الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العلمانية في مواجهة الشعارات الإسلاموية

معاذ الروبي

2019 / 6 / 26
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني



العلمانية هي المبدأ القائم على فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، والدولة ذات الحكم العلماني هي التي تضمن حيادها تجاه القضايا المتعلقة بالدين وتعامل جميع مواطنيها بشكل متساوي بغض النظر عن انتماءاتهم أو تفسيراتهم أو أفكارهم الدينية.
بدايةً، لو تأمل الناس في الشرق الأوسط الكثير من مشاكلهم وأزماتهم التي مزقت دولهم وفرّقت عائلاتهم لوجدوا لمعظمها أصلاً دينياً وبعداً مذهبياً، سواء أكان ذلك بشكل مباشر أم لا، فالاقتتال الطائفي والمذهبي دليل واضح على ذلك، لكنّ عدداً كبيراً من الناس ما زال يكتفي بمعرفة هذا متجاهلاً مصدره (الأكثر خطورة منه) وهو تجارة الدين والتي ازدهرت وزادت في عصرنا لتصل لأوج استغلالها للناس واستخفافها بعقولهم وأدلجتها لبراءة أطفالهم على ايدي جماعات الاسلام السياسي والجهادي، حيث اصبح انتخاب الاولى ركناً من أركان الدين والالتحاق بالثانية شرطاً من شروط دخول جنة النعيم ..!
ترفع هذه الجماعات شعارات برّاقة المنظر (خاوية الجوهر) لدغدغة عواطف العوام واستمالتهم نحوها، لاستغلالهم في الوصول الى الحكم والسلطة، ثم تمارس عليهم ارهابها ودكتاتوريتها باسم الله والدين.
*هل تطبق الدول الاسلامية الشريعة؟
معظم الدول التي تدّعي أنها اسلامية لا تطبق شيئ من حدود الشريعة الأساسية (لصعوبة واستحالة ذلك) وبدلاً من ذلك تمارس الخداع بحثها على التديّن المظهري والشكلي كفرض الحجاب على النساء والمبالغة في الفصل بين الذكور والإناث وملاحقة مُفطِري رمضان وغير ذلك من أمور لا علاقة لها بجوهر الشريعة التي خدعوا الناس بشعارها وصلاحيّة تطبيقها.
*هل تحكيم الشريعة شعار حقيقي قابل للتطبيق ؟
قبل الإجابة، علينا توضيح حقيقة أنه عندما كان يختلف الصحابة والنبي بينهم كانوا متفقين على كونه مرجعيتهم لحسم الخلاف، وبعد وفاته اختلط الحابل بالنابل واصبحوا يتصارعون ويتقاتلون على الدين والسلطة (ويخلطون بينهما حسب المصلحة)، وبالتالي فإن (1) وفاة النبي (كطرف مرجعي لحل الخلافات) و (2) كون القرآن بمعظمه ظنّي الدلالة (لا يوجد تفسير موحد لآياته، بل تتجدّد وتتغيّر معانيه بتجدد وتغيّر الزّمن، وتختلف باختلاف المفسّر وثقافته وحتى ميوله المذهبيّة والسياسيّة الخ) جعلوا من رافعي شعار تطبيق الشريعة والحكم الاسلامي أضحوكة أمام كل ذي عقل يعقل به أو بصيرة يبصر بها، حيث تناحر وصراع هذه الجماعات (الاسلاموية) خير دليل واكبر شاهد على تناقض برامجها وكذب شعاراتها، وهذا يقودنا لحقيقة عدم وجود نسخة إسلام (خام) يتفق الجميع على تبنّيها أو تطبيقها، حيث النسخة الخام ذهبت مع ذهاب النبي، أما الذي نراه منذ ذلك الحين الى عصرنا هذا فهو نسخ متعددة بروايات وتفسيرات واجتهادات بشرية مرتبطة بزمانها ومكانها ومصالحها الطائفية والسلطويّة،
فنجد الاسلام السني بأنواعه (سلفي، صوفي، أشعري، أئمة أربعة) حتى أن كل فئة من هذه الفئات لديها تقسيماتها الداخلية (فالسلفية ينقسمون الى سلفية علمية وحركية وجهادية الخ) مع وجود انقسام آخر داخل هذه الانقسامات (السلفية الجهادية انقسموا الى عدة مناهج وعدة مفتين أدى الى اقتتالهم وتناحرهم وتكفير بعضهم البعض الآخر الخ)
ونجد أيضاً الإسلام الشيعي بأنواعه (اثنى عشري، علوي، زيدي، اسماعيلي الخ) وانقسم هؤلاء الى تيارات ومرجعيات لا داعي لذكرها.
مما سبق نستنتج استحالة تطبيق الشريعة بسبب الاختلاف على وحدة المفهوم، ونستنتج أيضاً أن شعار الاسلام هو الحل هو مجرّد شعار للدعاية أكثر من كونه برنامج للتطبيق (فأي إسلام مما ذكرنا سابقاً هو الحل ؟؟) فلم يعد الاسلام اسلاماً واحداً لتطبيقه ولم يعد هناك نبي اذا اختلف الناس يرجعون اليه للفصل والحكم ..!
