
5. عباس جاسم محمد الدليمي، مدينة هيت، دراسة في الجغرافية التاريخية حتى سنة 656ه /1258م، رسالة ماجستير، معهد التاريخ العربي، 2001، ص200.
6. الوا موسيل، الفرات رحلة وصفية ودراسات تاريخية، ترجمة صدقي حمدي وعبد المطلب عبد الرحمن، مراجعة صالح احمد العلي وعلي محمد المياح، مطبوعات المجمع العلمي العراقي، (بغداد،1990)، 352.
7. الأصطخري، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد، مسالك الممالك، ليدن بريل ـ،1927، ص77.
8. عباس جاسم محمد الدليمي، مدينة هيت، ص200.
9. المرجع نفسه، ص202.
10. (تكريت ومكانتها في حضارة وادي الرافدين) موسوعة مدينة تكريت ج1، ص119.
11. مالك الدليمي ومحمد العبيدي، التخطيط الحضري والمشكلات الإنسانية، مطابع دار الحكمة، (الموصل،1990)، ص358 – 359.
12. ناجي معروف، إصالة الحضارة العربية، مطبعة الزمان، (بغداد،1969)، ص120.
13. الطبري، تاريخ الطبري، ج2، ص475.
14. المصدر نفسه.
15. رشاد الخطيب، هيت في اطارها القديم والحديث، مطبعة اسعد، (بغداد،1966)،ج1، ص29.
16. الفرات الأوسط رحلة وصفية، منشورات المجمع العلمي العراقي، (بغداد،1990)، ص50
17. رشاد الخطيب، هيت في اطارها القديم والحديث، ج1، ص29.
18. عباس جاسم محمد الدليمي، مدينة هيت، ص211.
19. الطبري، محمد بن جرير أبو جعفر (ت:310ه/922مـ)، تاريخ الطبري، دار التراث، ط2، (بيروت،1387هـ)، ج4، ص38.
20. البلاذري، ابو الحسن أحمد بن يحيى(ت:279ه/892م)، فتوح البلدان، دار الكتب العلمية، (بيروت،1978م)، ص183.
21. الدينوري، أبو حنيفة أحمد بن داود (ت:282هـ/ 895م)، الأخبار الطوال تحقيق: عبد المنعم عامر، دار إحياء الكتاب العربي، ط1، (القاهرة، 1960) ص87.
22. وليم وليكوكس، جنة عدن الى عيون نهر الأردن، تعريب محمد الهاشمي، مطبعة المعارف، (بغداد،1955).
23. الأصطخري، مسالك الممالك، ص54.
24. صورة الأرض، طبع مكتبة الحياة للطباعة والنشر، (بيروت، د.ت)، ص205.
25. مؤلف مجهول (توفي: بعد 372هـ)، حدود العالم من المشرق إلى المغرب، محقق ومترجم الكتاب (عن الفارسية) يوسف الهادي، الدار الثقافية للنشر، القاهرة ،1423 هـ)، ص163.
26. أحسن التقاسيم، ص123
27. نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، عالم الكتب،ط1، (بيروت،1409ه)،ج2،ص656.
28. آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر، بيروت،1960)، ص281.
29. علي بن داوود الصيرفي، نزهة النفوس والابدان في تواريخ الازمان، تحقيق، حسن حبشي، مطبعة دار الكتب، مصر،1973، ج3، هامش، ص231.
30. ليونهارت راوولف، رحلة إلى المشرق، ترجمة وتعليق سليم طه التكريتي، وزارة الثقافة والإعلام، (بغداد،1987)، ص159.
31. بلدان الخلافة الشرقية، نقله الى العربية بشير فرنسيس وكوركيس عواد، (بيروت،1979)، ص90.
32 الفرات الأوسط رحلة وصفية، منشورات المجمع العلمي العراقي، (بغداد،1990)، ص50.
33. المرشد الى مواطن الحضارة، ص11.
34. (جغرافية العراق والجزيرة قبل ألف عام)، مجلة سومر، المجلد العاشر/1954، ج1، ص125.
35. (طريق القار الى بابل دراسة في الجغرافية الإقليمية)، مجلة الجمعية الجغرافية العراقية، العدد23 /1989، ص13.
36. ألوا موسيل، الفرات الأوسط، ص352.
37. ابن الأثير، عز الدين علي بن ابي الكرم(ت:630ه/1232م) الكامل في التاريخ، دار صادر، (بيروت،1965م)، ج7، ص542.
38. المسعودي، ابو الحين علي بن الحيسين(ت:346ه/957م) التنبيه والإشراف، دار التراث، (بيروت،1968م) ص332.
39. المصدر نفسه، ص344,
40. الهمداني، محمد بن عبد الملك(ت:521ه/1127م)، تكملة تاريخ الطبري، تحقيق البرت يوسف كنعان، المطبعة الكاثوليكية، (بيروت،1958) ص182.
41. الغساني، الملك الأشرف إسماعيل بن العباس(ت:803ه/1400م)، العسجد المسبوك، تحقيق الدكتور شاكر محمود عبد المنعم، دار البيان، (بغداد،1975)، ص601.
42. مؤلف مجهول، الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة التاسعة، تحقيق مصطفى جواد، مطبعة الفرات، (بغداد،1933)، ص303.
43. المصدر نفسه.
44. تقي الدباغ (البحث عن الآثار) مجلة كلية الآداب جامعة بغداد، العدد الحادي عشر/ 1968، ص204.
45. رشاد الخطيب، هيت في اطارها القديم والحديث، مطبعة اسعد، (بغداد،1966)، ج1، ص29.
46 رشاد الخطيب، مرجع سابق، ج2، ص115-116.
47. نابليون مارونيي، هيت وينابيعها المعدنية، مجلة المشرق، المطبعة الكاثوليكية، السنة السادسة 1903، ص422-447.
48. المصدر نفسه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فيديو يظهر لحظة الاعتداء على زوج نانسي بيلوسي


.. الهجمات السيبرانية تشتعل بين الغرب وموسكو وسط تبادل الاتهام




.. شاهد| كاميرا مراقبة تظهر لحظة تنفيذ إطلاق النار في سلوان بال


.. الكابينت سيعقد اجتماعا طارئا بمقر الشاباك




.. -هنا لندن- إلى المنصات الرقمية: الزمن يتغيّر ولكن لا يتوقف