الحوار المتمدن - موبايل


الربوبية بين الكفر والإيمان

عبدالجواد سيد
كاتب ومترجم مصرى

(Abdelgawad Sayed)

2019 / 5 / 28
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الربوبية بين الكفر والإيمان

نشأت الفكرة الربوبية مع تراجع المسيحية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر ، فلم يكن من الممكن للعقل الأوربى ، المتحفز، أن يقبل فكرة سقوط الإله مع سقوط المسيحية ، فالدين وكما بدأ رواد عصر الأنوار يرونه آنذاك ، بدا وكأنه مجرد منتج حضارى أنتجه الإنسان فى مراحل طفولة البشرية ، فى رحلة البحث عن الله، وبالتالى فهو قابل للنفاذ بتغيرالزمان والمكان، ولكن الله خالد دائم باق فى كل الأماكن والعصور، كما أن الإحتياج إليه دائم ورحلة البحث عنه لم تنتهى بعد، ومن هنا بدأ إفتراض ضرورة فصل الدين عن الإله.

ومع توسع حركة الإستعمار الأوربى وتدفق البعثات العلمية على بلاد الشرق الأدنى القديم، حيث نشأت الديانات الثلاث الكبرى، اليهودية والمسيحية والإسلام، تم إكتشاف أسرار اللغة المصرية القديمة، وكذلك أسرار اللغة المسمارية العراقية، والعثور على الكنز الأثرى الهائل لألواح مكتبة الملك آشور بانيبال فى نينوى بشمال العراق حوالى سنة 1852، وأمكن الإطلاع على نصوص ألواح المكتبة، والتعرف على كم هائل من ثقافة الشرق الأدنى القديم، وإستطاع العلماء الأوربيون الربط بينها ، وبكل سهولة ، وبين النصوص والأساطير الواردة فى العهد القديم (التوراة) والإنجيل والقرآن، ومن ثم تم تثييت الإفتراض القائل بأن الأديان الثلاث الكبرى كانت مجرد منتج حضارى مرتبط بمراحل الحضارة الأولى فى تاريخ الإنسان، وفى رحلة البحث عن الله ،وهكذا كان لابد من فكرة جديدة تعالج هذا التناقض، وكانت تلك الفكرة هى الإيمان بالله دون ضرورة الإيمان بأن الأديان والعبادات من عنده، وقد عرفت هذه الفكرة الدينية بالربوبية deism.

كانت الفكرة الربوبية حلاً وسطاً بين الكفر والإيمان، حيث حررت الإنسان من سلطان النصوص الدينية وتناقضاتها، دون أن تدخله فى مواجهة مع خالقه أو تضطره للإفتراق عنه ، كما كانت ثورة أخلاقية كبرى حيث أطلقت العنان لقدرة الإبداع البشرى فى كل المجالات دون الخوف من إثارة غضب الإله. لم تؤسس الربوبية لعبادات أو طقوس حيث كانت مجرد فكرة فلسفية لحل التناقض بين الله والأديان المستهلكة، والتى لم يعد الإنسان المتحضر يجد فيها المثل الأعلى الذى ينشده فى الحياة.

وتقترب الفكرة الربوبية ، وبشكل ما ، من الأفكار الصوفية ومن حركة الرهبنة وعقائد البوذيين، ولكنها على العكس من تلك الحركات الروحية، فهى ذات طبيعة عقلية تماماً، ولاترتبط بأى طقوس . إنها إيمان فلسفى يجد متنفسه فى الإبداع الحضارى، وفى السعى وراء فعل الخير والتقدم فى الحياة. إن مجرد فكرة أن الله موجود وأنه غير غاضب علينا وأننا نستطيع اللجوء إليه متى شئنا تثير الراحة فى النفس وتمنحها الإطمئنان، ولهذا نجد معظم الشخصيات الربوبية شخصيات ذات وزن وثقل إستطاعت أن تلعب أكبر الأدوار فى تاريخ البشرية، دون أن تسقط فى مستنقع الخرافات الدينية أو تفترق عن إلهها فى نفس الوقت. ومن أشهر الشخصيات الربوبية فى التاريخ الرئيس الأمريكى توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية(1743-1826)، وواضع إعلان الإستقلال الأمريكى، والذى وضع كتاباً عن الربوبية أنكر فيه كل معجزات وخرافات الكتاب المقدس، وإحتفظ فيه بإيمانه بالله فى نفس الوقت، وكذلك يعتبر الفيلسوف الفرنسى الشهير فولتير، ومعظم فلاسفة عصر الأنوار، من أشهر الشخصيات الربوبية فى التاريخ، كما أصبح لها إنتشاراً كبيراً فى عالم اليوم.

عبدالجواد سيد








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - رائع
عدلي حندي ( 2019 / 5 / 29 - 09:57 )
فيما قل ودل لمن يبحث عن الحقيقة
تحياتي


2 - الرد على تعليق الأستاذ عدلى حندى رقم 1
عبدالجواد سيد ( 2019 / 5 / 29 - 15:47 )
شكراً أستاذ عدلى على مروركم الكريم

اخر الافلام

.. شاهد | تكبيرات العيد من داخل باحات المسجد الأقصى


.. إسرائيل تشهد عنفا بين مواطنين يهود وعرب


.. تقرير للخارجية الأميركية يكشف القيود على الحريات الدينية في




.. اللد: اعتداءات من متطرفين يهود على السكان العرب بالرغم من حظ


.. المسجد الأقصى موقع مقدس ومصدر توتر في القدس بين الفلسطينيين