بوضوح، إن نبي زماننا هو القانون وحياديّته، والذي يجب أن يرجع الناس اليه لحسم خلافاتهم، كونه أتى بتوافقهم عليه، وهو كذلك مستمد من أفكارهم التي تناسب وضعهم الإنساني وتتوافق مع تطورهم الاجتماعي في فهمهم للدين (ان كانوا يؤمنون به) أو للدنيا (التي يتعلمون من تجاربها كل يوم) حيث لا وجود لمدينة فاضلة في هذا العالم (كما يُنظّر تجّار الدين) بل يوجد مدن يتعلم سكانّها من أخطائهم ويعدّلون أنظمتهم يوماً بعد يوم، فالحضارة هي صنع بشر أخطؤوا ثم تعلموا من أخطائهم، ظلموا ثم تعلموا من ظلمهم، ثم طورا قيمهم مع الوقت حتى وصلنا لمواثيق ومبادئ حقوق لإنسان، وهنا تظهر لنا مرونة العلمانية وقابليتها للتغيير والتعديل نحول الأفضل (بخلاف الأحكام الدينيّة التي يدعي مناصروها قدسيّتها ويتعصّبون اليها مع اختلافهم في تأويلها وكيفيّة تطبيقها).
*هل هناك مشكلة بأن يسمّي حزب نفسه على أساس ديني؟ وهل مشاركة الأحزاب الدينية في العملية الديمقراطية يهدد الدولة العلمانية؟
أولاً، ان أبرز جماعة دينية تمارس ذلك في منطقتنا العربية هي جماعة الاخوان المسلمون، والمتأمل لدورها وممارستها يجد تناقضاً واضحاً بين ما تدّعيه على الإعلام وما تمارسه على أرض الواقع (لا عجب أن معظم الجماعات الارهابية خرجت من رحمهم)، حيث تعتمد على الفتاوى الخشنة وقتما تشعر بالقوة وتلجأ للفتاوى الناعمة عندما تكون في موقف ضعف، وهكذا يتّضح للمتابع نفاقها وانتهازيّتها وخداعها ..!
(1) لا مشكلة بتسمية حزب نفسه باسلامي أو مسيحي أو الخ، فألمانيا العظمى قادتها إمرأة عظيمة (المستشارة ميركل) ممثلة عن الحزب المسيحي الألماني (خضعت المسيحية لعمليات إصلاح ديني طويلة وكبيرة)، مشكلتنا الأساسية ليست بالأسماء إنما بالجوهر الفكري والتشريعي الذي تقوم عليه، فالغالبية الساحقة من الأحزاب الإسلاموية اليوم تقوم مبادئها الأيدولوجية على ادعاء تمثيل الله (ودينه الصحيح) مما يبيح لها تكفير الآخر واباحة دمه عند أقرب صراع سياسي على السلطة، لذلك فالسماح لهذه الأحزاب بالدخول لعالم السياسة بدون إصلاح ديني (اسلامي) مُسبق كاعطاء بنادق لمجرمين ومطالبتهم بحفظ ارواح المدنيين ..!
(2) المطلوب مراجعة دقيقة وتغيير شامل لأبجديات هذه الجماعات قبل السماح بانخراطها بأي عملية ديمقراطية، هذا التغيير يجب أن يستند على رؤى المصلحين الدينيين، فالقرآن (المرجع الأول والأساسي المتفق عليه عند كل المذاهب الإسلامية) الجزء الأكبر منه ظني الدلالة، فبدلاً من تأويله حسب مصالح هذه الجماعات وأطماعها في ارهاب خصومها، الاولى أن يكيّفوا آياته لتتوافق مع مواثيق حقوق الانسان، على الأقل كان ذلك سيحد من الارهاب الفكري والنفسي والجسدي (الذي يعاني منه كل من يختلف مع هذه الأحزاب)، ولساهم ذلك في تعزيز الأمن الداخلي والسلم الاجتماعي.
نوجز ما سبق بالقول بأن السماح لهذه الجماعات وغيرها بدخول اللعبة الديمقراطية يجب أن يسبقه عمليّة اصلاح ديني حقيقي، وأيضاً، علمنة للمجتمع واشباعه بالفكر الليبرالي الذي يحترم الآخر بغض النظر عن اختلافه (فالعلمنة مرحلة سابقة أساسيّة للديمقراطية حتى لا تأتي لنا هذه الديمقراطية بأحزاب عنصرية عرقيّاً أو متطرّفة دينيّاً).
وأخيراً،
أختم بالقول أن أُولى خطواتنا على طريق المدنية والدولة الديمقراطية يبدأ باستبدال شعار الإسلام هو الحل بشعار العلمانية هي الحل (حيث الموضوعية والمرونة والوضوح)، عندها ستكون الطائفية والمذهبيّة من الماضي، وستصبح الليبرالية والتعدّدية واقعاً يسير بنا الى المستقبل ..!
والسلام

د.معاذ الروبي











التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لأول مرة.. مسابقة لاختيار المسجد المثالي لعام 2022


.. عظة الأحد - القمص جبرائيل: من يسمع صوت المسيح يوصل لملكوت ال




.. عظة الأحد - القمص جبرائيل أمين يوضح ما هي -ضيقات الأنجيل في


.. قلوب عامرة - التفسير الموضوعي لسورة الأنبياء الآيات 92-95 {




.. توفي قبل عقد قرانه با?سبوع.. «عريس الجنة» قتل بـ 9 طلقات على