الحوار المتمدن - موبايل


عن كيف يغدو الألمُ نشوةً.

علي عامر

2019 / 7 / 15
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


عن كيف يغدو الألمُ نشوةً.

استشعر الفلاسفة منذ القدم، تلك العلاقة العجيبة بين اللذة والألم، أو كيف يكون الألم وسيلة لغاية اللذة، أو التلذذ بالألم.

وهي من أكثر العلاقات ابهاماً وغرابة، من حيث هي علاقة بين نقيضين، بين الألم الذي ينفر منه الانسان ويتحاشاه، وبين اللذه التي تعتبر هدفاً بيولوجياً وسيكولوجيّاً أصيلاً عند كل جسد سويّ.
الغريب هنا، أنّ اللذة لا تتأتى إلّا من خلال الألم، وهذه قاعدة صحيحة دائماً وتختلف فقط في المستوى والدرجة.

ديالكتيك اللذة والألم، يبدأ عند نمو حاجة الانسان للذة، فيسعى نحو الألم (الألم المحمود: مثل ألم العملية الجنسية)، كطريق للذة، يبدأ هذا الألم بالتصاعد (التراكم الكمي) إلى حين ينقلب كليّاً إلى لذة كاملة، حيث يختفي الألم تماماً تحت هيجان الشعور باللذة والنشوة، وبعد انتهاء الممارسة، تختفي اللذة ويبقى فقط آثار ألم الممارسة الجنسية على الجسد.
نلاحظ أيضاً عدم وجود مرحلة نقيّة من الألم الصافي أو اللذة الصافية، إذ تنقسم المراحل بحسب سيادة أحدهما وليس بحسب اختفاء الآخر.
إذن فهي عملية جدليّة معقدة من عدّة مستويات!


في مثل هذه القضايا، تصل الفلسفة في كثير من الأحيان إلى درجة عالية من الاقتراب من حقيقة الأمر، إلّا أنّها مهما اقتربت تبقى آراؤها مفتقدة للبرهان الملموس والذي لا يظهر إلا بالعلم والعمل المخبري.
من الجميل، أنّ علم النيورولوجي، وعلم الهرمونات والأنزيمات، أو بشكل عام علم الجسد البشري، اهتم بدراسة تلك الظاهرة الأصيلة في العلاقات البشرية، ووصل لنتائج مبهرة، إذ نجح في تحديد مناطق الدماغ والهرمونات المسؤولة عن {ديالكتيك اللذة والألم} أي المسؤولة عن تحويل الألم إلى لذة.

والجميل أنه استخدم مصطلاحات مجازية للتسمية: مثل "النعمة الكيماوية", "الألم المحمود" وغيرها.

أرفق هنا اقتباساً مقتضباً من أحد المقالات العلمية المنشورة على موقع BBC.
والترجمة والتعريب لصاحب هذا المقال.

" تتفاعل منطقة (الحصين)، الشبيهة بفرس البحر، مع الإشارات المُستقبَلة بخصوص آلام تعاني منها مناطق في الجسم، عبر إصدار أوامر بإفراز تلك المواد المخدّرة الخاصة بجسم الإنسان، ألا وهي "الأندروفينات".
وتتفاعل هذه المواد البروتينية مع مُستقبِلات المستحضرات الأفيونية في المخ، وتحول دون أن تُطلق هذه المُستقبِلات المواد الكيمياوية التي تشارك في نقل الإشارات الكهربائية التي تُشْعِرُ المرء بأنّه يحسّ بألم ما، وهذا يساعد على الحيلولة دون الشعور بالألم.
لكن الأندروفينات تمضي إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ تستحثّ منطقتي الفص الجبهي والناحية الحُوفيّة في المخ، وهما المنطقتين التين تنشطان عند إقامة المرء علاقة حب متقدّة أو سماعه للموسيقى.
وتشابه مشاعر النشوة التالية للإحساس بالألم هذه، تلك الحالة من الانتشاء والثمالة التي تنتاب من يتعاطى المورفين أو الهيروين، وهما مادتين تتفاعلان كذلك مع المستقبلات الأفيونية.
في السياق نفسه، تسبب الآلام التي تنتاب المرء جراء ممارسته تدريبات رياضيّة شاقة ومكثفة تزايداً حاداً في إفراز مادة "الأنانداميد"، وهي مادة أخرى مسكنة للألم يفرزها الجسم.
وتتفاعل هذه المادة، التي تُعرف باسم "النعمة الكيمياوية"، مع مُستقبِلات القنّب في المخ، وذلك لمنع صدور الإشارات الخاصة بالشعور بالألم، واستثارة شعور متقد وغامض بالمتعة مشابه لذلك الذي يثيره تعاطي الماريوانا، وهي المادة التي تتفاعل مع ذات المُستقبِلات المخية.
أما الأدرينالين، الذي يفرزه الجسم جرّاء شعوره بالألم كذلك، فيضفي قدراً أكبر من الإثارة لأنه يتسبب في زيادة ضربات قلب من يمارس تلك التدريبات والأنشطة الرياضية.
ومن المعتقد أنّ شعور المرء بالتهاب عضلات ساقيه يثبّطه عن بذل مجهود مفرط، بينما قد يكون شعور أجدادنا بما يُمكن أن نسميه "نشوة العداء" هو ما مَكَّنَهُم من تحمل آلام المطاردات الماراثونية التي ربما كانوا طرفا فيها قديما.
وبشكل أكثر عمومية، يُعتقد أنّ فورة المشاعر ذات الطابع الممتع التي تعقب الشعور بالألم، ربما تكون قد تطورت على نحو يساعد من يصابون بجروح على تحمل آلامهم والتغلب عليها في الفترة التي تتلو الإصابة مباشرة."
انتهى الاقتباس

بعد كل هذا، امنح نفسك كل يوم عدّة دقائق لتتقدم بأسمى معاني الامتنان والشكر والعرفان لمنطقة الحصين وملحقاتها من هرمونات وغيره، فلولاها لكانت بيولوجيا جسد الانسان المتدفقة والمعقدة والممتعة والجميلة أقرب لبيولوجيا الأخشاب.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي