الحوار المتمدن - موبايل


فى الرد على يوسى كلاين هاليفى- رسائل إلى جارى الفلسطينى - عبدالجواد سيد

عبدالجواد سيد
كاتب ومترجم مصرى

(Abdelgawad Sayed)

2019 / 7 / 13
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


فى الرد على يوسى كلاين هاليفى- رسائل إلى جارى الفلسطينى - عبدالجواد سيد
عزيزى يوسى
تحية طيبة وبعد.
أولاً أود أن اشكرك على مشاركتى كتابك القيم ، رسائل إلى جارى الفلسطينى ، الغنى بعاطفته وبلاغته ونياته الحسنة، والذى قررت أن أنشر تعليقى عليه فى مقالى هذا، رغبة فى تعميم الفائدة ، وتوسيع دائرة الحوار بدلاً من قصره علينا ، فرغم أن كتابك يحمل عنوان رسائل إلى جارى الفلسطينى فهو أيضاً رسائل الى جيرانك الشرق أوسطيين، المسلمين تحديداً، الذين يرفضون وجودك ، تماماً مثل جارك الفلسطينى، ولذا فانا أرى أن مشاركة غير الفلسطينين بالرأى هو أمر طبيعى، وبصفتى أحد هؤلاء أحب أن أخبرك بخبر مذهل، وهو إننى قد إقتنعت بروايتك التاريخية والمعاصرة كل الإقتناع ، بل إننى مقتنع بها فى الواقع حتى قبل أن ترويها فى كتابك ، فالوجود التاريخى لليهود فى فلسطين حقيقة لاريب فيها ، كما أن إسحاق هو صاحب الحق فى ميراث إبراهيم، وليس إسماعيل ، كذلك فأنا مقتنع كل الإقتناع بأن رغبة الإسرائيليين فى السلام هى أكبر من رغبة الفلسطينين ومحيطهم الإسلامى، والذين لا يقبلون إلا بمبدأ كل شئ أو لاشئ’ بينما قد قدم الإسرائيليون أكثر من فرصة للسلام ، سواء فى قرار التقسيم سنة 1947 ، أو فى كامب ديفيد سنة 2000 وبمبدأ التنازلات المتبادلة ، وليس بمبدأ كل شئ أو لاشئ ، ذلك السلام الذى تسميه فى الرسالة السادسة من كتابك (بإقتسام العدالة) وهى الرسالة التى بدأت منها رفضى لباقى الرسائل ، بعد أن كنت قد إقتنعت بها.
إن التلميحات التى جاءت فى الرسائل الخمس الأولى جاءت فى رسالتك السادسة واضحة صريحة ، فى هجومك على اليسار الإسرائيلى بائع الوهم كما تصفه ، وعلى الحضارة الغربية العلمانية ، حضارة الهولوكست كما تصفها ، وفى تأكيدك على أن اليمين الإسرائيلى المتدين الذى تنتمى إليه ، وكذلك الفلسطينى بطبيعة الحال ، هما وحدهما القادران على تحقيق السلام بين الشعبيين، على منهج التوراة والقرآن، وإسحاق وإسماعيل ، وليس على منهج مبادئ حقوق الإنسان ، ثقافة الحضارة الغربية ، ذلك الطرح الذى وجدت فيه ، وبرغم تقديرى لحسن نياتك ، منهجاً باطلاً كل البطلان، يقلب كل رسائلك للسلام رأساً على عقب، ويجعلها مجرد أحلام وأوهام مغلوطة، فكيف يمكن لثقافتنا القديمة، الأسطورية الموروثة، التى هى سبب مشاكلنا، أن تكون هى أيضاً سبب خلاصنا؟
لقد راهن اليسار الإسرائيلى على سلام الشعوب وفشل لإنه لم يكن هناك على الجانب الفلسطينى يسار بنفس الوعى والقوة ، ولقد راهن اليمين الإسرائيلى على سلام السياسة وإنسحب فعلاً من سيناء وغزة ، لكن السلام مع ذلك لم يتحقق، لإن سلام الشعوب وليس سلام السياسة، هو السلام الحقيقى، والذى لن يتحقق إلاعندما تكتمل ظروفه المناسبة ، لقد وصفت الحضارة الغربية بحضارة الهولوكوست رغم أنها الحضارة التى تعلمت منها الديموقراطية التى تفوقت بها على أبناء عمك ، ولقد عظمت الدين والقومية كل التعظبم رغم أنهما داء البشرية الأكبر، إن بضعة خيرين من المتدينيين والقوميين لايمكن أن يقودا مسيرة السلام بين الشعبين، وإلا لماذا تأخروا كل هذه القرون الطويلة، إن وحدة الإبراهيميين التى تعبر عنها بقيام إسماعيل وإسحاق بإتمام مراسم دفن أبيهما هى مجرد أسطورة لاتعنى شيئاً، لإنه من المعروف فى ثقافة الشرق الأوسط ، أن الناس تتوحد فى الجنازات، لكنهم يستانفون الصراع والعداوة بمجرد إنتهاء مراسمها ، كما إن إله إبراهيم الذى يجمعهما، والذى تستشهد به دائماً ، هو نفسه الذى حكم مرة بأن غير اليهود كفرة ، ومرة