الحوار المتمدن - موبايل


محمد عابد الجابري – عيوب الخطاب العربي المعاصر

حمزة الذهبي

2019 / 5 / 22
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


تمهيد .
محمد عابد الجابري ، هذا الرشدي حتى العظم ، استطاع ، بما لا يدع مجالا للشك ، أن يحرك المياه الراكدة وأن يحفر اسمه عميقا كأحد أهم وأبرز المفكرين العرب المعاصرين الذين سعوا إلى " مساءلة مكونات العقل العربي بهدف الكشف عن آليات هذا العقل وأسسه المعرفية والابتعاد ، جهد الإمكان ، عن المناظرة الأيديولوجية والمذهبية التي تحكمت في الفكر العربي منذ عصر النهضة إلى الآن "1. مقتحما بذلك ، عن طريق أعماله الغزيرة والرصينة ، آفاق جديدة غير مُقتحمة إن صح التعبير . وهو مجهود جبار ـ يمكن اعتباره شهادة على أنه - كما يقول عبد الأله بلقزيز – " قد ذهب في التحدي المعرفي مذهب النساك المعتكفين في صومعة المعرفة لا يشغلهم عنها شاغل ".2
محمد عابد الجابري ، هذا الرجل ، في بداية مسيرته الفكرية ، أي قبل كتابة رباعيته أو مشروعه الفكري الشهير الموسوم ب" نقد العقل العربي" الذي أثار العديد من التساؤلات وفتح باب النقاش والسجال الذي لم ينغلق لحد كتابة هذه الأسطر ، ألف كتاب ، بمثابة تمهيد لمشروعه النقدي ، لا يتوقف عنده الكثير من القراء والباحثين ـ وهو كتاب تحت عنوان " الخطاب العربي المعاصر " يقع في خمسة فصول بعد المقدمة ، قدم فيه ، الجابري ، دراسة نقدية إبستمولوجية لا إيديولوحية ، للخطاب العربي المعاصر مُظهرا أسباب تعثره وفشله .
بيد أنه قبل الحديث عن كيف تتجلى أسباب فشل هذا الخطاب ، من أجدر بي ، التعريف ولو بشكل عام ، بهذا المفكر الذي كنت أتمنى أن أقول أنه لا يحتاج إلى ورقة تعريف – خصوصا وأنه كان ذائع الصيت في وقت من الأوقات وذلك بشهادة الناقد اللبناني علي الحرب الذي قال في كتابه نقد النقد : " ربما لا نبالغ في القول بأن الدكتور محمد عابد الجابري هو من أوسع المفكرين العرب شهرة ، فاسمه هو الآن من أكثر الأسماء تداولا في الأوساط الفكرية والدوائر الفلسفية العربية ، وأفكاره تلقى رواجا لدى قطاع واسع من المثقفين والطلبة العرب " ـ لكن لأننا نعيش في هذا الزمن المجلل بالعار الذي يُهمش فيه المفكرين ، ويتم فيه إبراز كل ما هو تافه ورديء ، يُصبح التعريف بمفكرينا أمرا لا مفر منه . إذن فمن هو محمد عابد الجابري ؟
الجابري - نظرة عن كثب :
مفكر مغربي ولد سنة 1939 وتوفي سنة 2010 تميز ب حس بيداغوجي ، ووعي سياسي ، وتكوين فلسفي متعدد الاهتمامات ، وإلمام بنصوص التراث 3 ، عُرف بحفره في العقل العربي ، كاشفا عن مصادر تكوينه وبنيته ثم عن تجلياته السياسية والأخلاقية ، لهذا ما إن يذكر اسم العقل العربي حتى يذكر اسم محمد عابد الجابري ومشروعه الهادف إذ أنه لم يمارس النقد من أجل النقد بل من أجل هدف أسمى وهو التحرر مما هو ميت ومتخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي والهدف : فسح المجال للحياة كي تستأنف فينا دورتها وتعيد فينا زرعها"
أثارت أفكاره أو بالأحرى أطروحاته ، العديد من النقاش ، وكانت صادمة للمتلقي ، وتعرض على إثرها للنقد ، وبالأخص حديثه عن وجود قطيعة ابستمولوجية بين المدرسة المشرقية بزعامة ابن سينا والمدرسة المغربية بزعامة ابن رشد ، معتبرا أن المدرسة المشرقية كانت لا عقلانية ، و قد كرست اتجاها روحانيا غنوصيا كان له أبعد الأثر في استقالة العقل العربي وتعطله . والغنوصية لمن لا يعرف معناها فهي الإيمان بوجود مصدر آخر للمعرفة غير العقل والنقل وهو العرفان . في حين أنه اعتبر أن المدرسة المغربية كانت عقلانية متحررة من هاجس " قياس الغائب على الشاهد " ودمج الدين في الفلسفة والفلسفة في الدين ، لكنها اختفت في مهدها ولم يتردد لصيحتها أي صدى إلى اليوم .
من أعماله على سبيل الذكر لا الحصر : مدخل إلى فلسفة العلوم في جزأين ، نحن والتراث ، الخطاب العربي المعاصر الذي هو موضوع مقالنا هذا ، وليس أخيرا مشروعه الفكري نقد العقل العربي .
الخطاب العربي المعاصر :
