الحوار المتمدن - موبايل


الفكر الإصلاحي المعاصر عند مالك بن نبي

الحجاري عادل

2019 / 5 / 25
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


الفكر الإصلاحي المعاصر عند مالك بن نبي.

إن إشكالية الإصلاح بدأت تظهر بوادرها في المجتمعات التي تميزت حركتها الاجتماعية بالوعي والتماسك والتطور، كما هو الحال عند أروبا التي صاغت إشكالية النهضة والإصلاح انسجاما مع مقومات الوعي على مستوى النخبة والمجتمع، حيث ساد التفكير في محاولات إصلاحية جذرية كمشروع لإعادة المؤسسات التي ظلت محتكرة من طرف الكنيسة لقرون من جهة، كما أن الدعوة إلى بواعث التغيير لا يظهر كما عند مجتمعات تتسم بالتأخر والانحطاط وغياب القيم المشتركة، مما مكن من طرح العديد من الإشكاليات تعبيرا عن واقع الانحطاط، وعدم تركيز النخبة على امتلاك ثقافة غنية تدعو إلى وحدة الصف لمواجهة بواعث الخلل، أو إلى نشر الفكر النهضوي وإحيائه وانبعاثه انبعاث العقل والتجديد والتقدم وتعميق الهوة بين الدين والفكر والعلم والاقتصاد والسياسة.

ذلك أن المجال العربي الإسلامي، لم يعرف بوادر النهضة مثلما عرفته أروبا، وهذا يرجع أساسا إلى غياب المؤسسات الدينية الرسمية، فضلا عن انتفاء تنظيم رجال الدين في الإسلام من علماء وفقهاء لأنفسهم في تنظيمات مغلقة تحتكر تأويل العالم كما تحرك الشأن المدني، إذ جاز التعبير أن الباعث على إصلاح البيئة العربية الإسلامية، لا تكون الغاية منه ترميم المؤسسات الدينية وإعادة بناء علاقتها مع المجتمع، بل إصلاح هذا المجتمع الذي يعاني من التأخر مقارنة بالغرب المتقدم.

وعلى هذا الأساس، يمكن أن نسلط الضوء على تجربة الإصلاح عند أحد أعمدة رواد النهضة الإسلامية في القرن العشرين، لكن ودون أن نشير إلى مالك بن نبي(1905-1973) شعلة الثورة والحضارة والتجديد التي لا تعرف التوقف في الجزائر منذ هبوب رياح الثورة والتغيير من المشرق تحت لواء جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ذلك أن رياح الثورة وراية التجديد قد بدأت تهب بقوة إلى المغرب لتعرف تنقلات من بلد إلى بلد، كما تلقي ببذورها في الوطن الجزائري وغيره(1).

غير أن ظهور تجربة الإصلاح في ربوع المشرق على يد الأفغاني، قد ساهم انتشاره بقوة إلى أقصى شمال أفريقيا، فعن طريق جمعية علماء المسلمين في الجزائر تمكن عبد الحميد بن باديس من الأخذ بتجربة الأفغاني تفاديا للمأزق العربي الإسلامي التاريخي، وأملا أن تظل راية الإصلاح والتحديث نبضا يسري بقوة في خلايا الشعوب جيل بعد جيل(2)، فما كان من الممكن أن يستوعب هذا الجيل شروط تجربة الإصلاح التي تمخضت في المشرق، وإعادة بناءها في المغرب، اعتبارا لكون المشرق لا ينفصل أبدا عن المغرب رغم مما ولدته من قوة الدين الإسلامي الذي وحد العقيدة وقيم المحبة والتضامن والأخوة، ورفع راية الجهاد ضد الاستعمار الذي يحاول غرس البلبلة والانقسام ونزع العقيدة ومحو الحضارة وإبادة الشعوب الإسلامية.

كما أن الدعوة إلى الاهتمام بقراءة تراث مالك بن نبي، يتطلب منا إدراك المسار الحاصل في إشعاعه الفكري، وإعادة البحث وفهم القواعد والشروط والأسس التي بنيت عليه فسلفة مالك بن نبي، لكنها في العمق مثلت فسلسفة الحضارة بامتياز، مستلهما من ميراث وأفكار ابن خلدون، مما يمكن القول أن ابن خلدون هو بالذات يظل أستاذه الأول وملهمه الأكبر، وله الفضل الكبير في الاهتمام بإيمان الغزالي، وشمول ابن خلدون من الناحية العقلية، والفكر التحرري الثوري عند جمال الدين الأفغاني(3)، وهذا ما مكن له أن يؤسس بفكره المتنور تيار جديد ضمن الفكر الإصلاحي المعاصر.