أخرى بأن الدين عند الإسلام ليس أكثر. إن الإستشهاد ببعض آيات تحض على العدل أو السلام من التوراة أو القرآن لايمكن أن تنفى أنها نصوص كتبت لشعوب وقبائل متصارعة فى عصور قديمة لم يعد لها وجود فى عالم اليوم الذى يقوده العلم والفكر، ولايشوبه فى الواقع سوى أنه لم يستطع بعدالتخلص من مؤثرات تلك العصور القديمة. أنك كمن تنكر علينا أن يكون لنا عصر أنوار خاص بنا فى الشرق الأوسط ، و تحكم علينا بأن نظل أسرى لتلك الكتابات المقدسة القديمة، رغم أن العلوم الحديثة قد أثبتت، وكما تعلم ، أنها نصوص منقولة من نصوص حضارية وثنية أقدم منها ، وليست منزلات إلهية كما مازال يعتقد المتدينون من أبناء إبراهيم جميعاً.
وبإختصار، فإن الخلاصة التى أود الوصول إليها هى أن السلام بين أبناء العم ، الإسرائيلىين والفلسطينين ، يحتاج إلى ثقافة جديدة غير شريعة إبراهيم وإسحاق وإسماعيل، شريعة مبادئ حقوق الإنسان الثلاثين وربما أكثر ، شريعة الإشكينازى العلمانى الإسرائيلى وليس شريعة المزراحى المتدين ، الإشكنازى الذى بنى إسرائيل الحديثة هو الذى سيحقق لها السلام أيضاً عندما تكتمل الظروف المناسبة ، نفهم كم هو حضن الإله آمن، وكم هو حضن القبيلة دافئ ، وأن ذلك كان سر بقاء إسرائيل حتى اليوم، كما أشرت فى كتابك ، مع ذلك فإن حضن الإنسانية أرحب وأرحم، حيث للحضارة الدنيوية علومها وآدابها وفنونها وأعمالها الخيرية وروحانيتها أيضاً ، وحيث أمنا الأرض واحدة ، حسب تعبير أرنولد توينبى ، حيث لايوجد صراع هوية ، بل رب واحد وعالم واحد وإنسان واحد، إن مثل هذه الثقافة هى التى نحتاجها وهى المدخل المناسب لأى حوار سلام حقيقى ليس فقط بين أبناء إبراهيم، ولكن بين كل البشر، مدخل الحضارة الغربية التى مازلت تخوض معركتها الشرسة ضد الدين والقومية، والتى أرى إسرئيل الحديثة كإمتداد لحضارتها وليس لحضارة التوراة كما تتصور. ذلك الإمتداد الذى يفتقده أبناء العم الإسماعيليين ، حيث أن حضارتهم مازلت فى أساسها إمتداداً لحضارتهم الإسلامية الإسماعيلية ، وليس لحضارة الغرب الدنيوية العلمانية التى بها تفوقتم عليهم.
إن فكرة الإصلاح الدينى والمصالحة الدينية والتفسير الحديث للنصوص الدينية ، من أجل حلحلة الصراع بين العلمانيين والمتدينين داخل إسرائيل بين من جهة ، وبين الإسرائيليين والفلسطينين من جهة أخرى، والتى إقترحتها فى كتابك، هى فكرة عبثية مازلنا ندور ونلف حولها فى كل مكان فى الشرق الأوسط وليس فى إسرائيل وحدها، يجب أن ننفصل عن عصور الدين والقومية إلى مفاهيم وأفكار أخرى أكثر نضجاً وملائمة للحياة المعاصرة وتطورها العلمى ، بفكر إنسانى مواكب لذلك التطور، وتجمعات سياسية إقليمية تراهن على وحدة التراب وتتجاوز وحدة الهوية، كما هو الحال فى أماكن كثيرة من عالم اليوم المتطور. هذا هو الفكر الذى يمكن به حل الصراع مع الجار الفلسطينى فى دولة واحدة أو دولتين( مش حاتفرق )، ويمكننا بعد ذلك أن نترك الدين مسألة شخصية ، وبالطبع فإن ميراث إبراهيم وإسحاق وإسماعيل لايمكن أن يكون جزءُ من هذا الحل المعقد ، فكيف يمكن أن يصالحك الإسماعيلى وقد إنقسم هو نفسه إلى شيعى وسنى وطوائف ومذاهب متناحرة، وكيف يمكن أن تصالحه وقد إنقسمت أنت نفسك إالى إشكينازى ومزراحى وأثيوبى وطوائف ومذاهب متباعدة؟
تحياتى وتقديرى وشكراً على مشاركتى كتابك القيم.
عبدالجواد سيد








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أغناهم الله .. و رسوله !! / التوبة 70 - 78/ قناة الانسان / ح


.. إسرائيل.. تصاعد التوتر بين عرب 48 واليهود


.. دعوات للسلام يطلقها عرب ويهود في مدينة الجش داخل إسرائيل




.. الشريعة والحياة - بناء الشخصية المسلمة في ضوء القرآن والسنّة


.. ثمانون عاما على حملة اعتقالات -البطاقة الخضراء- الجماعية بحق