يقصد الجابري بالخطاب العربي المعاصر مجموعة من النصوص الذي أنتجها الفكر العربي المعاصر ابتداء من اليقظة العربية مع أوائل القرن التاسع عشر إلى حدود أوائل الثمانينات – لحظة تأليف الكتاب – وقد صنف هذا الخطاب إلى أربعة أصناف : الخطاب النهضوي ، الخطاب القومي ، الخطاب السياسي ، الخطاب الفلسفي ، مع تأكيده على أن هذا التصنيف هو مجرد إجراء منهجي . مجرد أقواس مؤقتة تساعده على الفصل بين قضايا مترابطة بطبيعتها . . أما القراءة التي اقترحها ، صاحب نحن والتراث ، لقراءة الخطاب العربي الحديث والمعاصر من بين قراءات أخرى فهي القراءة التشخيصية التي ترمي إلى تشخيص العيوب والتناقضات التي يحملها الخطاب سواء على سطحه أو داخل هيكله العام . فهو لا يهتم بمضمونه الأيديولوجي ولا بمحتواه المعرفي بل ما يهمه منه هو كونه يحمل علامات العقل الذي ينتجه أو علامات اللاعقل في الخطاب العربي الحديث والمعاصر.موظفا في ذلك مفاهيم تنتمي إلى فلسفات أو منهجيات أو " قراءات " مختلفة متباينة ، مفاهيم يمكن الرجوع ببعضها إلى كانت أو فرويد أو باشلار أو ألتوسير أو فوكو . بالإضافة إلى عدد من مقولات الماركسية 4 . وانطلاقا من ذلك خلص محمد عابد الجابري إلى أن الخطاب العربي المعاصر لم يسجل أي تقدم في القضايا التي عالجها ، ، بل ظل سجين بدائل، يدور في حلقة مفرغة، لا يتقدم خطوة إلا ليعود القهقرى خطوة، لينتهي به الأمر في الأخير إما إلى إحالة القضية على المستقبل و إما إلى الوقوف عند الاعتراف بالوقوع في أزمة . أما سبب ذلك ، أي سبب هذا الفشل ـ فيكمن في أن الفكر العربي : أ ولا فكر عاجز يُهيمن عليه نموذج – السلف الذي يعتبره الجابري المسؤول عن انصراف الفكر العربي عن مواجهة الواقع إذ أنه يتعامل مع الممكنات الذهنبة كأنها معطيات واقيعة . فأن يكون الخطاب ، أي خطاب ، محكوما " بالسلف " معناه – كما يقول الجابري – أنه خطاب لا يرى الواقع كما هو ، لا يعبر عنه ولا يعرّف به ، وبالتالي لا يرى المستقبل إلا من خلال التمثال الذي يقيمه في ذهنه ل السلف الذي يستكين إليه ، بل يستسلم له ، فهو إذن خطاب وعي مستلب . 5 بالإضافة إلى ذلك فإن هذا النموذج أي " نموذج السلف " هو الذي يجعل الذاكرة وبالتالي العاطفة واللاعقل تنوب عن العقل . وعندما يتحدث الجابري عن " نموذج – السلف " فهو لا يقصد به التراث العربي الإسلامي فقط وإنما أيضا الفكر الأوربي .
ثانيا فكر يرسف تحت أغلال القياس الفقهي – قياس الفرع على الأصل أو الغائب على الشاهد . والشاهد هنا – كما يقول الجابري – هو ما يقدمه النموذج السلف ، أما الغائب فهو القضايا المستجدة . وهذا سيؤدي لا محالة إلى الأتجاه إلى النصوص وإغفال تحليل الواقع .
ثالثا استخذام مضامين أيديولوجية من أجل إخفاء عيوب وتناقضات الخطاب العربي المعاصر - يقول الجابري في هذا الصدد إن الخطاب العربي الحديث والمعاصر يخفي ، أو هو يحاول أن يخفي ضعفه المعرفي وثغراته المنطقية بواسطة مضامين أيديولوجية ينقلها من هذه الجهة أو تلك .6 وهكذا يصبح من الصعب جدا الاعتراض على الأطروحات التي يحملها هذا الخطاب ويدافع عنها . إن كل معارضة أو نقد سيواجه بالمزيد من التعصب الأيديولوجي والابتعاد عن الواقع 7
في الختام فإننا في هذا المقال حاولنا تسليط الضوء ولو بشكل مقتضب على كتاب الخطاب العربي المعاصر الذي حاول فيه محمد عابد الجابري تفكيك هذا الخطاب والكشف عن أسباب فشله وتعثره
مع التأكيد على أن هذا الكتاب لا يلقى الاهتمام الكافي من طرف القراء وبالتالي فهي محاولة للفت الانتباه لهذا الكتاب ولهذا المفكر الذي يحتاج منا نحن القراء غير المختصين بالتراث المزيد من الاهتمام به والإطلاع على أعماله التي أكاد أقول أنها تُغير الإنسان .

الهوامش
1- في النقد الفلسفي المعاصر الدكتور محمد نور الدين أفاية . مركز دراسات الوحدة العربية . الطبعة الأولى . الصفحة 154
2- محمد عابد الجابري صاحب مشروع صاحب مقالة عبد الغله بالقزيز
3- في النقد الفلسفي المعاصر الدكتور محمد نور الدين أفاية . مركز دراسات الوحدة العربية . الطبعة الأولى . الصفحة 161
4- الخطاب العربي المعاصر الصفحة 14
5- الخطاب العربي المعاصر الصفحة 59
6- الخطاب العربي المعاصر الصفحة 200
7- التراث والمنهج بين أركون والجابري الدكتورة نايلة أبي نادر 278








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفيديو الق-نبلة.. أول خروج إعلامي لشقيق التوأم صفاء وهناء ا


.. أزمة حمل السكان للسلاح في ولاية تكساس تدخل على خط الحملة الا


.. الدول المغاربية: نحو إعادة فرض الحجر الشامل؟




.. عقبات أمام الحوار السياسي الليبي قبل انعقاده في تونس


.. السيدة الأولى في الولايات المتحدة.. من هن أبرز الشخصيات عبر