تأتي تجربة الإصلاح ثمرة من ثمار الشعوب، كما كان مالك بن بني دور رائد في غرس ثمار الإصلاح، ليؤسس الاتجاه الجديد في البناء الحضاري الجديد بمعنى الكلمة، وهو بناء يتخلص دائما من المشاعر الدونية والقهر والإحباط التي يعاني منها شعب الجزائر من جراء التدخل الاستعماري القائم على محو الروح وتدمير الشخصية الوطنية قبل ابتلاعه للأرض ونهب الثروة(4)، مما يعني أن وعي مالك بن نبي قد استفاق على أزمة العالم الإسلامي، دون أن يستطيع إخراج القواعد الأساسية للنهضة وأن يصيح في هدأة السكون الفكري وافتقاد الرؤية، داعيا بذلك إلى منهج ينطوي على الشعارات التي أرخت تحت العقود العشرة من القرن العشرين(5).

وانطلاقا من الأعمال الثقافية والمشروع الفكري وحركة التأليف التي أخذت تغذي وتشحن أفكار مالك بن نبي، فقد بادر هذا الأخير في أربعينات القرن العشرين إلى إصدار كتاب " شروط النهضة"، وفي الخمسينات " وجهة العالم الإسلامي" و " الظاهرة القرآنية" و " الفكرة الإفريقية والآسيوية"، وقد حاول أن يؤسس لمنهج التأصيل وتحديد أصول ميلاد المجتمع، كما بين ذلك في كتابه " مشكلات الأفكار في العالم الإسلامي"، هذا فضلا عن رغبته الطامحة في تبني قواعد البناء الثقافي كما وضحه في كتابه " مشكلة الثقافة"(6).

وعلى ضوء ذلك، ركز مالك بن نبي على بناء مشروعه الحضاري حول ثلاثة عناصر تقوم عليه: الإنسان، التراب، الوقت(7)، حيث وقف عند العنصر الثاني أي التراب، إشارة إلى أرض الجزائر الغنية بالثروات الباطنية، كما نوه بقيمة الأرض وضرورة تحريرها واستغلال خيراتها الكامنة لتحقيق الرفاهية الاجتماعية والمادية لأبناء الشعب، وتأكيدا منه على ضرورة الحفاظ على عنصر الوقت دون إهداره الذي قد يستغل كل لحظة زمنية في العمل والإنتاج المنظم، أما دور الإنسان في مشروعه الحضاري، فإنه يقتصر عليه ويقف عنده طويلا أكثر مما يقف عند عنصري التراب والوقت، رغم أن الإنسان هو ثمرة مكاسب كل شيء، وهو فكر وعقل الحضارة، لكن بفضل تفاعل الإنسان مع التاريخ فإن الحضارة سوف تنتقل من طور إلى طور أي من مرحلة بدائية إلى مرحلة حديثة، ولا تتوقف حيثما يتوقف الإنسان.

لا ريب أن الحضور الإسلامي في مشروع بن نبي الإصلاحي يظل عماد النهضة والتجديد، وتوعية جيل من الشباب مثقف وسليم، إضافة إلى تحديد موقع الإسلام وحضوره في الاقتصاد العالمي، وكان بن نبي هو أول من تبنى فكرة الاقتصاد الإسلامي وارتباطه بالعقيدة حيث يقول "يجب علينا في الوقت الحاضر أن نجسد هذا التوضيح العقائدي على المستوى التقني، ونتطرق هنا إلى المرحلة الأصعب من عملية إعادة تنظيم هذه القطاعات لما فيها من جهازنا الإداري والقضائي وبنياتنا الاقتصادية والاجتماعية والضريبية"(8)، اعتبارا أنه لم يكن من الممكن تقدم اقتصادي أو اجتماعي دون أن تتحقق العقيدة، والعدالة والاقتصاد والنظام في معانيها المألوفة والأخلاقية، والأقرب إلى الحس الفطري عند الشعب(9).

لقد قرأ مالك بن نبي في اقتصاد الصين والاتحاد السوفياتي من جراء الضغط الرأسمالي، كما رصد كيف بنت الصين وروسيا الخطة من أجل النهوض الاقتصادي السريع يتحدى العجرفة الرأسمالية، وأشار إلى أن الخطة يجب تبنيها كما في إطارها المفاهيمي والتنفيذي لتستوفي مجموعة من الشروط المعنوية والمادية لنجاحها، وأول شرط من هاته الشروط التي تمس مباشرة الجانب التقني هو وحدة المفهوم، كما في رأيه على أن تكون الخطة موحدة وليست فسيفساء تجمع مشاريع صممت كل منها تصميما منفصلا عن المشاريع الأخرى(10).

وبالمقابل، تبنى مالك بن نبي مفهوم " الدورة الحضارية"، ليؤسس بذلك ارتباط الأوضاع العامة سياسيا، واقتصاديا، وثقافيا، فحين تكون مجتمعات داخل هذه الدورة، فإنها سوف تتميز بالفعالية والنهوض والتقدم، لكن في حين تكون خارجها فإن أخطر ما يهددها من مرض اجتماعي(11)، إذ جاز التعبير أن هاته المجتمعات تقف عاجزة عن الفعالية والإنتاج والإبداع، حيث يقول " إن كل تفكير في مشكلة الإنسان هو في النهاية تفكير في مشكلة الحضارة(12). ذلك أن هاته الفكرة البنيوية هي المركزية في مشروعه الفكري حول الإنسان والحضارة والتقنية، فإذا كانت مشكلة الإنسان تبدأ في الأصل، فإن مشكلة الحضارة تعود حسب رأيه إلى تغيير الإنسان نفسه وتخليصه من عوامل السلبية والركون إلى الخرافات والأوهام، وتفعيل فكره ودوره ووظيفته الاجتماعية ليكون محركا فعالا ومستعدا للخروج من المعاناة التي يعيشها الواقع العربي الإسلامي(13).وهو ما ينبغي النظر إلي مشكلة الشعب، وهي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن للشعب أن يحلها مالم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية(14).

إن الخلل وغياب البناء الحقيقي يكون مرهون بحالة من التكدس وضعف الإنتاج وغياب التقنية، بحيث أن تصور بن نبي للتقنية كمشروع حضاري لا تكون تعبيرا عن كومة من الأشياء المتخالفة في النوع، بقدر ما هي عبارة عن مجموعات منسجمة الأشياء والأفكار، بصلاتها ومنافعها وألقابها الخاصة وأماكنها المحددة(15)، وهذا هو الواقع الذي يتم فيه استيراد التقنية دون إنتاجها أو إعادتها، لأن الأهمية لا تنحصر في النظرية بل في الممارسة، ولا التفكير في التاريخ، بل الرؤية والتطلع للحاضر.

أما العودة إلى مشروع بن نبي الإصلاحي، خصوصا الإصلاح السياسي، فإن رؤيته تجاه السياسة تنطلق من الدورة الحضارية ومراحلها وسماتها، باعتبار الإنسان هو إنسان ما بعد الحضارة، وقيل هو المشروع الجديد، كما أن الدعوة إلى إصلاح الإنسان لازمة في إصلاح المجتمع وإطلاق طاقته نحو التعليم والتفكير والعمل المهني والصناعي والإنتاج نحو تحقيق معضلة الإصلاح السياسي(16)، إن هاته الرؤية كانت تعبيرا عن الأوضاع السلبية التي يعانيها المجتمع الجزائري، وقد انتقد ذلك في كتابه " مذكرات شاهد القرن" ضعف التعليم وتغليب فكر المتصوفين على المجتمع بصورتها الخرافية، والاستسلام للكسل وغياب روح العمل الاجتماعي العام، وأشاد بحركة الإصلاح عند ابن باديس كخطوة أولية لإعادة تصحيح الأفكار الدينية، ومحاربة الخرافة، والحث على العمل الاجتماعي، فوجد بن نبي فيها محركا حقيقيا لنهضة المجتمع(17).

هذا ولم يبقى للحركات السلفية أن تؤسس لمشروع حضاري وإنساني، بل سارعت إلى العمل السياسي والحملة الانتخابية، وقد انتقد مالك بن نبي الحركات السلفية في الجزائر التي دخلت غمار السياسة قبل أن تصلح المجتمع، حيث يقول " لقد كان على الحركة الإصلاحية أن تبقى متعالية على أوحال السياسة والمعامل الانتخابية ومعارك الأوثان، ولكن العلماء أنداك قد وقعوا بالوحل، حيث تلطخت ثيابهم البيضاء وهبطت معهم الفكرة الإصلاحية، فجرت في المجرى الذي تجري فيه الشامبانيا في الأعراس الانتخابية(18)، مما يعني أن الانخراط في العمل السياسي بالنسبة للحركة الدينية ما هو إلا العودة إلى منطق الخرافات والحرز والزوايا والأوثان، حيث يقول" لقد ورث الميكروب السياسي ميكروب الدروشة، فبعد أن كان الشعب يقتني بالثمن الغالي البركات والحرز، أصبح يقتني الأصوات والمقاعد الانتخابية(19)، مما يعني ان السلفية التي يعود السبب فيها في بيع الوهم للشعب في الزوايا لتتحول بيعه من جديد في المقاعد الانتخابية.

استخلاصا مما سبق أن مشروع مالك بن نبي الإصلاحي كان ثمرة لإنهاض شعوب العالم الثالث من الفقر والتسلط الاستعماري والعجز عن التقدم العلمي والتكنولوجي، وهو المشروع الحضاري والثقافي والإنساني والاقتصادي بامتياز موروث عن المشروع الأول عند ابن خلدون، حيث لخص في أخر الأمر أن تحصيل الرفاهية للشعوب يكمن في التخلص من عقدة النقص والخوف من الاستعمار، وتقوية عوامل المناعة الداخلية، وتحصين المجتمعات بالتوسل بالعلم والصناعة والعمل، بدل من إضاعة الوقت في الحديث السياسي والحقوق وانتظار الزعامات التي سوف تخلص الشعوب من الاستعمار وتداعياته.

الهوامش:
(1): أحمد زكي صلاح، أعلام النهضة العربية الإسلامية في العصر الحديث، منشور، مركز الحضارة العربية، الطبعة الأولى2001، القاهرة، ص197.
(2): نفسه.
(3): نفسه، صص199-198.
(4): نفسه، ص198.
(5): مالك بن نبي، مشكلات الحضارة، من أجل التغيير، منشور دارالفكر، الطبعة الأولى1995، دمشق، ص6.
(6): نفسه.
(7): أحمد زكي صلاح، أعلام النهضة العربية، م، س، ص202.
(8): مالك بن نبي، مشكلات الحضارة، م، س، ص19.
(9): نفسه، ص18.
(10): نفسه، ص31.
(11): محمد أبو رمان، الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي، منشور الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى 2010، بيروت، ص50.
(12): مالك بن نبي، الفكرة الإفريقية والأسيوية في ضوء مؤتمر باندوغ، ترجمة عبد الصبور شاهين، منشور دار الفكر، الطبعة الثالثة،2001، دمشق،ص82.
(13): محمد أبو رمان، الإصلاح السياسي في الفكر الإسلامي، م، س، ص50.
(14): أحمد زكي صلاح، أعلام النهضة العربية، م، س، ص198.
(15): مالك بن نبي، الفكرة الإفريقية والأسيوية، م، س، ص85.
(16): محمد أبو رمان، م، س، ص56.
(17): مالك بن نبي، مذكرات شاهد القرن، ترجمة مروان القنواتي، منشور دار الفكر، الطبعة الثانية1984، دمشق، صص124-134.
(18): مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة، عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين، الطبعة الرابعة 2001، منشور دار الفكر، دمشق، ص 32.
(19): نفسه، ص34.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. باريس تستدعي سفيرها لدى أنقرة بعد تصريحات أردوغان -غير المقب


.. باريس تستدعي سفيرها لدى أنقرة بعد تصريحات أردوغان -غير المقب


.. هل يؤثر إدلاء ترامب بصوته مبكرا في الانتخابات الأميركية على




.. نتانياهو: خطوة السلام مع السودان مهمة


.. عاجل | الكاظمي: حددنا السادس من حزيران المقبل موعدا للانتخاب